تحليل في تحوّل المنشور الرقمي إلى وثيقة وعي فلسطيني
«بوسطة الكلمة» لحسني عايش
لا تأتي أهمية كتاب «بوسطة الكلمة» للكاتب حسني عايش، الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، من كونه مجموعة منشورات جرى نقلها من منصات التواصل الاجتماعي إلى الورق فحسب، وإنما من الطريقة التي يعيد بها هذا الانتقال تعريف وظيفة الكتابة نفسها: ماذا يحدث للكلمة عندما تغادر فضاء اللحظة الرقمية وتدخل فضاء الكتاب؟ وهل يمكن للمنشور الذي كُتب تحت ضغط حدث سياسي وإنساني متسارع أن يتحول إلى وثيقة تتجاوز زمن نشره؟
يبدو أن هذا السؤال هو المدخل الأهم لقراءة الكتاب، الذي يضم كتابات عايش خلال عامي 2024 و2025 في 72 صفحة، ويجعل من فلسطين، ولا سيما الحرب في غزة، محورًا سياسيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا لنصوصه.
فالكتاب لا يوثق الحرب بمعناها العسكري وحده، ولا يحاول منافسة التقارير الإخبارية في نقل تفاصيلها اليومية؛ بل يشتغل على مستوى آخر: توثيق أثر الحرب في الوعي.
من خبر الحدث إلى معنى الحدث
الفرق بين الصحافة والكتابة التي يقدمها عايش هنا يكمن في السؤال الذي ينطلق منه كل منهما.
الخبر يسأل: ماذا حدث؟
أما نصوص «بوسطة الكلمة» فتذهب أبعد: ماذا يعني أن يحدث هذا؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستوعب تكرار المأساة؟ وما الذي تكشفه الحرب عن النظام الأخلاقي والسياسي الذي يحكم العالم؟
لهذا يتكرر في خطاب الكاتب توصيف الحرب في غزة بأنها «إبادة جماعية مستمرة»، لكن أهمية التعبير أدبيًا لا تأتي من المصطلح وحده، وإنما من كونه يلخص رؤية كاملة إلى الحدث؛ فالمأساة في الكتاب ليست واقعة منفصلة، بل حالة ممتدة تكشف، في تصور الكاتب، عجز النظام الدولي عن إنتاج عدالة متساوية.
وهنا يتحول الحدث من مادة إخبارية إلى موضوع للتفكير الأخلاقي.
فلسطين بوصفها اختبارًا للضمير
من أهم التحولات التي يجريها عايش في الكتاب أنه ينقل فلسطين من مستوى القضية السياسية إلى مستوى القضية الأخلاقية.
فهو لا يتعامل معها باعتبارها نزاعًا على الأرض فحسب، وإنما باعتبارها اختبارًا لمفاهيم مثل العدالة والحق وحقوق الإنسان. ومن ثم تصبح الأسئلة المتعلقة بفلسطين قابلة للتعميم: إذا كانت حقوق الإنسان عالمية، فلماذا تتغير طريقة تطبيقها باختلاف أطراف الصراع؟ وإذا كان القانون الدولي يستند إلى مبدأ المساواة، فكيف يمكن تفسير التفاوت في التعامل مع الضحية والجلاد؟
بهذا المعنى، لا يستخدم الكاتب فلسطين لكي يغلق النقاش، بل لكي يفتحه على سؤال أكبر يتعلق بمعايير العدالة نفسها. وهذه النقلة تمنح الكتاب بعده الفلسفي.
ازدواجية المعايير كفكرة مركزية
يمكن النظر إلى مفهوم ازدواجية المعايير باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في قراءة «بوسطة الكلمة».
فالكاتب لا يكتفي برصد المواقف الدولية والعربية، وإنما يقرأها بوصفها علامات على أزمة أعمق في الخطاب السياسي العالمي.
واللافت أن عايش لا يفصل بين السياسة والأخلاق؛ فالدعم السياسي لإسرائيل، وفق رؤيته، لا يمثل موقفًا دبلوماسيًا محايدًا، وإنما ينتج أثرًا أخلاقيًا يتمثل في منح القوة غطاءً سياسيًا، بينما يُنظر إلى الطرف الأضعف من خلال مفردات مختلفة.
وبذلك يتحول الكتاب إلى محاولة لتفكيك اللغة التي تصف الصراع، لأن اختيار المصطلح ليس محايدًا؛ فالكلمات نفسها قد تمنح الشرعية لطرف وتسحبها من طرف آخر.
الغضب.. هل يتحول إلى أدب؟
قد يبدو الغضب في الكتاب للوهلة الأولى عنصرًا انفعاليًا، لكنه في التحليل الأدبي يؤدي وظيفة أكبر.
الغضب هنا هو استجابة الكاتب إلى شعوره بأن المأساة الفلسطينية تتعرض لخطرين متوازيين: خطر العنف نفسه، وخطر الاعتياد عليه.
فحين تتحول صور القتل والدمار إلى مادة يومية على الشاشات، يصبح التحدي ليس فقط في نقل الصورة، وإنما في الحفاظ على القدرة على التأثر بها.
ومن هنا يصبح الغضب آلية لمقاومة التبلد.
فالكاتب يريد للقارئ ألا يتعامل مع المأساة بوصفها خبرًا آخر في دورة الأخبار، بل باعتبارها حدثًا أخلاقيًا يمس مفهوم الإنسان ذاته.
لماذا «البوسطة»؟
العنوان ليس تفصيلًا عابرًا.
«بوسطة الكلمة» توحي بحركة وانتقال: كلمة تنتقل من الكاتب إلى القارئ، ومن شاشة إلى ورقة، ومن لحظة إلى ذاكرة.
وهذا المعنى يتسع إذا قرأنا الكتاب كله باعتباره مشروعًا لإنقاذ النص الرقمي من مصيره الطبيعي: الاختفاء داخل التدفق.
فالمنشور الإلكتروني يعيش في فضاء السرعة؛ قيمته مرتبطة بلحظة نشره، وعدد التفاعلات التي يحققها، وقدرته على الوصول.
أما الكتاب فيعمل وفق منطق معاكس: البطء، والاستمرارية، وإعادة القراءة.
وبذلك لا تصبح عملية جمع المنشورات مجرد أرشفة تقنية، وإنما تتحول إلى موقف ثقافي من طبيعة الذاكرة في العصر الرقمي.
الورق في مواجهة خوارزمية النسيان
من هذه الزاوية يمكن قراءة «بوسطة الكلمة» بوصفه كتابًا عن الذاكرة بقدر ما هو كتاب عن فلسطين.
فالخوارزميات لا تعمل بمنطق الأهمية التاريخية؛ المنشور الأهم إنسانيًا ليس بالضرورة هو الذي يبقى ظاهرًا. ما يظهر على الشاشة يخضع لمنطق التفاعل والسرعة والجِدّة.
أما الكتاب فيعيد ترتيب الأولويات.
إنه يقول ضمنيًا إن ما يستحق التذكر لا ينبغي أن تحدده سرعة المنصة، بل قيمة التجربة الإنسانية.
وهنا يصبح تحويل المنشورات إلى كتاب فعلًا ثقافيًا ضد النسيان.
من الفرد إلى الجماعة
رغم أن الكتاب يقوم على صوت الكاتب وتجربته في الكتابة، فإن «الأنا» فيه لا تبقى محصورة في صاحبها.
فصوت عايش يتحول تدريجيًا إلى صوت شاهد على مأساة جماعية، ويصبح إحساسه بالغضب والألم جزءًا من تجربة أوسع تتصل بالشعب الفلسطيني وذاكرته.
وهذا التحول مهم أدبيًا؛ لأن الكاتب لا يقدم نفسه باعتباره بطل الحكاية، بل باعتباره شاهدًا يحاول الاحتفاظ بما قد تضيع تفاصيله.
ومن هنا تتشكل علاقة خاصة بين الكاتب والذاكرة: هو لا يدعي امتلاك الحقيقة كاملة، لكنه يرفض أن تذهب الشهادة بلا أثر.
البعد العربي.. أزمة الموقف لا أزمة التضامن
ويمتد التحليل في الكتاب إلى المشهد العربي، حيث تظهر المسافة بين المواقف الرسمية والمشاعر الشعبية.
وهنا يطرح عايش سؤالًا يتجاوز فلسطين نفسها: ما الذي يحدث عندما يصبح هناك انفصال بين ما تشعر به الشعوب وما تفعله الحكومات؟
إن حضور هذا السؤال يجعل القضية الفلسطينية في الكتاب جزءًا من نقد أوسع لبنية العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الموقف السياسي والضمير الشعبي.
وبالتالي فإن «بوسطة الكلمة» لا يكتفي بتوجيه النقد إلى الخارج، بل يضع العالم العربي أيضًا أمام مرآته.
حدود الكتاب.. وهل تغلب العاطفة التحليل؟
ومن منظور نقدي، فإن قوة الكتاب في انفعاله قد تكون في الوقت نفسه موضع تساؤل أدبي.
فالنص الذي ينطلق من الغضب الأخلاقي يكون معرضًا لأن تتحول بعض مقاطعه إلى خطاب مباشر، خصوصًا عندما تكون القضية التي يناقشها شديدة الحساسية ومشحونة بالمعاناة.
لكن هذا الجانب لا ينبغي فصله عن طبيعة المشروع نفسه؛ فالكاتب لا يكتب دراسة أكاديمية محايدة، ولا يدعي ذلك. إنه يكتب من موقع الشاهد المتألم والغاضب، ولذلك تصبح ذاتية الموقف جزءًا من بنية النص لا عيبًا طارئًا عليه.
بل إن هذه الذاتية هي التي تمنح الكتاب أحد عناصر قوته: القارئ لا يقرأ معلومات عن الحرب فقط، وإنما يقرأ أثر الحرب في وعي كاتب يرفض أن يصبح محايدًا أمام المأساة.
حسني عايش.. الكتابة امتداد لمشروع فكري
يأتي «بوسطة الكلمة» في سياق تجربة فكرية وتربوية طويلة لحسني عايش، المولود في طولكرم عام 1933، والحاصل على شهادات جامعية متعددة كان آخرها من جامعة ميشيجان الحكومية في إيست لانسينج بالولايات المتحدة.
وله مؤلفات من بينها «أمريكا الإسرائيلية وإسرائيل الأمريكية»، و**«البقاء في عالم متغير»، و«الديمقراطية هي الحل»**، فضلًا عن مقالات ودراسات نشرت في الصحافة الأردنية والعربية.
وتساعد هذه الخلفية على فهم الكتاب باعتباره امتدادًا لانشغال طويل بقضايا السياسة والديمقراطية والمجتمع والتحولات العالمية، وليس مجرد استجابة عابرة للحرب في غزة.
الكتاب بوصفه «أرشيفًا للوعي»
في النهاية، فإن القيمة الأساسية لـ«بوسطة الكلمة» لا تكمن في المعلومات التي يقدمها عن فلسطين وحدها، بل في طريقة حفظه للحظة الفلسطينية داخل وعي كاتب عربي.
إنه كتاب عن الحرب، لكنه أيضًا كتاب عن الكتابة في زمن الحرب.
وعن معنى أن تكتب حين تكون الأخبار أسرع من قدرة الإنسان على استيعابها، وأن تحاول أن تمنح الألم لغة لا تذوب في ضجيج المنصات.
ولهذا يمكن النظر إلى «بوسطة الكلمة» باعتباره أرشيفًا للوعي أكثر منه أرشيفًا للحدث؛ فهو لا يحل محل المؤرخ أو الصحفي، وإنما يحتفظ بما لا تستطيع الأرقام وحدها حفظه: الانفعال، والغضب، والأسئلة الأخلاقية، والخوف من النسيان.
وفي هذا تكمن مفارقته الأساسية: المنشورات التي ولدت في فضاء سريع الزوال تتحول داخل الكتاب إلى محاولة لإنتاج ذاكرة طويلة.
فإذا كانت الحرب تهدم المكان، فإن الكتابة تحاول أن تنقذ معناه؛ وإذا كان الزمن يهدد بابتلاع الشهادة، يأتي الكتاب ليقول إن الكلمة، حين تتحول إلى ذاكرة، تصبح شكلًا من أشكال البقاء.