الأخبار

بين التوازن وآليات تدبير الهجرة.. السعيد يفكك خيوط الأزمة بين المغرب وإسبانيا

أرشيف
أرشيف

قال عتيق السعيد، الأكاديمي والمحلل السياسي المغربي ، إن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أكد على أن المملكة المغربية تمكنت، بفضل الرؤية الملكية الحكيمة والمتبصرة، من ترسيخ مكانتها على الصعيد الدولي باعتبارها شريكا جادا ومسؤولا وموثوقا، يحرص على الوفاء بالتزاماته وتنفيذ تعهداته.

مقاربة متوازنة

واعتبر السعيد في تصريح خاص لـ"سياق 24" أن توجه المملكة يقتضي من شركائها الالتزام بالمبدأ نفسه والتعامل مع بالمثل، موضحا في هذا السياق، أن "المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أفضت إلى تحقيق نتائج ملموسة، تعكس تجليات هذه المبادئ في تدبير ملف الهجرة غير الشرعية، كما تؤكد جدية انخراط المملكة المغربية في التصدي لهذه الظاهرة من خلال اعتماد مقاربة مسؤولة ومتوازنة تقوم على الالتزام والتعاون واحترام التعهدات".

وفي هذا السياق، اعتبر السعيد أن "قضية الهجرة بالنسبة إلى المغرب لا ترتبط بسياق عابر أو ظرفية طارئة، بل تندرج ضمن مسؤولية مستمرة مبنية على اعتماد مقاربة شاملة ومتوازنة للتصدي لهذه الظاهرة، ومن هذا المنطلق، يؤكد المغرب باستمرار أن تدبير الهجرة مسؤولية مشتركة بين إسبانيا، باعتبارها فاعلا أساسيا في هذا الوضع وهو ما يستلزم تضافر الجهود والابتعاد عن المنطق الأحادي في معالجة الإشكالات المرتبطة بها".

ورأى أن موقف المملكة من ملف الهجرة "يؤسس لإرادة مشتركة قوامها التعاون والتنسيق، بهدف بلورة حلول جذرية ومستدامة، تجعل من إسبانيا شريكا فاعلا وجادا في مواجهة مختلف التحديات المرتبطة بظاهرة الهجرة".

وسجل أن الخطاب الملكي السامي أكد أن الشراكة بين المغرب وإسبانيا شهدت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما في ذلك مكافحة الهجرة غير النظامية، غير أن هذا التعاون لا يزال يواجه مجموعة من التحديات، ترتبط ببعض المقتضيات القانونية التي أضحت متجاوزة، فضلا عن قرارات قضائية لا تستحضر بالقدر الكافي، واقع ظاهرة الهجرة وتعقيداتها.

الهجرة.. آليات التدبير

وتوقف في هذا الإطار، عند تسليط الخطاب الملكي الضوء على أبرز الإكراهات التي يتعين تجاوزها بما يتيح تعزيز فعالية التعاون الثنائي وتطوير آليات تدبير الهجرة، على نحو ينسجم مع متطلبات المسؤولية المشتركة وضرورة إيجاد حلول عملية فعالة لمختلف التحديات.

وأبرز أن هذا التوجه يستند إلى اعتبار الهجرة مسؤولية مشتركة بين دول المصدر والعبور والاستقبال، وهو ما يجعل معالجتها غير قابلة للاختزال في جهود طرف واحد، أو في مبادرات أحادية الجانب يغلب عليها الطابع الردعي، في الوقت الذي تتخذ فيه أطراف أخرى مواقف لا تنسجم مع مقتضيات التعاون المشترك.

لذلك، -يضيف السعيد - فإن "التدبير الفعال لهذه الظاهرة يقتضي اضطلاع اسبانيا ومختلف التكتلات القارية ولا سيما دول الجوار، بمسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها، في إطار مقاربة متكاملة تقوم على تقاسم المسؤولية تقاسما عادلا للطرفين وتعاونا منصفا وتنسيقا متبادلا، بما يضمن تحقيق التوازن في التدبير لهذا الملف في احترام للواجبات والحقوق".

واستحضر "تأكيد الخطاب الملكي السامي ضرورة إعادة تقييم النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، والاعتراف، بكل شجاعة وموضوعية، بأنه أصبح نموذجا متجاوزا، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة التي يشهدها هذا المجال".

ولفت إلى أن المغرب "يواصل بقيادة جلالة الملك نهجه القائم على المبادرة الاستباقية وتقديم المقترحات العملية لتجاوز الأزمات وإيجاد الحلول الملائمة لها، انسجاما مع هذا التوجه سيقدم المغرب كما هو معهود له، وثيقة إلى شركائهتتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون، قوامها تعزيز التنمية المشتركة، وتطوير التنافسية الاقتصادية وترسيخ أسس الاستقرار الإقليمي".

تصريحات مغرضة

وبالعودة إلى مجريات الأحداث، لاحظ الأكاديمي والمحلل السياسي المغربي "وجود انحراف واضح في مقاربة ملف الهجرة في الشأن الاسباني، من خلال توظيفه في بعض الأوساط الحربية الإسبانية لأغراض سياسوية ضيقة، عبر إطلاق تصريحات غير مسؤولة، واستغلال بعض الأوساط الحزبية والإعلامية لهذا الملف بصورة مغرضة، بما يؤدي إلى تحريف الحقائق وتغييب المعطيات المرتبطة بالموقف المغربي الثابت والصريح من قضية الهجرة".

وذكر بأن المغرب، ظل على مدى سنوات طويلة، حريصا على اعتماد مبادرات قانونية وإجرائية فعالة في تدبير هذه الظاهرة، بما يعكس التزامه المستمر بمسؤولياته وانخراطه الجاد في مواجهة التحديات المرتبطة بها ومن ثم، فإن الواقع القائم لا ينسجم مع ما بات يصدر عن بعض الجهات من مواقف هجومية ممنهجة تجاه المملكة المغربية، التي تؤكد أن شراكتها تظل خيارا سياديا والتزاما إراديا قائما على الثقة والاحترام المتبادل، ولن تكون بأي حال من الأحوال موضوعا لأي شكل من أشكال الضغط أو التهديد أو الابتزاز، أيا كان مصدره أو الظرف الذي يصدر فيه.

وذهب المصدر نفسه إلى أن من التناقضات التي تثير الانتباه في هذا السياق، أن المغرب حظي على مدى سنوات طويلة، بإشادة إسبانية وأوروبية بجهوده في مكافحة الهجرة غير النظامية باعتراف مشهود له دوليا، كما جرى التنويه بمساهماته المتواصلة في هذا المجال وتقدير ما بذله من جهود على امتداد عقود، غير أن الانتقال المفاجئ اليوم من الإشادة بهذه الجهود إلى نقل ثقل ودوافع الوضع الحالي إلى كفة المغرب.

وأوضح أن تحريف الوقائع وتزييف السياق ينطوي على تجاهل لما تحمله المغرب من مسؤوليات، وما اضطلع به من أدوار في تدبير هذه الظاهرة ويبرز كذلك تناقض آخر في استمرار تحريف الدوافع الأساسية والاستناد إلى مقتضيات قانونية متجاوزة، إلى جانب قرارات قضائية لا تستحضر، بالقدر الكافي واقع الظاهرة وتعقيداتها، بما يوفر بيئة تستفيد منها الشبكات الإجرامية الناشطة في مجال الهجرة غير النظامية

وانطلاقا من ذلك، شدد عتيق على أن تحميل المغرب مسؤولية تتجاوز نطاق التزاماته، لا ينسجم مع مبدأ المسؤولية المشتركة الذي ينبغي أن يؤطر التعاون في هذا المجال. فالمغرب لطالما أكد في غير مرة بانه يرفض اختزال دوره في القيام بوظيفة "دركي الهجرة" لحماية الحدود الأوروبية، كما يؤكد أن تدبير الهجرة غير النظامية مسؤولية مشتركة تتوزع بين بلدان المنشأ والعبور والوصول، كلّ بحسب مسؤولياته وإمكاناته.

ترحيل القاصرين

ومن ثم، زاد المحلل السياسي المغربي أن إلقاء العبء الأكبر على بلدان العبور، أو السعي إلى نقل مسؤولية تدبير هذا الملف إلى المغرب، يمثل مقاربة غير متوازنة لا تستجيب لطبيعة الظاهرة العابرة للحدود، التي تقتضي في المقالم الأول إلتزاما ثم تنسيقا فعليا وتقاسما منصفا للمسؤوليات، في إطار شراكة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.

أما فيما يتعلق بملف ترحيل الأطفال القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة، - أوضح عتيق - أن السلطات الإسبانية مطالبة قانونيا وأخلاقيا بالاضطلاع بمسؤولياتها، في إطار التنسيق والتعاون القائم بين البلدين، والعمل على تسريع إجراءات إعادة هؤلاء القاصرين إلى أسرهم بالمغرب، وفق المساطر القانونية المعمول بها، مع مراعاة وضعيتهم الخاصة باعتبارهم أطفالًا في حاجة إلى حماية ورعاية مضاعفتين.

وخلص إلى أن هذه الإجراءات ينبغي أن تتم بما يكفل صون المصلحة الفضلى للأطفال واحترام حقوقهم الأساسية، ولا سيما حقهم في الحماية والرعاية الأسرية، مع مراعاة الأوضاع الفردية لكل حالة على حدة. ويقتضي ذلك ضمان إخضاع أي عملية إعادة للضوابط القانونية والإنسانية اللازمة، بما يحفظ كرامة القاصرين وسلامتهم ويصون حقوقهم، ويضمن أن تتم إعادتهم في ظروف ملائمة تراعي مصالحهم الفضلى.