من الاحتلال البرتغالي إلى الإسباني.. ما قصة مدينتي سبتة ومليلية
قدم مصطفى الغاشي، الأكاديمي المؤرخ المغربي المتخصص في التاريخ الحديث والمعاصر دراسة تاريخيّة للأوضاع الجيوسياسية، وتطور الوجود الإيبيري بين القرن الخامس عشر والقرن الحادي والعشرين- بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
قدر التاريخ والجغرافيا
وأكد الغاشي في أن مدينتي سبتة ومليلية تمثلان إحدى أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيدا في غرب البحر الأبيض المتوسط. فهما تقعان جغرافيًا في شمال إفريقيا، بينما تخضعان للإدارة الإسبانية منذ قرون، الأمر الذي جعلهما محورًا للنقاش التاريخي والقانوني والسياسي بين المغرب وإسبانيا والمهتمين بالعلاقات الدولية.
وأوضح أنه بالنسبة للمغرب فهو يعتبر أن المدينتين تشكلان امتدادا طبيعيا لترابه الوطني، وأن استمرار السيطرة الإسبانية عليهما يمثل بقايا المرحلة الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا، في حين تؤكد إسبانيا أن سيادتها عليهما تعود إلى فترات تاريخية سابقة لتشكيل الدولة المغربية الحديثة، وأنهما جزء من الدولة الإسبانية بموجب قانونها ودستورها. فكيف تطور وضع المدينتين المحتلتين عبر التاريخ؟
وذكر بأن سبتة عرفت قبل الاحتلال البرتغالي، ومنذ العصور القديمة باعتبارها مدينة استراتيجية تتحكم في مضيق جبل طارق.
حضارات متعاقبة
كما تعاقبت عليها حضارات متعددة، كالفينيقيين، والقرطاجيين، والرومان، والوندال، والبيزنطيون. وكذلك الدولة الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي، كالمرابطون، والموحدون، والمرينيون، لتصبح خلال العصر المريني أحد أهم الموانئ المغربية على البحر الأبيض المتوسط.
وقال إن احتلال سبتة سنة 1415م، وتحديدا تاريخ 21 غشت 1415م قاد الملك البرتغالي جواو الأول حملة بحرية ضخمة تحاه السواحل الشمالية للمغرب انتهت باحتلال سبتة.
وأضاف أن هذا الحدث يمثل بداية التوسع الاستعماري الأوروبي خارج القارة الأوروبية، ويعتبره الكثير من المؤرخين بداية المشروع الإمبراطوري البرتغالي. وقد كانت وراء هذه الحملة عوامل كثيرة منها السيطرة على التجارة الصحراوية، والتحكم في مضيق جبل طارق، ونشر النفوذ المسيحي، وكذا منافسة الممالك الإسلامية.
إدارة مشتركة
وتابع بأن انتقال سبتة إلى إسبانيا، تم بعد اتحاد العرشين الإسباني والبرتغالي سنة 1580م بقيت سبتة تحت الإدارة المشتركة.
وأوضح أنه عندما استعادت البرتغال استقلالها سنة 1640م، اختارت سبتة البقاء تحت التاج الإسباني، وجرى الاعتراف بذلك رسميًا في معاهدة لشبونة سنة 1668م.
وتوقف عند احتلال مليلية سنة 1497م، وبعد سقوط غرناطة سنة 1492م سعت إسبانيا الى توسيع وجودها في الساحل المغربي.
وفي سنة 1497م احتلت القوات الإسبانية مليلية، إذ كان الهدف هو حماية الملاحة الإسبانية، إنشاء قواعد عسكرية، ومراقبة الساحل المتوسطي المغربي.
وأشار إلى أنه إلى جانب سبتة ومليلية احتفظت إسبانيا بعدد من المواقع الصغيرة، منها جزر الحسيمة، والجزر الجعفرية، وصخرة قميرة، وجزيرة ليلى (برزت في أزمة عام 2002م بين المغرب وإسبانيا).
وتخضع كل هذه المواقع للإدارة الإسبانية، بينما يطالب المغرب باسترجاعها.
مطلب التحرر
وفي فترة الحماية الإسبانية (1912م–1956م)، ومع فرض نظام الحماية على المغرب سنة 1912م -يضيف الغاشي- توسع النفوذ الإسباني في شمال المملكة، لكن سبتة ومليلية لم تكونا جزءًا من منطقة الحماية، إذ اعتبرتهما إسبانيا أراضي إسبانية خاضعة مباشرة لإدارتها.
وبعد استقلال المغرب سنة 1956م أصبحت قضية المدينتين جزءًا من العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث يبيّن الغاشي أن الموقف المغربي، يرتكز الموقف المغربي على عدد من الحجج الجغرافية والتاريخية والقانونية، أبرزها الانتماء الجغرافي للمدينتين إلى القارة الإفريقية، والروابط التاريخية مع الكيانات السياسية المغربية قبل الاحتلال، ومبدأ استكمال الوحدة الترابية. كذلك اعتبار استمرار الإدارة الإسبانية امتدادًا للاستعمار الأوروبي.
واستحضر دعوة المغرب في مناسبات مختلفة إلى معالجة القضية عبر الحوار والتفاوض السياسي والدبلوماسي، مع التأكيد على تفضيل الحلول السلمية.
في المقابل، يرتكز الموقف الإسباني، بحسب المؤرخ والأكاديمي المغربي على حجج مختلفة، منها أن السيطرة على سبتة ومليلية تعود إلى قرون قبل فرض الحماية على المغرب، وأن سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويشاركون في المؤسسات الدستورية الإسبانية، وأن المدينتين تتمتعان بوضع "المدينتين المتمتعتين بالحكم الذاتي" داخل الدولة الإسبانية، كما تعتبر اسبانيا ان أي نقاش حول السيادة أمرًا غير مطروح من وجهة نظرها.
وعاد الغاشي إلى الوضع القانوني الدولي لسبتة ومليلية من بين سنتي 1956م–2026م، بين مبدأ وحدة الأراضي وحق تقرير المصير، عبر عرضه مقارنة في ضوء القانون الدولي.
وشدد على أنه منذ استقلال المغرب سنة 1956م، انتقلت قضية سبتة ومليلية من المجال التاريخي والعسكري إلى المجال القانوني والدبلوماسي.
الشرعية الدولية.. حجج وبراهين
وأصبحت القضية تُناقش في ضوء قواعد القانون الدولي، ولا سيما مبادئ وحدة الأراضي، وتصفية الاستعمار، وعدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير المصير.
وتكمن خصوصية الملف في أنه لا توجد حتى اليوم معاهدة ثنائية نهائية بين المغرب وإسبانيا تحسم مسألة السيادة، كما أن الأمم المتحدة لم تُدرج المدينتين ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو ما جعل الملف مختلفًا عن قضايا تصفية الاستعمار الأخرى.
وشرح كيف أن الموقف المغربي، يرتكز الموقف المغربي على مجموعة من الحجج التاريخية والقانونية، أهمها الامتداد الجغرافي، حيث تقع سبتة ومليلية على الساحل الإفريقي، وتحيطان بالمجال الترابي المغربي، وهو ما يجعل الرباط تعتبرهما جزءًا من وحدتها الترابية، والسيادة التاريخية، حيث يستند المغرب إلى خضوع المدينتين للدول المغربية المتعاقبة قبل الاحتلال البرتغالي والإسباني، ويرى أن فقدانهما تم في سياق توسع عسكري أوروبي.
ومن هذه المرتكزات كذلك سعي المغرب إلى استكمال الوحدة الترابية، حيث بعد استرجاع طرفاية (1958م)، وسيدي إفني (1969م)، واستكمال إنهاء الوجود الأجنبي في أجزاء أخرى من التراب المغربي، اعتبر المغرب أن ملف سبتة ومليلية يندرج ضمن استكمال الوحدة الترابية عبر الوسائل السلمية.
ولفت إلى أنه في مسالة الحوار، لم يعلن المغرب تبني الخيار العسكري بعد الاستقلال، بل أكد في مواقف رسمية متكررة مفادها أن معالجة الملف ينبغي أن تتم بالحوار والتفاوض كخيار استراتيجي.
أما الموقف الإسباني، فيستند إلى مجموعة من الحجج القانونية والدستورية، أبرزها قدم السيادة، حيث ترى أن "سيادتها" على سبتة ومليلية تعود إلى ما قبل قيام نظام الحماية على المغرب، وبالتالي فهما ليستا من مخلفات الحماية أو الاستعمار في القرن العشرين.
ومن هذه الحجج - يشير الغاشي - إلى النظام الدستوري، حيث ينص الدستور الإسباني على أن المدينتين جزء من الدولة الإسبانية، وتتمتعان بوضع المدينتين المتمتعتين بالحكم الذاتي.
الديموغرافيا في الميزان
وحول البنية السكانية، يورد المؤرخ المغربي إشارة إسبانيا إلى أن سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويشاركون في الانتخابات والمؤسسات الوطنية، وتعتبر ذلك عنصرًا يعزز استمرار السيادة الإسبانية.
وسلط الضوء على رفض إسبانيا التفاوض حول السيادة، حيث تؤكد الحكومات الإسبانية المتعاقبة أن مسألة السيادة ليست مطروحة للتفاوض، مع استمرار التعاون مع المغرب في ملفات أخرى.
وبشأن الموقف الأممي من هذا الملف اعتبر الغاشي أنه من الناحية القانونية، تتميز قضية سبتة ومليلية بخصوصية واضحة، فحتى عام 2026م لم تُدرج المدينتان ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
كما أنه لم يصدر اي قرار من الجمعية العامة أو مجلس الأمن يدعو إلى تصفية الاستعمار فيهما كما وقع في حالات مماثلة.
وسجل أنه "لا يوجد حكم من محكمة العدل الدولية يتناول الوضع القانوني للمدينتين. وهذا لا يعني حسم النزاع قانونيًا، بل يعكس غياب مسار أممي خاص بالقضية".
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، - يزيد الغاشي أنه - فمنذ انضمام إسبانيا إلى الجماعة الأوروبية عام 1986م، أصبحت سبتة ومليلية جزءًا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى: تعزيز البنية الأمنية، وتشديد مراقبة الحدود.
ولاحظ أن أهمية المدينتين تزايدت في سياسات الهجرة، وتصاعد أهمية التعاون المغربي الأوروبي في إدارة الحدود.
الأبعاد الجيوسياسية
ولم يغفل الغاشي الأبعاد الجيوسياسية المعاصرة المرتبطة بالملف، معتبرا أن القضية لم تعد تقتصر على السيادة التاريخية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بـ: أمن مضيق جبل طارق، والهجرة غير النظامية. ومكافحة الإرهاب، والتجارة البحرية، والعلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
وأبرز مسألة التوازنات داخل حلف شمال الأطلسي، إذ لاحظ أن نطاق الضمانات الدفاعية للحلف بالنسبة لسبتة ومليلية ظل محل نقاش سياسي وقانوني ولم يُحسم بنص خاص يتعلق بهما.
ورأى أن تحليل المواقف يظهر أن الخلاف لا يقتصر على تفسير الوقائع التاريخية، بل يمتد إلى كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي على حالة ذات جذور تعود إلى قرون سابقة.
فالمغرب - بحسب الغاشي - "يركز على مبدأ استكمال وحدته الترابية والامتداد التاريخي والجغرافي، بينما تؤكد إسبانيا استمرارية سيادتها التاريخية والإطار الدستوري الحالي. وحتى الآن، لم تُحسم هذه المسألة عبر اتفاق ثنائي أو آلية قضائية دولية".
ورغم ذلك، يزيد المصدر ذاته - تبقى قضية سبتة ومليلية من أكثر القضايا تعقيدًا في غرب البحر المتوسط، لأنها تجمع بين التاريخ والقانون والسياسة والجغرافيا. كما أنها تعكس التحديات التي تواجه القانون الدولي عند التعامل مع نزاعات ذات جذور تاريخية بعيدة، في ظل غياب مسار تفاوضي مخصص لتسوية القضية.
رهانات وتحديات
وذهب إلى أن سبتة ومليلية تواجهان رهانات وتحديات مستقبلية في الاستراتيجية الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين (2000–2026)، تتعلق أساسا بالأمن، والهجرة، الاقتصاد.
وشدد على أنه مع بداية القرن الحادي والعشرين، لم تعد قضية سبتة ومليلية مجرد نزاع تاريخي أو قانوني، بل أصبحت جزءًا من معادلة جيوسياسية معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، والهجرة غير النظامية، والاقتصاد، والطاقة، والعلاقات المغربية الإسبانية، وسياسات الاتحاد الأوروبي في جنوب البحر الأبيض المتوسط.
وتحول الموقع الجغرافي للمدينتين - بحسبه - من مجرد ثغرين ساحليين إلى عقدتين استراتيجيتين ضمن منظومة الأمن الأوروبي والإفريقي.
وأبرز القيمة الجيوستراتيجية للموقع، حيث تقع سبتة ومليلية عند ملتقى ثلاث دوائر استراتيجية كبرى هي أوروبا، وشمال إفريقيا، والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
ورأى أن هذه الوضعية توفر إمكانية مراقبة جزء مهم من حركة الملاحة البحرية، وتأمين طرق التجارة الدولية، ومتابعة التحركات العسكرية في غرب المتوسط، ودعم عمليات الإنقاذ البحري ومراقبة الحدود.
ولا تقتصر أهميتهما على إسبانيا، فحسب بل - يضيف الغاشي - تمتد إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من منظور الأمن الإقليمي، مع استمرار النقاش حول مدى شمول الترتيبات الدفاعية للحلف لهاتين المدينتين.
أزمة الهجرة
وبشأن مواجهة سبتة ومليلية للهجرة غير النظامية، أكد الغاشي أنه منذ مطلع الألفية الثالثة أصبحت المدينتان من أبرز نقاط العبور نحو أوروبا.
ويربط الغاشي ذلك بالقرب الجغرافي من الأراضي المغربية، والفوارق الاقتصادية بين الضفتين، والأزمات السياسية والأمنية في بعض الدول الإفريقية، ونشاط شبكات تهريب المهاجرين.
وأوضح أن ذلك أدى إلى إنشاء سياجات حدودية متطورة، وتوسيع أنظمة المراقبة الإلكترونية، وتعزيز التعاون الأمني المغربي الإسباني، وتطوير برامج أوروبية لإدارة الحدود.
وأشار إلى أن التحولات بعد أزمة 2021، إذ شهدت العلاقات المغربية الإسبانية توترًا كبيرًا سنة 2021 على خلفية الأزمة المرتبطة بدخول آلاف المهاجرين إلى سبتة في فترة وجيزة، وهو ما أبرز الترابط الوثيق بين ملفات الهجرة والعلاقات الثنائية.
واعتبر أن هذه الأزمة أظهرت أن أمن الحدود يعتمد على مستوى التعاون بين الرباط ومدريد، والهجرة أصبحت قضية ذات أبعاد إنسانية وأمنية وسياسية، وأي تراجع في التنسيق ينعكس مباشرة على إدارة الحدود.
مسار إعادة الثقة
وقد أعقب ذلك مسار لإعادة بناء الثقة بين البلدين وتعزيز التعاون في ملفات الهجرة والأمن.
وحول البعد المرتبط بالاقتصاد الحدودي، فقد شهدت العقود الأخيرة - بحسب الغاشي - تحولات كبيرة في النشاط الاقتصادي حول المدينتين.
وسجل أنه قبل 2020، حيث اعتمد جزء مهم من النشاط الاقتصادي على ما عُرف "بالتجارة المعيشية" أو "غير النظامية" عبر المعابر الحدودية، والتي وفرت فرص دخل لآلاف الأسر، لكنها أثارت أيضًا إشكالات تتعلق بالتهريب والاقتصاد غير المهيكل.
وبعد 2020، ذكر - الأكاديمي المغربي - أن التغيرات في إدارة الحدود أدت إلى تراجع هذا النمط من التجارة، وإعادة توجيه النشاط الاقتصادي، والبحث عن بدائل تنموية في المناطق الحدودية المغربية.
البعد الأمني
وبالنسبة للبعد الأمني، كشف الغاشي أن سبتة ومليلية تحتلان موقعا مهما في التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا.
ويشمل هذا التعاون مكافحة الإرهاب، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومكافحة شبكات تهريب المخدرات، وتبادل المعلومات الأمنية، والتنسيق في عمليات الإنقاذ البحري.
وشدد على أن هذا التعاون ساهم في الحد من عدد من التهديدات المشتركة، رغم استمرار الخلاف السياسي بشأن السيادة.
الرباط ومدريد.. سؤال السيادة
ويقول الغاشي إن سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الأوروبية، فلا تنحصر القضية في بعدها الثنائي، بل ترتبط أيضًا بعلاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي، وتؤثر ملفات مثل الشراكة الاقتصادية، واتفاقيات الصيد البحري، والتعاون الأمني، وسياسات الجوار الأوروبية، وإدارة الهجرة في المناخ العام للعلاقات، وإن ظلت مسألة السيادة منفصلة عن كثير من أوجه التعاون العملي.
وخلص إلى أن التجربة المعاصرة تكشف أن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد مدينتين حدوديتين، بل أصبحتا فضاءً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والاقتصاد والجغرافيا السياسية.
كما أن العلاقات المغربية الإسبانية - وفق الغاشي دائما- أثبتت قدرتها على الجمع بين التعاون الوثيق في ملفات عملية والخلاف المستمر حول ملف السيادة، وهو ما يجعل القضية مثالًا على إدارة نزاع طويل الأمد دون تسوية نهائية.
وزاد مؤكدا على أن قضية سبتة ومليلية ليست مجرد خلاف حدودي، بل هي قضية متعددة الأبعاد، تمتد جذورها إلى بدايات التوسع الإيبيري في القرن الخامس عشر، وتتقاطع فيها اعتبارات التاريخ والقانون والجغرافيا السياسية والأمن الإقليمي.
ومن منظور تاريخي، ارتبطت المدينتان لفترات طويلة بالمجال المغربي قبل انتقال السيطرة عليهما إلى البرتغال ثم إسبانيا.
ومن زاوية قانونية، يستند كل من المغرب وإسبانيا إلى مجموعة مختلفة من الحجج، دون وجود تسوية نهائية أو قرار دولي حاسم بشأن السيادة.
أما من المنظور الجيوسياسي، فقد أصبحت المدينتان عنصرًا مؤثرًا في قضايا الهجرة والأمن والتعاون الأوروبي-المتوسطي.
ويُظهر مسار العلاقات المغربية الإسبانية منذ استقلال المغرب أن الخلاف حول سبتة ومليلية لم يمنع بناء تعاون واسع في ملفات استراتيجية، لكنه ظل ملفًا حاضرًا في الخطاب السياسي والدبلوماسي، بما يعكس صعوبة التوفيق بين الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية.
وبناءً على ذلك، فإن أي مقاربة مستقبلية لهذا الملف - من منظور الغاشي - ستحتاج إلى الجمع بين الحوار السياسي، والمرجعيات القانونية، وإدارة المصالح المشتركة، مع إدراك خصوصية هذه القضية مقارنة بغيرها من النزاعات الإقليمية.