الأخبار

الفنانة التشكيلية العراقية بان الجنابي.. الرسمُ هو ملاذي الوحيد للتحرر من الواقع!

بان الجنابي
بان الجنابي

في النظر الى لوحاتها لابدَّ أنْ يساورَ الناظرَ التأملُ وتجذبه الالوانُ الزاهيّةُ ،وحين يتحوّلُ الى جدارياتها يرسمُ علامات إعجابٍ ودهشة، فالأناملُ الناعمةُ تتحدّى الصعب وتبتكرُ إسلوباً إبداعياً ، هذه هي الفنانةً التشكيليّةُ العراقيّةُ بان الجنابيّ التي حاورناها في شؤونها كافة .

 

​س : عرّفي لنا نفسكِ بالأسلوب الذي تختارينه؟

 ج: فنانةٌ تشكيليةٌ عراقيةٌ بغداديةٌ تنفسَتْ الفنّ عصامياً وبنيتُ نفسي بنفسي، تجمعُ لوحتي بين واقعية البورتريه ورصانة التكعيبية الهندسيّة والبلورية، وأترجمُ شغفي بالأدب والموسيقى إلى تكوينات بصَرية على سطح القماش . 

​س : من أختار لكِ طريقَ الرسم ليستقطب إهتمامكِ؟

 ج: كان شغفاً فطرياً دعمهُ والدي منذ الصغر بتوفير الأدوات والتشجيع الدائم، ورغبة أُمي الراحلة التي تمنّتْ قبل ولادتي أنْ تنجب رسامةً، فكانت أُمنيتها البذرة الأولى التي أزهرتْ في روحي. وأنا مستمرة رغم لحظات اليأس فقط لتحقيق أمنية أمي. 

​س : متى دخلتِ دائرة الشهرة لأول مرة؟

 ج: حين بدأتْ أعمالي تنطلقُ في المحافل والمعارض الفنية، وتأكدتُ بأسلوبي الخاص في المشاركات التي لاقت إحتفاءً نقدياً وجماهيرياً، كمعارض دائرة الفنون ومعرض "تجارب واقعية" في قاعة كولبنكيان وغيرها . 

​س : ما البابُ الذي تفتحهُ لكِ اللوحة وأنتِ تضعين اللمسة الأولى بالفرشاة على سطح القماشة؟

 ج: تفتحُ بابَ العبور إلى عالم لا يحدُّه وقتٌ ولا تقيدُّه قيودٌ، حيث تتحوّلُ النغماتُ الموسيقية التي تُعزفُ في مرسمي أثناء الرسم إلى طاقة حيّة تتشكل مع أول مسحَة فرشاة، فأنا أعشقُ الموسيقى والنغمات الراقية.  

​س : تتشبثين كثيراً بالأمل وتضعينه في لوحاتكِ نبراساً يزيل عتمة اليأس.. ما سرُّه عندكِ؟

 ج: الأملٌ هو النبراسٌ الذي نكسرٌ به عتمة اليأس؛ اللوحةٌ بالنسبة لي ليستْ مجرّد توثيق للواقع، بلْ هي رسالة تنويرية تمنحُ الرائي طوق نجاة وطاقة إستمرار، فكل عمل يحملُ رسالة وهدفاً بالابتعاد عن اليأس مادام هنالك أملٌ قد يغيّر الواقع، لولا الاملُ لما استمريتُ بعالم الفن . 

​س: كمْ يزعجُكِ الانتظارُ.. كيف رسمتيه في لوحاتكِ؟

ج: حقيقة أنا اكرهُ الإنتظار لأنهُ حالة مشحونة بالترقّب، ففي لوحة لحظة تحرر اسيرات الزمن في مدينة الصمت حيث رسمتُ وجع الإنتظار متمثلاً بالنساء ورسمتُ المرأة التي تطلقُ سهم التحرّر من ساعة الزمن المتوقف لتخبرهنّ إنه لا يوجدُ وقت للانتظار بلْ بحاجة للانطلاق والسرعة بالإنجاز، رسمتُهُ عبر تداخل المساحات الهندسيّة وتعرّجات الضوء والظلّ على وجوه تتطلعُ لنقطة فارقة في الأفق.

​س : عالمُ الجداريات الصعبُ.. ما الذي أستهواكِ فيها؟

 ج: أستهواني فيها الامتداد والمدى المتسع الذي يتيحُ لي تفريغ الفكرة بجدية وعمق؛ المساحاتُ الكبيرة الممتدة لأمتارٍ تمنحُ الفكرة أبعاداً ملحمية وتنفسًا كاملاً ومشهداً بانوراميّاً سرديّاً يمنحُ المتلقيّ مشاهدَ كثيرة للتأمل بتفاصيلها وأيضاً اللوحة الكبيرة تجذبني وتجعلني أدخلُ بعالمها عند التطلّع بها .

​س : ما أصعبُ ما يواجهكِ في رسم الجداريات؟ وما أصعبُ جدارية؟

 ج:الأصعبُ هو السيطرة على إيقاع العمل والتوازن بين التفاصيل الدقيقة والمساحة الهائلة دون تشتيت والأصعبُ هو التوازنُ اللونيّ ، وتظلّ جدارية "الخلود وحراس الإرث العراقي" (300×200 سم) من أكثر الأعمال التي تطلبتْ جهداً وتركيزاً ملحمياً، وحالياً في مرحلة الإنتهاء من اللمسات الأخيرة لجداريتي الجديدة التي لمْ أنشرها بعد، قياس ٥م .

​س : وترسمينَ البورتريه..!، ما الذي فيه ليشدكِ إليه؟ هل هو إستراحةُ محاربٍ؟ 

ج: البورتريه ليس إستراحة، بلْ هو مواجهة عميقة مع الروح؛ والرسمُ الواقعيُّ هو الأساس الذي أنطلقتُ منه للبقية المدارس، فالوجهُ البشريُّ يتضمنُ كلّ الانفعالات الإنسانية، وفي حالة دمجه مع التكعيبية البلورية يمنحُه عمقاً فلسفياً وجمالياً مضاعفاً.

​س : ما أبرزُ ثلاث محطاتٍ في مسيرتكِ الفنية؟

 ج: ترسيخ أسلوبي الخاص في دمج الواقعية بالتكعيبية البلورية، ​إنجاز الجداريات الملحمية الكبرى مثل "الخلود وحراس الإرث العراقي"وإنطلاقة حلم" وأسيرات الزمن" وغيرها، ​والمشاركات المعْرضيّة الفارقة والتواجدُ الفاعلُ في المشهد التشكيلي العراقي وإثبات هويتي .

​س : تتراءى في لوحاتكِ إبداعات أجيال سابقة من الرسامين، أيّ حوار ذاتيّ يجري بينكِ وبينهم؟.

 ج: هو حوارُ الإمتنان والإستلهام؛ أستحضرُ روح رواد الفنون والمدارس التشكيلية العريقة كفائق حسن وحافظ الدروبي وغازي السعودي وغيرهم ، ثم أعيدُ صياغتها بشكل حداثوي وبرؤيتي الخاصة وأسلوبي الهندسي المعاصر متأثرة بالفنان العراقي المعاصر د. سلام جبار  .

​س : هل ترين حريتكِ في الرسم أمْ أن الرسم يسلبكِ إياها حين يصعبُ عليكِ البوح بكل ما في نفسكِ؟ 

ج: الرسمُ هو المساحةُ المطلقةُ لحريتي، وحين يعجزُ اللسانُ عن البوح بكلّ ما في النفس، تتكفلُ الفرشاة بتفكيك تلك المشاعر وسكبها ألواناً بلا حدود، الرسمُ هو ملاذي الوحيد للتحرر من الواقع .

​س : لوحاتكِ ممتلئة جداً بحيث لمْ تتركي مجالاً لثغرة في اللون، ما هذا الأسلوب وأيّ أسرارٍ لكِ فيه؟ 

ج: ينبعُ هذا منْ أسلوب التكعيبية البلورية؛ حيث يتكسّرُ الضوءُ والكتلةُ إلى شظايا متناغمة تملأُ الفراغ وتمنحُ العمل غنىً بصرياً وحركة لا تتوقف.

​س : لماذا الاهتمامُ بـ "الخلود وحراس الإرث العراقي"؟

 ج: لأنّ الإرثَ الحضاريّ لبلادي هو الذاكرةُ والعمودُ الفقريّ، وكان لا بدّ من تجسيد حراس هذا التاريخ وفكرة خلوده في عمل جداري كبير يليق به.

​س : المتأملُ للكثير من لوحاتكِ يتأكدُ له أنّ تجربتكِ الفنية قائمة على (التكعيبية البلورية)، ما سحرُها وأيّ علاقة لكِ بالهندسة لتستثمريها؟

 ج: سحرُها يكمنُ في تحليل الأشكال والضوء كسطوحٍ بلوريّة تعكسُ الضوء بجمالية؛ الهندسةُ لديّ ليستْ مجرد أرقام، بل لغة بناء بصري تمنحُ اللوحة قوة ومتانة تتجاوز المنظور التقليدي.

​س : أشعر أنّ أحزاناً كثيفة تغطي بعض رسوماتكِ، أي حزنٍ فيكِ يبعثُه الرسم؟

 ج: هو ليسَ حزناً سوداوياً، بلْ شجنٌ إنسانيٌّ عميقٌ يبعثه التأملُ والبحثُ عن الحقيقة حزناً على ما تعانيه المرأةُ في بلدي ، شجنٌ يتآلفُ مع الضوء الأصفر ليصنع التوازن، فدائماً أقابل الحزن بالضوء واللون الاصفر .

​س : هلْ تتوقين إلى السريالية؟ ما الذي يمنعكِ عنها؟

 ج: أجدُ نفسي أكثر في تحويل الواقع وتفكيكه هندسياً عبر التكعيبية البلورية؛ السرياليةُ تسبحُ في الحلم، وأنا أفضّل إعادة بناء الواقع بأسلوب بنيويّ متماسك، لكنْ أيضا تجدُ السريالية تتخللُ أعمالي . 

​س : الأصفرُ يلمعُ في لوحاتكِ بشكل ملفتٍ.. هلْ هو لونُ الذهب أمْ لونُ فكرة خاصة بكِ؟

 ج: الأصفرُ عندي ليس مجرد معدن الذهب، بلْ هو رمزُ الإشراق، وطاقة الشمس، والشعاع الذي أكسر به عتمة المساحات ليضيء اللوحة من الداخل هو ضد العتمة . 

​س  : كثيرة هي الوجوه الآدمية في لوحاتكِ، هل تشعرين بالأنس معهم أم ماذا؟ 

ج: نعم، أجد الأنسَ في الوجوه؛ كلّ وجهٍ يحملُ قصة، وحضورها المكثف هو حوار بيني وبين الإنسانية بجميع حالاتها الشاعرة.

​س : لديكِ عملٌ عنوانه: "أنا الضوءُ الوحيدُ لنفسي"، هل هو فعلاً كذلك وما السبب؟

 ج : نعم، يعبّرُ عن القوة الداخلية والإستقلالية؛ فالفنانُ يجبْ أنْ يكون هو المصدر الأول للنور والدافع لنفسه ليضيء عتمة طريقه وعوالمه الفنية، يجب أنْ سكون داخل كل شخص ضوؤه الداخليّ الذي يرشده لطريق النور والهداية . 

​س : لفت نظري الحصان في لوحاتكِ.. ما الذي يمثله لكِ؟

 ج: يمثلُ الأصالة، والحرية، والأنفة، والقوة التي لا تستسلم؛ وهو رمز حضاري وتراثي يعكسُ العنفوان والشموخ.ودائماً أستخدمه لأرمز للإنطلاق والسرعة وكما تعلمُ أنا أكرهُ الانتظار ..

​س : إهتمامكِ بالتراث من أين متأتٍ؟ 

ج: متأتٍ من الإنتماء العميق لأرض العراق وزخمه الحضاري والتاريخي، فالتراثُ ليس ماضياً انتهى، بل هو روح متجددة تعيش في تفاصيلنا، يجب انْ نحافظ على تراثنا كي لا يندثر .

​س : ما المرأةُ الأجملُ في رسوماتكِ؟ 

ج: هي المرأةُ المفعمةُ بـ "العنفوان"، القوية التي تحملُ في ملامحها الصبر والأمل، وتجمع بين الرقة والصلابة والثقافة الفكرية .

​س : أيّ طموح ما زال في نفسكِ وأنتِ تقفين أمام هذا الكمّ والنوع من رسوماتكِ؟

 ج: الوصولُ بأسلوبي الفني والجداريّ إلى محافل دولية واسعة، وترك أثر بصريّ خالد يعكسُ جمال الفنّ العراقي وأصالته للعالم، وهذه امنيتي الوحيدة .