خاص لـ«سياق 24»..ما لا تقوله أكتوبر.. كيف أعادت الحرب تشكيل اقتصاد مصر؟
قال عادل عامر، خبير القانون الدولي، إن البعد الاقتصادي لحرب أكتوبر 1973 لا يزال من الجوانب المظلومة في الرواية الشائعة عن الحرب، رغم أهمية التحولات التي أحدثتها الحرب في مصر والمنطقة، موضحًا أن التركيز غالبًا ما ينصب على البعدين العسكري والسياسي للانتصار، بينما لا يحظى التحول الاقتصادي الذي أعقب الحرب بالقدر نفسه من الدراسة والتحليل.
وفي تصريحات خاصة لسياق 24، أوضح عامر أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة عسكرية انتهت بوقف إطلاق النار، وإنما مثلت نقطة تحول أعادت تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية في المنطقة، إذ أعادت فتح الطريق أمام التحرك السياسي والدبلوماسي، ثم جاءت اتفاقيات السلام وما صاحبها من إعادة ترتيب للعلاقات الاقتصادية الدولية لمصر.
الجانب الاقتصادي للحرب
وأرجع عدم حضور الجانب الاقتصادي بصورة كافية في الرواية العامة إلى أن نتائجه لم تظهر بشكل فوري، وإنما جاءت عبر سلسلة من التطورات امتدت لسنوات، تداخل فيها تحرير الأراضي مع إعادة بناء الاقتصاد، ثم الانفتاح الاقتصادي وعودة العلاقات مع المؤسسات والأسواق الدولية، إلى جانب التحولات الكبيرة التي شهدتها سوق الطاقة العالمية.
وأشار عامر إلى أن العلاقة بين حرب أكتوبر وأسعار النفط تمثل واحدة من أهم حلقات التحول الاقتصادي العالمي في تلك الفترة، إذ تزامنت الحرب مع أزمة النفط عام 1973، التي أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وتحول جزء مهم من الثروة والدخل العالميين من الدول المستهلكة إلى الدول المنتجة للنفط.
اقتصاد ما بعد الحرب
وأضاف أن هذا التحول انعكس بصورة غير مباشرة ومهمة على مصر، مع دخول المنطقة العربية مرحلة جديدة من تدفقات رؤوس الأموال والإيرادات النفطية، وظهور فرص أكبر أمام العمالة المصرية في الدول العربية، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فضلًا عن نشوء مصادر جديدة للنقد الأجنبي كان لها تأثير واضح في الاقتصاد المصري خلال السبعينيات والثمانينيات.
وأكد عامر أن الاقتصاد المصري بعد أكتوبر لم يعد يعمل في البيئة نفسها التي كان يعمل فيها قبل الحرب، بعدما اجتمعت عدة عوامل، بينها إيرادات قناة السويس بعد عودتها للعمل، وتحويلات العاملين بالخارج، والسياحة، والمساعدات والتدفقات المالية العربية والدولية، إلى جانب ارتفاع الأهمية الاقتصادية للمنطقة بعد أزمة النفط.
ولفت إلى أن هذه التحولات حملت في الوقت نفسه تحديات، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا لم يكن مكسبًا لمصر بالدرجة نفسها التي كان عليها بالنسبة للدول المصدرة للنفط، كما أن الاعتماد المتزايد على مصادر النقد الأجنبي والتحويلات والمساعدات خلق مع الوقت نوعًا من الهشاشة أمام المتغيرات الخارجية.
ورأى أن بعض آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في الاقتصاد المصري حتى اليوم، مشيرًا إلى أن تركيبة مصادر النقد الأجنبي، وأهمية تحويلات المصريين بالخارج، ودور قناة السويس والسياحة، والعلاقات الاقتصادية مع الدول العربية، كلها تعود جذورها بدرجات مختلفة إلى التحولات التي بدأت تتبلور بقوة بعد حرب أكتوبر.

حرب أكتوبر
وشدد عادل عامر، على أن الدرس الأهم من أكتوبر اقتصاديًا يتمثل في أن الانتصار العسكري لا يكتمل أثره إلا إذا تحول إلى قدرة اقتصادية مستدامة، موضحًا أن الحروب لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية، إذ تبدأ بعدها معركة أخرى تتعلق بإعادة البناء وإدارة الموارد وتعويض الخسائر وتحقيق التنمية، وتحويل المكاسب السياسية والاستراتيجية إلى قوة اقتصادية طويلة الأجل.
واختتم عامر بأن إعادة قراءة حرب أكتوبر اليوم يجب ألا تقتصر على سؤال كيفية انتصار الجيش المصري، وإنما ينبغي أن تمتد إلى بحث الكيفية التي غيّرت بها الحرب موقع مصر اقتصاديًا وإقليميًا ودوليًا، وما الذي نجحت الدولة في استثماره من مكاسب تلك المرحلة.







