الأخبار

‎من مراكش إلى الرباط.. القصة الملهمة لأول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب

فاطمة الزهراء المنصوري
فاطمة الزهراء المنصوري

بين المدينة الحمراء منطلق المرابطين مراكش، التي دوت فيها صرختها الأولى في يناير 1976، والرباط حاضرة الموحدين وعاصمة العلويين خطت فاطمة الزهراء المنصوري، ملامح المرأة المغربية المتمسكة بهويتها الأصيلة والسياسية القوية القادرة على مجابهة الصعاب والتحديات.


تنشئة دار الباشا

بهذه الحمولة التاريخية دخلت "بنت الباشا" أو كما تلقب صفة ورمزا لأبيها الباشا (إحدى رتب رجال السلطة بالمغرب) عبد الرحمان المنصوري، المحامي  والسفير الأسبق بدولة الإمارات العربية المتحدة، القصر الملكي منسقة لقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، لتغادره كأول امرأة مغربية تعين رئيسة للحكومة.

وفي كنف إحدى أعرق أسر مراكش نشأت وترعرعت وتشربت أصول وقواعد العمل السياسي بمرجعيته المتعددة الفرنكوفونية والأنغلوساكسونية، بدءا  من دراستها في مؤسسات تعليم فرنسية بمراكش، مرورا بالتحاقها بمدرجات جامعة محمد الخامس بالرباط، ودراستها القانون في جامعة مونبلييه الفرنسية، قبل أن ترتدي بذلة أنبل المهن المحاماة وتتولى وإدارة مكتب والدها.

تنشئة اجتماعية وتكوين أكاديمي رسما لها خطوط الطريق المعبد، لأن تكون صوتا عاليا ونبضا نسائيا قويا في قلب صناعة القرار السياسي على امتداد عقدين من عهد الملك محمد السادس، على درب مسار والدها المنعم عليه من الملك الراحل الحسن الثاني.

هذه الدينامية تعززت بانخراطها القوي سنة 2007، في فرع مراكش لحركة "لكل الديمقراطيين"، النور وتكون من أبرز مؤسسيها، لتتحول الحركة فيما بعد إلى حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، الذي بات القوة السياسية الأولى بالمملكة.

والمنصوري ليست فقط أول امرأة تصل رئاسة الحكومة بالمغرب، بل هي كذلك أول امرأة تتولى رئاسة مجلس مدينة مراكش، في يونيو/حزيران سنة 2009، بعد تفوقها على منافسها عمر الجزولي، وثاني امرأة تترأس مجلس مدينة مغربية كبرى بعد أسماء الشعبي في الصويرة.

كاريزما وحضور

وبكاريزما، وحضور قوي اقتحمت المنصوري دواليب التدبير السياسي مجاليا رئيسة لمجلس مدينة مراكش ومركزيا وزيرة للإسكان والتعمير في عهد سلفها رئيس الحكومة المنتهية ولايته عزيز أخنوش، قبل أن تصل كرسي منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ومنه إلى تصدر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.

واستطاعت المنصوري وهي الزوجة والأم لطفلين، استثمار ما راكمته من تجربة ودربة وحنكة سياسية أن تبصم على حضور ميداني وتعامل مع الملفات المحلية، في اشتغالها في المؤسسة التشريعية حيث انتخبت في الفترة ما بين 2009 و2015، نائبة برلمانية من 2011 إلى 2016.


زلزال الحوز.. الامتحان الصعب

ولعل توليها منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة خلال الفترة من 2021 إلى 2026، كان محكا حقيقيا للمسار السياسي المنصوري.

كيف لا؟، وقد كانت فاعلا رئيسيا في ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز سنة 2023 من بين الملفات التي تصدرت أجندة عملها الحكومي.

إلى جانب ذلك، كان لها الإشراف على برامج مرتبطة بتنمية المراكز القروية، والمبادرة إلى إطلاق قافلة للتعمير والإسكان لفائدة "مغاربة العالم"، بغاية تقريبهم من خدمات الاستقبال والإرشاد والمواكبة المتعلقة بالإسكان والاستثمار.

وعن استشرافها لمستقبل قياداتها للحكومة 34 في تاريخ المملكة أكدت المنصوري، أنها ستعمل على "اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين".

وقالت المنصوري في تصريح للصحافة، عقب الاستقبال الذي حظيت به وتكليفها بتشكيل الحكومة "تشرفت بالاستقبال المولوي السامي هذا اليوم، وبتعييني من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رئيسة للحكومة"، مبرزة أن هذا الاستقبال “شكل فرصة لتلقي التوجيهات السامية لجلالته من أجل تدبير المرحلة المقبلة”.
 

اللحظة التاريخية

ووصفت المنصوري هذه اللحظة بالتاريخية، مسجلة أنه ولأول مرة في تاريخ المملكة تتحمل امرأة مسؤولية رئاسة الحكومة، و"هو مبعث فخر لي ولجميع نساء الوطن".

وبعد تأكيدها على العناية التي ما فتئ يوليها الملك للمرأة المغربية، أبرزت أن تعيينها رئيسة للحكومة يشكل رسالة لجميع النساء من أجل العمل (...) داخل مجتمع منسجم بجميع قواه الحية.

وأوضحت المنصوري أنها ستشرع، "ابتداء من اليوم، في مشاورات داخلية على مستوى الحزب، ثم مشاورات مع جميع الأحزاب السياسية، من أجل اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين".

وقالت "إننا واعون كل الوعي بأهمية هذه المرحلة التي تحمل انتظارات كبرى من طرف المواطنات والمواطنين، لاسيما الشباب"، مشددة على "أننا سنأتي ببرنامج يقترح حلولا حقيقية وواقعية".

مسار ملهم دفع مجلة (فوربس) سنة 2014، لاختيار المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيرا في إفريقيا، وفي السنة ذاتها، اختيرت ضمن القادة الشباب العالميين. لتصبح المنصوري واحدة من أهم الملهمات العرب في العصر الحديث.