هل يساهم محمد صلاح في تخفيف العنصرية تجاه العرب في تركيا؟
لم يكن انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي مجرد واحدة من أبرز صفقات الميركاتو الصيفي، بل حمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما أعاد إلى الواجهة تساؤلًا قديمًا يتجدد بين الحين والآخر: هل يستطيع نجم بحجم محمد صلاح أن يساهم في تحسين صورة العرب داخل تركيا، وأن يخفف من حدة التصورات السلبية التي تحملها بعض شرائح المجتمع التركي؟

استقبال شعبي وجماهير واسع لمحمد صلاح
جاءت بداية صلاح في تركيا بصورة لافتة، بعدما استقبلته جماهير طرابزون سبور بحفاوة كبيرة، واحتشد الآلاف لاستقباله، في مشهد عكس المكانة العالمية التي يتمتع بها النجم المصري، وأكد أن كرة القدم لا تزال تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحدود والانتماءات.
هل ينجح محمد صلاح في تغيير خطاب الكراهية بين العرب وتركيا
لكن هذا الترحيب الجماهيري يطرح سؤالًا أكبر: هل يمكن للاعب واحد أن يغير نظرة مجتمع بأكمله، إذ تشير دراسات واستطلاعات دولية إلى أن صورة العرب في تركيا شهدت تغيرات خلال العقود الأخيرة، فقد أظهرت استطلاعات أجراها «Pew Research Center» وجود آراء سلبية تجاه العرب لدى شريحة من المواطنين الأتراك، بينما تناولت دراسة صادرة عن مؤسسة «SETA» بعنوان «The Arab Image in Turkey» الجذور التاريخية والثقافية والسياسية لهذه التصورات، مؤكدة أنها تختلف باختلاف الفئات الاجتماعية والمناطق والانتماءات السياسية، ولا يمكن تعميمها على المجتمع التركي بأكمله.
وخلال السنوات الأخيرة، ساهمت عوامل عدة في تصاعد الخطاب السلبي تجاه العرب في بعض الأوساط، من بينها الأزمة الاقتصادية، وملف اللاجئين السوريين، وتصاعد الخطاب القومي خلال المنافسات السياسية، وهي عوامل دفعت منظمات دولية مثل «Human Rights Watch و«International Crisis Group» إلى التحذير من تنامي خطاب الكراهية تجاه اللاجئين وبعض الجاليات العربية، مع التأكيد على أن هذه الظاهرة لا تعبر عن جميع الأتراك.

محمد صلاح وتخفيض الكراهية اتجاه المسلمين في أوروبا
في المقابل، يمتلك محمد صلاح تجربة سابقة تؤكد أن تأثير نجوم الرياضة قد يمتد إلى ما هو أبعد من الملاعب، ففي إنجلترا، لم يكن مجرد هداف لليفربول، بل تحول إلى رمز إيجابي للمسلمين والعرب، وأشارت دراسة أكاديمية نُشرت في «American Political Science Review» إلى أن وجود صلاح في ليفربول ارتبط بانخفاض جرائم الكراهية ضد المسلمين في منطقة ميرسيسايد، إلى جانب تراجع الخطاب المعادي للإسلام بين جماهير النادي، في واحدة من أبرز الدراسات التي تناولت أثر الرياضيين في تغيير الصور النمطية.

هل يفعلها محمد صلاح مجدداً؟
ورغم اختلاف السياق بين إنجلترا وتركيا، فإن التجربة تمنح مؤشرات على أن الاحتكاك المباشر بشخصية ناجحة وذات شعبية واسعة قد يسهم في كسر بعض الأحكام المسبقة. فصلاح لا يمثل مجرد لاعب كرة قدم، بل يُعرف عالميًا بسلوكه الهادئ، والتزامه، وأعماله الإنسانية، وهي صفات قد تساعد في تقديم صورة مختلفة عن العرب لدى قطاع من الجماهير التركية.
ومع ذلك، يؤكد متخصصون في علم الاجتماع أن تغيير المواقف المجتمعية لا يتحقق عبر شخص واحد مهما بلغت شهرته، لأن التصورات الاجتماعية تتشكل بفعل عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية وإعلامية معقدة، لكن الشخصيات العامة قادرة على فتح نوافذ للحوار، وكسر الصور النمطية، وبناء جسور إنسانية بين الشعوب.

مهمة عربية لمحمد صلاح في تركيا
وهنا تبدو مهمة محمد صلاح في طرابزون سبور مختلفة عن أي محطة سابقة في مسيرته، فإلى جانب سعيه لقيادة فريقه نحو البطولات، سيكون أمام فرصة لصناعة تأثير يتجاوز الأهداف والتمريرات، عبر تقديم نموذج عربي يحظى باحترام الجماهير التركية، وربما يساهم، ولو بصورة تدريجية، في تغيير بعض الانطباعات السلبية وترسيخ فكرة أن الرياضة قادرة على التقريب بين الشعوب عندما تعجز السياسة عن ذلك.







