دينا ترجم لـ«سياق 24»: أريد للمتلقي أن يجد في اللوحة شيئًا يخصه
أقامت الفنانة التشكيلية دينا ترجم معرضها الجديد «نخلة» في جاليري بيكاسو بمنطقة الزمالك بالعاصمة المصرية القاهرة، في تجربة تستكشف من خلالها العلاقة بين الطبيعة والمكان والذاكرة، وتتخذ من النخلة محورًا لأعمالها الجديدة، مستلهمة حضورها اليومي أمام الاستوديو وما ارتبط به من ذكريات وتجارب شخصية.

وفي حوار خاص مع «سياق 24»، تتحدث دينا ترجم عن كواليس المعرض وبداية علاقتها بالنخلة، وكيف انعكس المكان على تجربتها الفنية، إلى جانب رؤيتها للون والسكينة، وحضور الذاكرة والهوية في أعمالها، وما الذي يمكن أن يظل مميزًا في الفن التشكيلي الإنساني في عصر الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
- معرض «نخلة» يبدو امتدادًا لبحثكِ المستمر في الطبيعة والمكان والذاكرة، لكن ما الذي جعلكِ تشعرين أن النخلة تحديدًا هي الصورة التي تريدين أن تبني حولها معرضكِ الجديد؟
النخلة كانت موجودة أمام الاستوديو منذ البداية، لكن مع الوقت أصبحت بالنسبة لي أكثر من مجرد جزء من المشهد. أصبحت شيئًا أراه كل يوم، وألاحظ تغيرها مع الضوء والوقت والفصول. وفي فترة مهمة جدًا من حياتي وعلاقتي بالاستوديو، بدأت أشعر أن وجودها يمثل نوعًا من الثبات وسط كل شيء متغير من حولي.

من هنا بدأت أراها بشكل مختلف. لم تعد مجرد نخلة، بل أصبحت مرتبطة بذاكرتي وبالمكان وبالمرحلة التي عشتها داخله. ومع الوقت تحولت من عنصر موجود في الطبيعة إلى نقطة بدأت أعود إليها في الرسم، إلى أن شعرت أنها أصبحت هي الموضوع نفسه.
- النخلة في بعض أعمال المعرض تبدو أكبر بكثير من حجمها الواقعي، وكأنها تحيط بالمشاهد؛ هل كان تضخيمها محاولة لترجمة حجم حضورها النفسي في تجربتكِ؟
نعم، بالتأكيد. أعتقد أن حجم النخلة في بعض الأعمال يعكس حجم حضورها بالنسبة لي أكثر من حجمها الحقيقي.

كنت أريد أن يشعر المشاهد بها كما أشعر بها أنا، وليس فقط أن يراها كجزء من منظر طبيعي. لذلك أحيانًا تصبح أكبر من الواقع، أو نراها من زاوية منخفضة تجعلها تبدو وكأنها تحيط بنا. بالنسبة لي كان هذا وسيلة للتعبير عن علاقتي بها، وعن الإحساس بالثبات والقوة والاحتواء الذي أصبحت تمثله.
- في أعمال «نخلة» نرى ألوانًا أكثر قوة وتشبعًا، رغم أن المعرض يدور حول السكينة؛ هل غيّرتِ هنا فكرتكِ عن الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه السكينة؟
أعتقد أنني فعلًا أصبحت أرى السكينة بشكل مختلف. بالنسبة لي السكينة ليست بالضرورة ألوانًا هادئة أو باهتة. ممكن أن تكون في اللون نفسه، وفي الضوء، وفي الحركة، وحتى في لحظة مليئة بالألوان.
أحيانًا اللون القوي يكون أكثر صدقًا في التعبير عن إحساس داخلي بالراحة أو الأمان. وفي هذا المعرض كنت أريد أن أسمح لنفسي أن أكون أكثر حرية في اللون، من غير أن أفقد الإحساس بالهدوء الموجود وراء العمل.
- هل اللوحات في المعرض رُسمت خصيصًا لهذا المعرض، أم أنكِ عندما انتهيتِ من مجموعتكِ قررتِ أنه الوقت لعرضها؟
المعرض بدأ بالنسبة لي قبل أن أعرف أنه سيكون معرضًا عن النخلة. كنت أرسم وأتفاعل مع المكان وما حولي، ومع الوقت بدأت ألاحظ أن النخلة تتكرر وتعود بأشكال مختلفة في أعمالي.

فلم تكن الفكرة أن أرسم مجموعة من اللوحات ثم أبحث لها عن معرض، وإنما الفكرة نفسها تطورت أثناء الرسم. وفي مرحلة معينة أدركت أن هناك خيطًا واحدًا يجمع هذه الأعمال، وأن النخلة أصبحت محورًا حقيقيًا لهذه المرحلة من تجربتي. عندها شعرت أن الوقت حان لأن أجمعها معًا في معرض.
- إلى أي مدى ترين أن الفنانة مطالبة بأن تعكس زمنها ومجتمعها؟ وهل يمكن للفن أن يكون منفصلًا عن الأزمات والتحولات التي يعيشها الناس؟
أعتقد أن الفنان بالضرورة يتأثر بالزمن الذي يعيش فيه، حتى لو لم يكن يرسم عنه بشكل مباشر. كل ما نمر به، والمكان الذي نعيش فيه، والناس من حولنا، وحتى حالتنا النفسية، كلها تدخل إلى العمل بطريقة أو بأخرى.

لكنني لا أعتقد أن على الفنان أن يكون مباشرًا أو أن يتحدث عن الأحداث بشكل صريح طوال الوقت. أحيانًا يكون البحث عن مساحة من الهدوء، أو عن لحظة جمال وسط عالم مليء بالتغير، هو أيضًا انعكاس حقيقي للزمن الذي نعيشه.
- هل هناك تجربة أو حدث شخصي غيّر علاقتكِ باللون أو الشكل أو المساحة، وجعلكِ تنظرين إلى اللوحة بطريقة مختلفة عما قبل؟
أعتقد أن الانتقال إلى الاستوديو وتكوّن علاقتي بهذا المكان كان له تأثير كبير جدًا على عملي. الاستوديو أصبح بالنسبة لي مساحة أعيش وأعمل وأفكر فيها، وليس فقط مكانًا أرسم فيه.

وخلفيتي في العمارة أيضًا دائمًا حاضرة في طريقة نظري للمساحة والتكوين والعلاقة بين العناصر. لكن في الفترة الأخيرة أصبحت أسمح لنفسي أن أكون أكثر تلقائية، وألا أفكر في كل شيء مسبقًا. أترك للوحة مساحة لأن تتغير أثناء العمل، وأحيانًا تقودني هي إلى مكان لم أكن أخطط له.
- كثيرًا ما تُقرأ أعمال الفنانات من زاوية كونهن نساء قبل النظر إلى تجربتهن الفنية نفسها؛ كيف تنظرين إلى هذا الأمر، وهل ترين أن الجسد والهوية والذاكرة النسائية حاضرة فعلًا في تجربتك؟
بالنسبة لي، كوني امرأة هو جزء طبيعي من تجربتي، لكنه ليس الموضوع الذي أبدأ منه اللوحة بالضرورة. أنا أرسم من تجربتي الشخصية ومن ذاكرتي ومن الأشياء التي أراها وأعيش معها.
يمكن أن تظهر الذاكرة والهوية في العمل من دون أن تكون هناك محاولة مباشرة للحديث عنهما. ربما تظهر في اختيار موضوع، أو لون، أو إحساس، أو حتى في الطريقة التي أتعامل بها مع المساحة. وفي النهاية أعتقد أن العمل يحمل جزءًا من صاحبه، سواء كان ذلك مقصودًا أم لا.
- كيف تتعاملين مع فكرة أن العمل الفني قد يحمل معنى مختلفًا تمامًا لدى المتلقي عن المعنى الذي قصدتِه أنتِ؟ وهل تتركين مساحة متعمدة لهذا الاختلاف؟
أحب جدًا أن يحدث ذلك. عندما تنتهي اللوحة وتخرج من الاستوديو، تصبح لها حياة أخرى مع الشخص الذي يراها.

أنا أعرف ما الذي دفعني إلى رسمها وما الذي تعنيه بالنسبة لي، لكن ليس من الضروري أن يكون هذا هو المعنى نفسه بالنسبة للمتلقي. كل شخص يدخل إلى العمل من خلال ذاكرته وتجربته الخاصة، وهذا بالنسبة لي جزء جميل جدًا من الفن.
لا أريد أن أفرض تفسيرًا واحدًا على اللوحة. أحب أن أترك فيها مساحة تسمح لكل شخص أن يجد شيئًا يخصه.
- في زمن أصبحت فيه الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي قادرين على إنتاج صور مبهرة خلال ثوانٍ، ما الذي يظل مميزًا في العمل التشكيلي الذي يصنعه الإنسان بيده وذاكرته وتجربته؟
أعتقد أن أهم ما يميز العمل الإنساني هو أن وراءه تجربة حقيقية. في اللوحة هناك وقت، وحركة، وتردد، وقرارات، وأخطاء أحيانًا، وطبقات من الذاكرة والمشاعر تتراكم على السطح.
بالنسبة لي، الرسم ليس فقط إنتاج صورة جميلة؛ هو طريقة للتفكير والشعور. وأعتقد أن هذا الأثر الإنساني يصعب فصله عن العمل اليدوي. يمكنك أن ترى في اللوحة أثر اليد، والوقت الذي قضيته معها، والطريقة التي تغيرت بها أثناء صنعها. وهذا تحديدًا ما يجعل كل عمل أصليًا وشخصيًا.







