ملهى الجواهري في بغداد.. فندق الذهب الأسود الذي خارت قواه
مائةُ عامٍ وأكثرُ بخمسة أعوامٍ، وهذا البناءُ قائمٌ، على أطراف شارع الرشيد، قلب بغداد النابض، تتلاعب به الظروفُ والأنواءُ ويصَمدَ عمراً طويلاً، الا إنَّ قواهُ خارتْ، لمْ يعدْ خشبُهُ قادراً على أن يشدَّ حيله ولا طابوقُه على أنْ يصبرَ اكثرَ فأنكفأتْ قامتُه وفاضتْ تفاصيلُهُ لتعيشَ غيبوبةً لا إنعاش لها ..
ثمّ أخيراً.. تمّ الإنتباهُ الى هذه البناية التي وُصفتْ بقوة إنها (آيلةٌ للسقوط) وقرّرتْ أمانةُ بغداد هدْمها فيما أكدتْ الهيأةُ العامّةُ للآثار والتراث إعادة تشييدها وفقَ شكلها الأصلي، ولا أكتم سرّاً إنّ الناسَ والباحثين ايضاً فوجئوا باسم هذا الفندق الذي أعلنتهُ أمانةُ بغداد وهو (الذهب الاسود) فلم يسبق ان عُرف بهذا الاسم ولمْ يشتهرُ به !.
خلالُ السنواتِ العشْرِ الأخيرة ، تتعلقُ الانظارُ به، لابدّ من ذلك، ولا تكادُ تفارقُهُ إلا بالابتعاد عنهُ، وفي النفْس ثمةُ قلقٌ وأسفٌ، فالمكانُ البغداديُّ الجميلُ بمعماره وموقعه وجمالياته أنحنى للظروف وهو على وشك السقوط بعد أنْ عانى من الاهمال ولمْ تكنْ الحججُ الا واهيةً ، فكنتُ على الدوام.. أسألُ البعضَ من العارفين فلا يجدون إلا قولَ (إنهُ منْ أملاكِ اليهُود..) وهؤلاءُ اليهودُ هم الذين تمّ تسفيرهُمْ أواخر الاربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ومنْ ثمّ يفاجؤُونكَ بالقول: إنّ هذه الاملاكَ بعهدة الأمم المتّحدة ولا يجوزُ التصرفَ بها ، وحين تسأل: هلْ سيبقى الحالُ على ما هو عليه منْ بؤسٍ وخطورةٍ تحْدقُ بالناس؟ يأتيك الجوابُ غامضاً : ما باليدِ حيلة .
ولكنِّ المفاجأةَ كانتْ في إعلان أمانة بغداد إنّ فندقَ الذهب الأسْود يُعدُّ من الأبنية التراثية المدرجة ضمْنَ البيان رقم (35) لسنة 2011، وإنهُ (مملوكٌ لأمانة بغداد) !!.
يقعُ الملهى / الفندقُ (الأوتيل) كما يُسمّى سابقاً امام منطقة الميدان عند مدْخل سُوق هَرجْ الذي هو طرف من أبنية شارع الرشيد، غائبٌ عن الوعيّ، لعبتْ به الريحُ والامطارُ وأشعةُ الشمس فأخضعتهُ للخراب والإندثار، فالمبنى تمّ اخلاؤُهُ منذُ اكثر من عشْر سنوات ولا توجدُ ايّ صفةٍ تعاقدية لشاغلي المحال التجارية، وكان ذلك بعلم مديرية الدفاع المدنيّ، فيما الرأيُّ العامُ إنّ بقاءَهُ يشكّلُ خطورة ليس على شاغلي المحال فحسبْ بلْ وعلى مستخدمي الطريق.
هذا المكانُ المحصورُ بمساحة ليستْ كبيرة، لهُ ذاكرةٌ ما زالتْ تنبضُ بكلماتها وحروفها وأسمائها والطقوس التي كانت تجري فيه، ذاكرة لمائة عام كإن الذكرياتُ ما زالتْ لصيقة به، وهيً التي تمنعُهُ من السقوط والإنهيار ، تحاولُ أنْ تشدَّ أزْرهُ ولسانُ حالها يقولُ: لا أريدني أنْ أضْمحلَ أو اتبخرَ أو أغيبَ عن المشهد ، لكنّما النظرَ إليه بتأملٍ يجعلُ الناظرَ يشاهدُ جراحاً عديدة على جسده، غير ملتئمة، ترى دماء تنزُّ من بين الانحناءات والانكسارات والثقوب التي فيه .

هذا المكانُ البغداديُّ يصفهُ البعضُ بأنهُ (أحد المباني التي تحملُ ملامحَ من الحقبة العثمانية والبناء الإنكليزي)، ويؤكدُ المؤرخون البغداديون إنّ البناية أُنشأتْ في العام 1921، بعد نحو أربع سنوات من شقّ شارع الرشيد الذي هي في طرفه الشمالي، كان أولُ عهده ملهى وفندق يحملُ اسم (ملهى وأوتيل الجواهري) بعد ان حصل انفتاحٌ على اللهو والملاهي والموسيقى ووسائل الترفيه في بغداد بعد عام 1908، ذلك العامُ الذي أعلن فيه الدستورُ العثمانيُّ عن إعطاء الحريات النسبية للمجتمعات والجماعات الدينية والقومية التي كانت تحت الحكم العثماني، ورفع قيودا كثيرة كانتْ مفروضة على الصحافة والأنشطة الإجتماعية فدخلتْ الراقصاتُ العربياتُ والاجنبياتُ بغداد ، فناناتٌ من كلّ جنسٍ ولون، أجتمعْنَ تحت ظلال سقف (الجواهري) المضاء الجميل المميز ، حيث ما أنْ تدقُّ الساعةُ العاشرةُ مساء حتى يكونُ الملهى عامراً بزبائنه وأطايبه والمغنياتُ والراقصاتُ يتناوبْنَ في تقديم وصلاتهنّ التي يُسعد بها الحاضرون ، إذ يُعدُّ ملهى الجواهري واحداً من أبرز ملاهي بغداد التراثية في العصر الملكي، واقترن اسمه بأبرز نجوم الطرب والأدب الغنائي .

وتذكرُ بعضُ المصادر إنّ (عبد الله ما شاء الله) كان صاحبَ ومديرَ ملهى الجواهري، فيما تقولُ مصادرٌ أخرى انهُ كان بإدارة إمرأة إسمها (خزنة إبراهيم) ، وإنّ هذا الملهى كان يضمّ العديد من الراقصات من أمثال نزهت الحلوة أو نزهت البغدادية على الرغم مما يقال عنها (انها لا تحسن الرقص ولا الغناء لكنها جميلة جذابة) وعشقها أحدُ الاثرياء من الشباب الى داره في البتاويين وبقيتْ خليلة له الى نفاد أمواله، ولميعة التي اشْتهرتْ بالغناء وإحياء الحفلات والسهرات في أطراف بغداد قريباً من بعقوبة، وكذلك بناتُ مريم خان وهنَّ ثلاثُ بنات (تفاحة ونجية ورجو) الاولى كان لها بيت قريباً من شارع المتنبي والثانية لها مكانة عند الشباب البغدادي والثالثة كانت محظية عند أحد النواب لمحافظة كربلاء، وكذلك بنات نومة ليلو وخزنة وترفّعنَ بالمهنة حتى صعدنَ على مسرح ملهى الجواهري ليقدمنّ ما تجود به مهاراتهنّ، وفريدة التي أمتازتْ عند شباب بغداد بجاذبيتها الجنسية وظرافة نكاتها حتى أنّ أحد المعجبين بها قال شعراً شاع في بغداد سريعاً: (طيرة وفريدة بالبلم وحواجبها جرّ القلم)، فضلا عن العديد من الراقصات والمغنيات اللواتي ينتقلن ما بين النوادي المزدهرة آنذاك عبر الاعوام المتتالية وقد استقطب الكثير منهن ومن اللواتي يتوافدنّ على بغداد ويتجدد الملهى بهنَّ، وكان الملهى / الفندق زاهراً وشهيرا .
وظلّ ملهى الجواهري والملاهي الأخرى يعملُ حتى العام 1940 حينما أمرتْ أمانةُ العاصمة بغداد بنقل هذه الملاهي الى خارج بغداد، فتمّ تحويله الى فندق فقط فكان يستقبلُ زبائنه كما الفنادق الاخرى التي تحوّلتْ من ملاهي الى فنادق كما في الملهى الكبير المجاور له (ملهى الهلال) الذي أحتضن كوكبَ الشرق أمّ كلثوم في العام 1932.

ويبدُو إنّ ثورة 14 تموز 1958 التي شكّلتْ تحوّلاً جذرياً في المجتمع العراقي بعد سقوط الملكية ،كان لها دورٌ في متغيّرات كثيرة في الحياة العامة للناس ومنْ ذلك تخلّي أصحاب فندق الجواهري عنه او الزهد فيه لأسباب شخصية .. ربما، لتشتريه في الأخير امانة بغداد، هذا استنتاجٌ طبيعيٌّ للظروف الثوريّة اللاحقة، ويبدُو إنّ أمانة بغداد عملتْ على تغيير اسمه مطلع الستينيات الى (فندق الذهب الأسود) الذي كما يبدو إنّ التسمية (رسميّة) وجاءتْ إحتفاء بالنفط / البترول وشيوع لقبُ النفط الأسود حيث سُميتْ محافظةُ كركوك به، وكان واحداً من أوائل الفنادق الحديثة في بغداد، وعلى مدى عقود أستقبل شخصيات عربية وأجنبية، وتحوّل إلى ملتقى للأدباء والفنانين والمثقفين، ثم صار واحداً من الأبنية التراثية في بغداد .
أمانةُ بغداد بعد صمْتٍ طويلً ..أعلنتْ مفاجأة بقرارها بـ (إزالة فندق الذهب الأسود) مع ملاحظة مُدْهشة (..بعد استحالة الإبقاء عليه)، بتأكيد إنّ القرارَ (جاء بعد إستكمال الدراسات الفنيّة والهندسيّة واستحصال الموافقات الرسمية، حفاظاً على سلامة المواطنين، مع توثيق المبنى بالكامل تمهيداً لإعادة تشييده مستقبلاً وفقَ هويته التراثية).
وبرّرتْ الامانةُ تأخّرها عن الإهتمام بالمكان قائلة (الظروفُ التي مرّ بها العراقُ خلال العقود الماضية، وما رافقها من حروبٍ وحصارٍ وتراجعٍ في أعمال الصيانة، أدّتْ إلى تدهور الحالة الإنشائية للمبنى بصورة كبيرة، حتى أصبح يشكّلُ خطراً حقيقياً على سلامة المواطنين) .
وبالفعل.. حالُ الملهى القديم أو الفندق أو البناية التراثية بائسٌ سواء من دواخله أو خوارجه، بناءٌ متصدّعٌ متداعٍ، وكلُّ شيء فيه تلوثٌ بصريُّ وخوفٌ من أنْ يسقطَ على المارّين، والظريفُ أنّ هناك منْ يجلسُ تحته مباشرةً وحين يتمُّ تحذيره يردُّ بالقول (خليني اموت..هي هاي حياة)، المشهدُ هو إنهيارُ أجزاءٍ منه، خشبٌ متهريءٌ متشققٌ وحديدٌ صديءٌ متآكلٌ وسورٌ علويّ حديديٌّ يتدلّى خائفاً من إهتزاز نفسه مع الريح، وظهورُ تشقّقاتٌ واسعة في الجدران الخارجية، وانبعاجاتٌ في الحيطان الداخلية، وقد تسرّبتْ المياهُ إلى الجدران والارضية، وقد غابتْ أعمال الصيانة المنتظمة، فضلاً عن إنهيارٍ واضحٍ في سقف الطابق الأول، أنّ حالته الإنشائية المتدهورة وتساقط أجزاء أساسية منه وتردّي أسقفه جعلتْ أعمال الترميم غير ممكنة من الناحية الفنية الأمرُ الذي أستوجبَ إتخاذ قرار إعادة بنائه حفاظاً على الأرواح والممتلكات.
لكنَّ الهيأة العامة للآثار والتراث دخلتْ على الخطّ لتؤكد على (إعادة تشييد فندق الذهب الأسود وفق شكله الأصلي مع الالتزام بالحفاظ على جميع عناصره المعمارية والزخرفية التراثية ومنع أيّ إضافات أو تغييرات من شأنها المساس بأصالته التاريخية .
يرى المهتمون إنّ البناية تضمّ عناصرَ معماريّة ذات قيمة تاريخية، ينبغي الحفاظ عليها وعدم فقدانها خلال أي أعمال إزالة، فيما يرى آخرون إنّ التجديد ضروريٌّ، وعليه قلعه من الاساس وبناء شيء جديد وعصري يدوم ١٠٠ سنة جديدة مع الحفاظ على روحية التراث!!، لكنّ بعضَ كبارِ السنّ يشعرون بالخيبة وهم ينظرون اليه ، وقد كانت لهم معه ذكرياتٌ، مؤكدين على ضرورة أنْ يلوّحوا له بأيديهمْ ويقولوا لهُ: وداعاً..!!.