الأخبار

ساقٌ تُحدّق.. 27 قصة قصيرة ترسم الواقع بفرشاة الألم للكاتب العراقيّ جمال العتّابي

ساق تحدق
ساق تحدق

صدرتْ حديثاً للكاتب العراقيّ الدكتور جمال العتّابي مجموعةٌ قصصيّةٌ جديدةٌ بعنوان (ساقٌ تُحدّق) عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، صمّم غلافها الدكتور فلاحُ الخطّاط، وتقعُ في 127 صفحة من الحجم المتوسط، وتضمُّ 27 قصة قصيرة، تتوزعُ على عوالم إنسانية متعددة .

 يثيرُ عنوانُ المجموعة في نفس القاريء الإستغراب والدهشة ، فكيف يمكنُ للساق أنّْ تحدقَ، ولكنّ حين الذهاب الى القصة القصيرة التي تحملُ العنوان ذاته سيصابُ القاريء بالدهشة خاصة حين يعرفُ إنّ القصة واقعية مستندة إلى شهادة طبيب أجرى عملية بتْر ساق أحد الجنود خلال الحرب (ظلّ الجسدُ خامداً، الا إنّ الساق كانت ترفّ، رمى بها بسرعة الى طاولة خلف ظهره، في إلتفاتة للساق المبتورة ، أرتعش جسدُ الطبيب.. ظلّ يهتزُّ بقوة ، يا للهول !، يكادُ لا يصدق، الساقُ بعيون مفتوحة تحدقُ في وجه طالب (الطبيب).. تقدمَ نحو الباب، في داخله نزوعٌ قويٌّ للهرب..)، وحين يمضي القاريء الى تكديس الوجع في نفسه يفاجؤهُ القاصُّ بـ (مشهد أخير:  في غرفة الأطباء  علّقتُ ورقة على الجدار عنوانها (وصيّة الأطراف): لا تسألوا الجريح عمّا فُقِد منه.. إسألوه عمّا بقي فيه، فبعض القلوب، برغم البتر، تواصل النبض بكاملها) .

فيما كان على الغلاف الاخير للمجموعة مقطعٌ من قصة (عوينات) جاء فيه (قيّد معصمه، سحبه بقوة، مسدس الآخر مشرع بباب العيادة، رفعت الزوجة (الطبيبة) صوتها غضبا فأسكتوها، كانت مرتجفة حين أقتادوه كأسير حرب ووجهه منطفيء، أثناء ذلك سقطتْ من عينيه الى الأرض عويناته الزجاجية، صاحتْ الزوجة بأحدهم : أنت يا رجل! ترفّق به، ناوله نظارته، فأجابها بصلف وحقارة : لنْ يحتاجُها بعد الآن) .

واستطاع القاصُّ في قصصه ان يستفيد من خبرته في مجال الفن التشكيلي فيرسم شخوصه بتأنٍ  وهدوء ، أطرها بالموسيقى ،كإنك تسمع من دواخلها موالات حزن ،  وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه، يقترب من الواقع ، ليس في قصصه شيء من الخيال، بل وقائع عاشها، لكنها ليست وقائع عادية بل ينز من جنباتها الالم والوجع والخيبة وقد يتفاجأ القاريء بفنتازيا تغرورق معها عيونه بالدموع حين يصل الاسى الى مكامن فيوخزها ، فالقصص ليست مجرد حكايات عابرة بل ارادها ان تكون عبارة عن تاريخ للمجتمع العراقي.

واستهلّ الدكتور العتابي مجموعته بقصة حملت عنوان (دليل الهاتف)، الدفتر العتيق الذي من خلال يحاول استعادة ارقام اسماء اختزلت عقودا من الزمن، حيث يرسم صورة رهيبة عنه (حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف، أضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم) .

وفي قصة (بائع الشاي الأخير)، يلتقي الصديقان حسن وكريم بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً قائلا  لصديقه: كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني) .

وفي قصة (إجازة تأجيل الموت) ثمة فنتازيا لا يمكن تجاهلها حد الضحك كالبكاء ، فالجندي سالم الذي يعيش تحت ظل وقائع الحرب يقدم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري منه أياماً إضافية من الحياة (اجازة) ، لكنه لا يجد بدا من كتابة اسمه  باللون الأحمر على ظهر الخروف لكي يميزه عن خرفان أخرى .

وهكذا كل القصص التي تجد في الانسان العراقي ملهما ، تعانق عناءاته تحت ظلال عديدة كالحروب والدكتاتورية والخوف والظلم حيث لا تجد الذاكرة الا ان تغلق ابوابها والعيون لا تستطيع ان تتطلع الى مديات بعيدة ، والأسئلة تترى والقاص العتابي ينسج على مهل خيوط قصصه لأنه غير متسرع في ان يعلن عما في نفسه بل تشعره يريد ان يجعل القاريء يتأمل وينظر الصور وهو ترتسم على صفحات الكتاب بالشخوص التي وجوهها تحاول ان تحاوره .

وعن مجموعته القصصية هذه قال د. جمال العتابي: أنّ قصصَ مجموعة (ساق تحدّق)، تستلهمُ تفاصيل الحياة اليومية العراقية، بما تحمله من هشاشة ودهشة، لتقترب من الإنسان في لحظاته العابرة والمصيرية، وترصد انعكاسات الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية في مصائر الأفراد ووعيهم، من دون أن تنشغل بتسجيل الحدث بقدر انشغالها باستكشاف أثره النفسي والإنساني، حين تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لقراءة ذاكرة المكان والإنسان .