الأخبار

أيمن طارق: الأدب الصيني المعاصر يحتاج إلى حضور أوسع في مصر

التعاون المصري الصيني
التعاون المصري الصيني

أكد أيمن طارق، مترجم اللغة الصينية، أن حركة الترجمة بين الصينية والعربية أسهمت في توسيع معرفة القارئ العربي بالمجتمع الصيني، بما يشمله من آداب وفنون وتجارب حضارية وإنسانية، مشيرًا إلى أن الترجمة لا تقتصر على نقل النصوص بين اللغات، وإنما تتيح فهم التحولات التاريخية والاجتماعية للآخر بعيدًا عن الصور النمطية والمعرفة التي تقتصر على الأخبار والمعلومات العامة.

 فهم الآخر يبدأ من معرفة سياقه الحضاري

وفي حديث خاص لسياق 24، قال طارق إن المكتبة العربية باتت تضم أعمالًا صينية مترجمة في مجالات الأدب والثقافة والسياسة والاقتصاد والعلوم والمعارف العامة، مقارنة بما كان متاحًا قبل بضعة عقود، معتبرًا أن هذا التنوع أسهم في توسيع صورة الصين لدى القارئ العربي، لتتجاوز تاريخها القديم واختراعاتها الكبرى ومكانتها الاقتصادية والسياسية، وتشمل تجربتها التنموية وتحولاتها الاجتماعية وثراءها الثقافي.

وأضاف أن فهم الآخر يبدأ من معرفة سياقه الحضاري وطريقة تفكيره والتجارب التي شكّلت وعيه الجمعي، موضحًا أن قراءة عمل أدبي صيني أو كتاب يتناول تجربة الصين في الحد من الفقر أو حماية البيئة لا تمنح القارئ معلومات فحسب، بل تقرّبه من تجربة مجتمع له خصوصيته التاريخية والثقافية، وتساعده على فهم مسارات تطوره والتحديات التي واجهها.

وشدد على أن بناء الفهم المتبادل بين مصر والصين يتطلب ألا تظل حركة الترجمة أحادية الاتجاه، بل أن تتسع لترجمة الأدب والفكر والإنتاج المعرفي المصري والعربي إلى الصينية، حتى يتمكن القارئ الصيني من التعرف إلى المجتمع المصري وتاريخه وثقافته وتحولاته المعاصرة، مؤكدًا أن التبادل الثقافي الحقيقي يقوم على حركة متبادلة من المعرفة والتفاعل.

وأشار طارق إلى أن الحاجة لا تزال قائمة لترجمة المزيد من الأعمال الصينية في الأدب والفكر والعلوم والتجارب التنموية والثقافية، إلى جانب تعزيز حضورها في المكتبات والجامعات والفضاء الثقافي العام، حتى لا تظل المعرفة التي تتيحها الترجمة محصورة في نطاق المتخصصين والمهتمين.

صورة الصين لدى القارئ العربي

 

وأوضح طارق أن صورة الصين التي تصل إلى القارئ العربي عبر الأعمال المترجمة تتسم بالتنوع، نظرًا لاختلاف المجالات والموضوعات التي تتناولها، لكنه رأى أن هذه الصورة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوسع والتوازن حتى تعكس بصورة أشمل تنوع المجتمع الصيني وتحولاته.

ولفت إلى أن جانبًا من المنشورات الصينية المتخصصة يتناول التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، من مجتمع عانى الفقر والاضطرابات إلى مجتمع حقق تقدمًا اقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا، كما يوثق جهود أجيال متعاقبة في تحقيق الاستقلال والتنمية وتحسين مستويات المعيشة.

 تجربة الصين في الحد من الفقر

وأضاف أن هذه الأعمال تتناول موضوعات مثل تجربة الصين في الحد من الفقر، وحماية البيئة، والتنمية الاقتصادية، ومبادرة الحزام والطريق، إلى جانب المؤلفات التي تعرف القارئ العربي بالمنجزات الحضارية الصينية، وفي مقدمتها الاختراعات الأربعة الكبرى: صناعة الورق والطباعة والبارود والبوصلة، وما ارتبط بها من إسهامات في تاريخ المعرفة والتكنولوجيا والتواصل بين الحضارات.

وفي المجال الأدبي، أوضح أن الأدباء الصينيين أسهموا في توثيق التحولات التي شهدها المجتمع، ولا سيما خلال القرن العشرين، من خلال تناول الحروب والمجاعات والمآسي الاجتماعية والاضطرابات السياسية والاستعمار وغيرها من الأحداث التي تركت آثارًا عميقة في حياة الأفراد والمجتمعات.

وأشار إلى أن عددًا من الأدباء اتجهوا إلى تصوير أحوال البسطاء ومعاناتهم، ورصد الفجوة بين تطلعاتهم والظروف القاسية التي عاشوها، وهو ما يتيح للقارئ العربي الاقتراب من التجارب الإنسانية للأفراد الذين عاشوا الأحداث التاريخية وتأثروا بها، بدلًا من التعرف إلى التاريخ بوصفه سلسلة من الوقائع الكبرى فحسب.

نقل عناصر الثقافة الصينية 

كما أشار إلى أهمية الأعمال التي تنقل عناصر الثقافة الصينية المادية وغير المادية، مثل الآثار والأعياد والملابس والمأكولات والألعاب الشعبية والرياضات، لما تتيحه من معرفة بتفاصيل الحياة الثقافية ودلالاتها التاريخية والاجتماعية، بعيدًا عن الصورة التي تتشكل من متابعة الأخبار السياسية والاقتصادية وحدها.

لكن طارق أكد أن الأدب الصيني المعاصر لا يزال بحاجة إلى اهتمام أكبر، خاصة الأعمال التي تتناول واقع الصين الحالي وما يشهده المجتمع من تحولات في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والقيم والتطلعات الفردية. ورأى أن الحضور الواضح نسبيًا للأعمال الكلاسيكية قد يجعل القارئ العربي أكثر معرفة بالمراحل التاريخية السابقة من معرفته بالتجربة الصينية الراهنة وأسئلتها وتنوع أصواتها الأدبية والفكرية.

الأدب الصيني في مصر

وفيما يتعلق بمكانة الأدب الصيني لدى الناشرين والقراء في مصر، قال طارق إن حضوره لا يزال محدودًا مقارنة بالأدب الغربي وبعض الآداب الآسيوية الأخرى، مثل الأدبين الياباني والكوري، موضحًا أن ذلك لا يعني افتقار الأدب الصيني إلى الموضوعات القادرة على جذب القارئ العربي، وإنما يرتبط بحجم الأعمال المترجمة، وآليات ومعايير اختيارها، ومدى انتشارها، والاهتمام الذي تحظى به لدى الناشرين والنقاد والقراء.

وأضاف أن الأعمال الكلاسيكية والأسماء الأدبية المعروفة لا تزال أكثر حضورًا من قطاعات واسعة من الأدب الصيني المعاصر، الذي يتناول التغيرات التي طرأت على أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية والقيم والتطلعات داخل المجتمع الصيني.

 الصين بوصفها قوة اقتصادية

ودعا إلى توسيع نطاق الاختيارات الأدبية، وعدم الاقتصار على الروايات التي حققت شهرة عالمية أو حصدت جوائز، بل الانفتاح على تجارب متنوعة من حيث الموضوعات والأساليب والأجيال، مشيرًا إلى أن الأدب الصيني لا يقتصر على الرواية، وإنما يشمل القصة القصيرة والشعر والمسرح وأدب الشباب وغيرها من الأشكال التي يمكن أن تقدم صورة أكثر تنوعًا عن المجتمع المعاصر.

وشدد على أن ترجمة الأعمال لا تكفي وحدها لضمان وصولها إلى الجمهور، إذ يتطلب الأمر اهتمامًا أكبر بالنشر والتوزيع، والتعريف بالكتب من خلال المراجعات النقدية والندوات والأنشطة الثقافية، حتى لا تظل محصورة في نطاق المتخصصين والمهتمين بالشأن الصيني.

واعتبر أن الاهتمام المتزايد بالصين وتجربتها الاقتصادية والثقافية يتيح فرصة لتوسيع حضور أدبها في مصر، شريطة أن يمتد الاهتمام من الصين بوصفها قوة اقتصادية وسياسية إلى أدبائها ومفكريها وتجاربها الإنسانية، بما يجعل الأدب الصيني جزءًا من الخيارات القرائية للجمهور العربي.

الترجمة والقوة الناعمة

وأكد طارق أن ال و الأدب يمتلكان قدرة كبيرة على تعزيز القوة الناعمة الصينية في مصر، لكن تأثيرهما يتجاوز الترويج الثقافي المباشر، إذ يرتبط بقدرة الأعمال الأدبية على نقل القارئ من المعلومات العامة عن الدولة إلى التجارب الإنسانية التي يعيشها أفراد مجتمعها.

وأوضح أن قراءة رواية صينية تتيح للقارئ المصري التعرف إلى حياة الأفراد ومخاوفهم وتطلعاتهم وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية، وطريقة تعاملهم مع التحولات الكبرى، معتبرًا أن الأدب يجعل الثقافة قابلة للتجربة والتفاعل، بدلًا من أن تظل مجموعة من المعلومات التي يتلقاها الجمهور من الخارج.

وشدد على ضرورة ألا تتحول الأعمال الأدبية إلى أدوات لنقل صورة معدة سلفًا عن المجتمع الصيني، موضحًا أن الأدب المؤثر ليس بالضرورة ما يقدم مجتمعًا مثاليًا خاليًا من التناقضات، وإنما ما يعرض تجربته بصدق وعمق إنساني. ومن هنا، تبرز أهمية منح المترجم والناشر مساحة حقيقية للاختيار، وإتاحة المجال لتعدد الأصوات والاتجاهات الفكرية، وتوفير ترجمات دقيقة وأمينة لغويًا وإبداعيًا.

تشكيل صورة الثقافة

وأشار إلى أن التحدي في الترجمة من الصينية إلى العربية لا يقتصر على نقل النص بين لغتين، بل يشمل نقل دلالاته الثقافية وإيحاءاته وسياقه الفكري، وصياغتها في لغة عربية أدبية تستوعب خصوصيته دون أن تفقده روحه، مؤكدًا أن المترجم شريك في تشكيل صورة الثقافة التي ينقلها إلى مجتمع آخر.

وأضاف أن القيمة الاستراتيجية لترجمة الأدب الصيني لا تقاس بعدد الكتب الصادرة وحده، وإنما بقدرتها على الوصول إلى قراء حقيقيين، وإثراء النقاش الثقافي، وبناء معرفة أكثر عمقًا وتوازنًا بين المجتمعين المصري والصيني، مع ضرورة إتاحة فرص مماثلة للأدب العربي للوصول إلى القارئ الصيني.

 التواصل الثقافي المستدام

وحول دور الفعاليات الثقافية وتعليم اللغة الصينية في تعزيز العلاقات بين البلدين، قال طارق إن هذه الأنشطة تمثل جزءًا مهمًا من جهود التقارب، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق تواصل ثقافي عميق ومستدام، إذ تكمن أهميتها في قدرتها على فتح الطريق أمام معرفة أوسع بالثقافة الصينية وجعلها حاضرة باستمرار في الحياة الثقافية المصرية.

وأوضح أن قياس عمق التواصل يتطلب النظر إلى مدى حضور الأدب والفكر والفنون الصينية داخل المؤسسات التعليمية والثقافية، ومدى توافر الأعمال المترجمة في المكتبات، وحصولها على مراجعات نقدية في الصحافة الثقافية، ومناقشتها في الجامعات والنوادي الأدبية، إلى جانب فرص وصول الأعمال المسرحية والسينمائية والفنية الصينية إلى الجمهور.

البحث الأكاديمي

وشدد على أن تعليم اللغة الصينية ينبغي ألا يتوقف عند اكتساب المهارات اللغوية، بل أن يفتح الطريق أمام فهم أعمق للأدب والتاريخ والفكر والمجتمع، داعيًا إلى تعزيز دور أقسام اللغة الصينية في الجامعات المصرية بوصفها جسورًا للمعرفة الثقافية، ومراكز لإعداد المترجمين والباحثين وتنظيم الندوات والمشروعات المشتركة في الترجمة والنقد الأدبي والأدب المقارن.

كما أكد  على أهمية تعزيز الشراكة بين الجامعات ودور النشر والمؤسسات الثقافية، حتى تصل مخرجات البحث الأكاديمي إلى القارئ العام، ولا تظل الكتب المترجمة حبيسة نطاق محدود من المتخصصين والمهتمين.

قراءة ثقافة الآخر

واختتم طارق بالتأكيد أن العلاقات الثقافية بين مصر والصين ينبغي ألا تقوم على تعريف المجتمع المصري بالثقافة الصينية وحدها، بل على إتاحة المجال لكل طرف لاكتشاف تجربة الآخر من خلال الأدب والفكر والفن، مشيرًا إلى أن الترجمة المتبادلة والندوات المشتركة وبرامج الإقامة الأدبية والتعاون بين المؤسسات الثقافية يمكن أن تنقل العلاقة من مجرد التعارف إلى التأثير المتبادل وإنتاج المعرفة.