هبة السويدي .. حين يتحول وجع الأم إلى حياةٍ لآخرين
حين اختارتها مجلة"Forbes Middle East" منذ عدة أيام ضمن أبرز قادة الرعاية الصحية في الشرق الأوسط لعام 2026، كانت هبة السويدي تقف في موقع مختلف تمامًا عن الصورة التي قد يرسمها لقب "قائدة في الرعاية الصحية" خلف التكريم الذي جاء تقديرًا لمسيرتها في دعم وعلاج مصابي الحروق وتطوير منظومة الرعاية والتأهيل للناجين منها، تقف امرأة حملت لسنوات مشروعًا بدأ من وجع الآخرين ثم صار جزءًا من محاولتها الخاصة لفهم وجعها واحتماله.
منذ أن أسست مؤسسة "أهل مصر" عام 2013، وصولًا إلى افتتاح مستشفى "أهل مصر" لعلاج الحروق رسميًا عام 2024، تحولت الفكرة التي بدأت كعمل إنساني إلى واحدة من أبرز التجارب المصرية في رعاية مصابي الحروق، من العلاج إلى التأهيل والدعم النفسي. وخلال هذه الرحلة، حصدت السويدي تكريمات عدة، من بينها جائزة الأم تيريزا للعدالة الاجتماعية عام 2025، وتكريم من منظمة الصحة العالمية عام 2026.
لكن الأرقام والتكريمات لا تحكي القصة كلها.
عندما يقرأ المتابع آخر ما كتبت السيدة هبة السويدي على صفحتها الشخصية بمنصة فيسبوك، سوف ينسي أنها سيدة المجتمع والعمل الخيري والإنساني الأولي فى مصر، ولن يتذكر سوي أنها تلك الأم الملكومة بوفاة أبنها والتى على الرغم من صبرها وأحتسابها له عند ربها إلا أنها تظل تلك الأم المفتقدة لوليدها بوفاته "مشيت وسيبتنا، وسيبتلي وجع قلب وحرقة" لتتحول من السيدة التي شيدت وأحد من أكبر الكيانات الصحية المجانية والوحيدة فى مصر لمداواة مصابي الحروق"مستشفى أهل مصر"، إلي سيدة نتاجي وتشكو بثها وحزنها إلي الله طالبة منه أن يلهمها صبرا ولا يؤخذها بلحظة ضعفت غلبت غريزة أمومتها أمره بالجَلد عند المصائب.
قبل أن تعرف الفقد عرفت معنى العطاء
لكن الفقد والمرض لم يكونا الألم الوحيد الذي عرفته هبة السويدي في حياتها. فقد عانى والدها طويلًا من أمراض الكبد وأصيبت جدتها بالسرطان كما مرت شقيقتها هي الأخرى بتجربة طويلة مع المرض. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه المعاناة وحدها هي التي دفعتها إلى العمل الإنساني، أو أنها كانت الشرارة التي قادتها إلى هذا الطريق.
فما فعلته هبة السويدي في جانب كبير منه، هو امتدادًا لما نشأت عليه قبل أن تعرف هي نفسها معنى الفقد. فقد تربت في عائلة كان عمل الخير فيها جزءًا من تكوينها الأخلاقي، ومساعدة الآخرين قيمة راسخة لا ترتبط بوفرة المال أو الوقت ولا تنتظر مناسبة أو ظرف. كان الخير ببساطة أحد الأعمدة التي قامت عليها التربية فى أسرتها، وما فعلته السويدي لاحقًا لم يكن إلا مواصلة لذلك الخط الذي بدأته في بيتها.
في قلب الثورة.. وُلد حلم “أهل مصر”
بدأت رحلة السويدي مع العمل الخيري فى مصر قبل ثورة يناير، وبدأت بأعمال بسيطة فى دور الأيتام ومساعدة السيدات المعيلات خاصة فى المناطق البعيدة عن العاصمة مركز الاهتمام، فى القري النائية.
وعندما أندلعت ثورة يناير كانت اللحظة التى فتحت لها أبواب أوسع للعمل العام والإنساني. بدأت القصة عندما قررت أن تعرف لماذا ثار الناس؟ وبدل من صياغة بيان سياسي، نزلت وسط المتظاهرين لتعرف أكثر. وعندما وقع مصابين بين صفوف المتظاهرين بدأت رحلتها فى الاستثمار فى صحة المصرين وكانت تسارع بالمساعدة فى اسعاف المصابين طوال فترة التظاهر، ومن هنا بدأت النواة الأولي لفكرة مستشفى أهل مصر.

قبل الثورة لم تكن السويدي تعرف عن واقع مرضى الحروق بمصر لكن بعد ارتديادها الكثير من المستشفيات اثناء اسعاف المتظاهرين احتكت بالتمريض وأطقم الإسعاف وغرف الطوارئ ووجدت أن هناك عجز فى إسعاف مصابي الحروق على وجه التحديد وهو ما يؤدي إلى وفاة الكثيرين منهم، خاصة وأن كل المستشفيات الخاصة فى مصر لا تقبل إطلاقا استقبال مصابي الحروق.
وفاة الأبن ونقطة التحول
جاء رحيل أبنها إسماعيل في وقت كانت فيه السويدي تخطو خطواتها الأولى نحو الحلم الذي ظل يراودها منذ ثورة يناير من إنشاء مكان متخصص لعلاج مصابي الحروق. وكان من السهل في تلك الفترة، أن يبدو رحيل الابن كأنه إعلان آخر بالانطفاء. أن تتوقف الأم أمام فقدها ويتوقف معها المشروع. وربما لهذا ظن كثيرون أن مشروع "أهل مصر" لن يري النور. لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
كانت هبة السويدى قد وصلت إلى قناعة بأن هذا الكيان الذي سيعالج المرضى وينقذ الأرواح لم يعد مشروعًا شخصيًا حتى تختار الاستمرار فيه أو الانسحاب منه. آمنت أنها مجرد أداة سُخّرت لإنجازه، وأن ما بدأته لم يكن ملكًا لها وحدها كي تتخلى عنه متى أثقلها الألم. لذلك وآصلت.
وفي الطريق للحلم اكتشفت شيئًا آخر، وهو أن مساعدة الآخرين لم تكن فقط ما تمنحه للناس، وإنما ما يعيد إليها شيئًا من قدرتها على احتمال ما فقدته. صار العمل بما يحمله من وجوه وقصص وحيوات تُنقذ، طريقًا آخر للتعامل مع ألمها الشخصي وعزاءً لا يلغي الفقد، لكنه يمنحه معنى.
بدأت "أهل مصر" في صورتها الأولى بجهود ذاتية كمؤسسة خيرية، وقبل أن تصبح مستشفى متخصصة، عملت المؤسسة على تقديم عمليات قلب للأطفال للأهلي غير المقتدرين وعمليات الحروق، وأطلقت قوافل طبية وصلت إلى القرى لمدة عامين. لكن فكرة المستشفى المتخصصة في علاج الحروق ظلت حاضرة في ذهنها كحلم لم تتخلى عنه حتى وسط انشغالات المشروع الأول "المؤسسة".

رؤى على طريق الحلم
جاءت لحظة شعرت فيها أن الفكرة تقترب من شكلها الذي طالما تخيلته. تروي هبة أن رؤى متكررة بدأت تراها فى منامها. في إحداها رأت شخصًا يأخذ بيدها ويمضي بها حتى مقام السيدة عائشة بمصر.
ثم في رؤيا أخرى رأت فيها المدينة المنورة، وأشخاصًا يأخذونها ويلقون بها في قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن ترى نورًا ساطعًا يخرج منه.

وفي رؤيا ثالثة، تقول إنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم ممسكًا بيد ابنها الصغير وكانت تخوض معركة حضانة مع طليقها على هذا الولد، رأت النبي يرتدي عباءته الخضراء ويقترب منها ويترك لها الطفل ويمضي.
تلك الرؤى كما ترويها السويدي، جاءت في لحظة كانت تبحث فيها عن طريق لأخراج المشروع الذي لم يفارق خيالها، للنور. فالبنسبة لها، لم تكن تلك الرؤى مجرد أحلام عابرة، وإنما جزءًا من التجربة التي ربطت في داخلها بين الاستمرار في الطريق وبين معنى الأمانة التي تشعر أنها حُمّلت بها.
في مواجهة العدو الذي يأتي بعد النار
خلال عام ونصف فقط من بدء تشغيل مستشفى "أهل مصر" لعلاج الحروق، ارتفعت نسبة إنقاذ مصابي الحروق من 20% إلى 50%. لكن المعركة منذ البداية لم تكن مع الحرق وحده.
فحين يفقد المصاب طبقة الجلد، يفقد معها خط الدفاع الأول الذي يحمي جسده من العالم الخارجي، ويصبح أكثر عرضة للعدوى. وكانت العدوى البكتيرية في كثير من الحالات لا تقل خطورة عن الحرق نفسه. إذ كانت تقود إلى تسمم الدم ثم إلى الوفاة المباشرة، حتى في حالات لم تتجاوز فيها مساحة الحروق 10%

لذلك وضعت المستشفى مكافحة العدوى في قلب منظومتها منذ الأيام الأولى. لم تكتفِ بتجهيز وحدة عزل مخصصة للحالات التي تحتاج إلى حماية مشددة، وإنما أخضعت طواقمها الطبية والتمريضية لتدريبات متخصصة على التعامل مع العدوى والوقاية منها، بعدما كشفت الخبرة المبكرة أن إنقاذ المصاب لا يتوقف عند إسعاف الحرق، بل يمتد إلى حمايته من الأخطار التي قد تأتي بعده.

أيضا لم تكن سياسة العمل بمستشفى "أهل مصر" تتعامل مع الحروق باعتبارها جرحًا في الجسد فقط. ففي المكان الذي يرى الأطباء والممرضون فيه الألم والموت كل دقيقة، كان لا بد أن تمتد الرعاية إلى من يقفون في الجهة الأخرى من السرير. ولهذا اهتمت المستشفى بالتأهيل النفسي لأطقمها الطبية والتمريضية، حتى يستطيعوا احتمال هذا الكم الرهيب من الألم الذي يرافقهم يومًا بعد يوم، فكثير من الحالات أيضا خاصة الأطفال تتوفي من شدة الألم الذى يفوق قدرتهم على الاحتمال .
لم تكن جائزة"Forbes" ولا أي تكريم حصلت عليه هبة السويدي فقط لما أنجزته بقدر ما كانت اعترافًا بالطريق الذي اختارته بعد أن تجرعت مرارة الفقد، حملت وجعها لا لتعيشه بل لتحوّله لحياة. وربما هنا تحديدًا تكمن الحكاية التي لا تستطيع أي جائزة أن تختصرها.







