الأخبار

الاقتصاد العالمي | العلاقات الروسية الأفريقية

محمد رجب: الشراكة الروسية الأفريقية تحتاج إلى استثمارات منتجة تتجاوز تبادل السلع

روسيا وأفريقيا..
روسيا وأفريقيا.. شراكة اقتصادية تبحث عن آفاق جديدة

مع اقتراب انعقاد القمة الروسية–الأفريقية خلال الأيام المقبلة، يبرز تساؤل اقتصادي جوهري: هل تنجح موسكو في تحويل نفوذها السياسي والأمني المتنامي داخل القارة إلى استثمارات إنتاجية وشراكات اقتصادية مستدامة؟ فبعد أن رسّخت روسيا حضورها في أفريقيا، لم يعد التحدي في توسيع هذا الحضور، بل في طبيعة العائد الذي يمكن أن تحققه القارة منه. فهل تؤسس العلاقات بين الجانبين لنموذج تنموي يقوم على المصالح المتبادلة ونقل الخبرات وتعزيز الإنتاج، أم ستظل أفريقيا ساحة لتبادل الحبوب والأسلحة ومصادر الطاقة، وامتدادًا للمنافسة الروسية مع القوى الغربية؟

محمد رجب: تنامي التجارة لا يعني اكتمال الشراكة التنموية

أكد الدكتور محمد رجب، خبير الاقتصاد، في تصريح خاص لموقع «سياق 24»، أن التحدي الرئيسي أمام العلاقات الروسية الأفريقية لا يتمثل في تعزيز الحضور الروسي داخل القارة، بقدر ما يرتبط بقدرة موسكو والدول الأفريقية على تحويل العلاقات السياسية والأمنية إلى استثمارات إنتاجية وشراكات اقتصادية طويلة الأجل تحقق مصالح متبادلة.

وأوضح رجب أن بيانات وزارة الخارجية الروسية تشير إلى تجاوز حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الأفريقية 27.7 مليار دولار خلال عام 2024، وهو ما يعكس تنامي العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، بالتوازي مع تطور أطر التعاون المؤسسي منذ قمة سوتشي عام 2019، مرورًا بقمة سان بطرسبورغ عام 2023، وصولًا إلى منتدى الشراكة الوزاري الذي استضافته روسيا عام 2024.

وأشار خبير الاقتصاد إلى أن نمو التبادل التجاري لا يعني بالضرورة اكتمال مقومات الشراكة التنموية المتوازنة، لافتًا إلى أن جانبًا مهمًا من الصادرات الروسية إلى أفريقيا يتركز في الحبوب والأسمدة والوقود والمعدات العسكرية، في حين لا تزال الصادرات الأفريقية إلى السوق الروسية محدودة التنوع.

وأضاف أن هذا النمط التجاري يبرز الحاجة إلى الانتقال من تبادل السلع إلى إقامة مشروعات صناعية مشتركة، وتطوير سلاسل القيمة المضافة، بما يتيح للدول الأفريقية الاستفادة بصورة أكبر من مواردها الطبيعية وقدراتها الإنتاجية.

احتياجات أفريقيا التنموية تتجاوز حجم التجارة الحالية

وفيما يتعلق بتمويل التنمية، لفت رجب إلى أن الفجوة بين حجم التجارة الروسية الأفريقية والاحتياجات الاقتصادية للقارة تظل كبيرة، في ظل التحديات المرتبطة بتمويل البنية التحتية وتطوير القطاعات الإنتاجية.

وتشير تقديرات بنك التنمية الأفريقي إلى أن احتياجات القارة من تمويل البنية التحتية تتراوح بين 181 و221 مليار دولار سنويًا خلال الفترة من 2023 إلى 2030، وهو ما يعكس حجم الفرص المتاحة أمام الشركاء الدوليين، ومن بينهم روسيا، للمساهمة في مشروعات النقل والطاقة والصناعة والبنية التحتية.

وأكد رجب أن التعاون التعليمي يمثل بدوره أحد المسارات المهمة لبناء علاقات طويلة الأجل، لكنه يحتاج إلى الارتباط ببرامج عملية لنقل التكنولوجيا والتدريب المهني والتصنيع المحلي، حتى ينعكس بصورة ملموسة على الإنتاجية وفرص العمل داخل الاقتصادات الأفريقية.

لماذا تمثل أفريقيا أولوية اقتصادية لموسكو؟

وأوضح خبير الاقتصاد أن التحرك الروسي في أفريقيا يجمع بين اعتبارات استراتيجية واقتصادية، من بينها تأمين أسواق للصادرات الروسية، خاصة الحبوب والأسمدة والطاقة، وتعزيز فرص الشركات الروسية في قطاعات التعدين والموارد الطبيعية والطاقة النووية.

وأضاف أن توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية والصناعة والنقل يمكن أن يمنح موسكو فرصًا إضافية لتنويع شراكاتها الاقتصادية، في ظل القيود والعقوبات الغربية، إلى جانب تعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الحكومات الأفريقية.

وشدد رجب على أن تقييم نتائج هذه الاستراتيجية لا ينبغي أن يعتمد على عدد الاتفاقيات المعلنة أو الزيارات الرسمية، وإنما على حجم الاستثمارات التي تدخل حيز التنفيذ، وعدد فرص العمل التي توفرها، ومدى نقلها للمعرفة والتكنولوجيا، وحجم القيمة المضافة التي تحققها داخل الاقتصادات الأفريقية.

التصنيع ونقل التكنولوجيا أساس الشراكة المستدامة

وأشار رجب إلى أن قطاعات الزراعة والأسمدة والطاقة والتعدين والصناعات التحويلية، إلى جانب التدريب الفني والتعليم والتكنولوجيا، توفر فرصًا لتوسيع التعاون الاقتصادي بين روسيا والدول الأفريقية.

لكنه أوضح أن تحويل هذه الفرص إلى مشروعات ناجحة يتطلب توفير التمويل طويل الأجل، وإدارة مخاطر أسعار الصرف، وتطوير آليات التسوية التجارية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص الأفريقي، مع مراعاة احتياجات الأسواق المحلية وأولويات التنمية الوطنية.

وفي المقابل، أكد أن الدول الأفريقية تحتاج إلى التفاوض على اتفاقيات تضمن زيادة التصنيع المحلي ونقل المعرفة وتطوير المهارات وتوسيع الصادرات ذات القيمة المضافة، بدلًا من استمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية.

محمد رجب: نجاح القمة يُقاس بالمشروعات المنفذة لا بالاتفاقيات المعلنة

واختتم الدكتور محمد رجب تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل العلاقات الروسية الأفريقية يتوقف على قدرة الطرفين على الانتقال من المكاسب السياسية قصيرة الأجل إلى شراكة اقتصادية قابلة للقياس والاستدامة.

وأوضح أن روسيا تسعى إلى توسيع أسواقها وفرص استثماراتها وشراكاتها الاقتصادية، بينما تحتاج الدول الأفريقية إلى التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية والتصنيع وتوفير فرص العمل.

وأشار إلى أن المعيار الأهم لتقييم نتائج القمة الروسية الأفريقية المرتقبة يتمثل في مدى تحول الاتفاقيات إلى مشروعات منتجة واستثمارات فعلية وفرص عمل جديدة، إلى جانب تعزيز التجارة المتوازنة بين الجانبين وتحقيق عوائد تنموية ملموسة للدول الأفريقية.