الأخبار

مصر تراهن على منهجية علمية لتحصين آثارها من أخطار المناخ

سياق 24

 

لم تعد المخاطر التي تهدد المواقع الأثرية والتاريخية تقتصر على عوامل الزمن أو التوسع العمراني، بل أصبحت تداعيات تغير المناخ أحد أبرز التحديات التي تواجه التراث الثقافي في العالم. وفي مصر، التي تضم واحدة من أكبر الثروات الأثرية عالميًا، تتجه الجهود إلى الانتقال من رصد المخاطر إلى بناء منظومة علمية لتقييمها ووضع خطط للتكيف معها قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب تعويضها.

وفي هذا السياق، تنفذ مصر مشروع "تقييم آثار تغير المناخ على قطاعي السياحة والآثار"، ضمن الخطة الوطنية للتكيف مع تغير المناخ، بهدف تطوير منهجية علمية موحدة لقياس درجة هشاشة المواقع الأثرية والسياحية أمام التغيرات المناخية، وتحديد أولويات التدخل وفق طبيعة كل موقع ومستوى تعرضه للمخاطر.

وشهد المشروع تنظيم ورشة عمل استمرت ثلاثة أيام، بالتعاون بين وزارة السياحة والآثار ومؤسسة تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة، وبمشاركة خبراء من وزارات البيئة والتنمية المحلية، إلى جانب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتدريب كوادر وزارة السياحة والآثار على تطبيق أدوات تقييم المخاطر المناخية وفق أحدث المنهجيات الدولية.

وقال المهندس كريم إبراهيم، المدير التنفيذي لمؤسسة تكوين، إن المشروع يمثل خطوة نحو دمج الاعتبارات المناخية في إدارة المواقع التراثية والسياحية، مشيرًا إلى أن الهدف لا يقتصر على دراسة التأثيرات المحتملة، بل يمتد إلى وضع إجراءات عملية للتكيف مع الظواهر المناخية المتزايدة، مثل موجات الحر الشديدة، والسيول، وارتفاع مستوى سطح البحر، والجفاف والعواصف.

وتضمن البرنامج التدريبي استعراض سيناريوهات مختلفة لتأثير تغير المناخ على المواقع الأثرية والسياحية في المحافظات المصرية، إلى جانب تدريب عملي على قياس مؤشرات الحساسية والقدرة على التكيف، بما يسمح بإعداد خرائط للمخاطر تساعد صناع القرار على توجيه الاستثمارات وأعمال الحماية إلى المواقع الأكثر احتياجًا.

 

وتبرز أهمية هذا التوجه في ظل تزايد التحذيرات الدولية من تعرض مواقع التراث الثقافي حول العالم لمخاطر متنامية نتيجة تغير المناخ، سواء بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو التغيرات في أنماط الأمطار أو تآكل السواحل، وهو ما يفرض على الدول المالكة لتراث إنساني استثنائي تطوير أدوات أكثر دقة لإدارة هذه المخاطر.

وتواجه مصر تحديًا خاصًا بحكم تنوع مواقعها الأثرية، التي تمتد من معابد الأقصر وأسوان إلى آثار النوبة، مرورًا بالمناطق الساحلية والمتاحف والمقاصد السياحية المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، وهي مواقع تختلف في طبيعتها ودرجة تعرضها للمخاطر، ما يجعل اعتماد منهجية موحدة لتقييم الهشاشة خطوة أساسية نحو بناء خطط حماية أكثر فاعلية.

ولا تقتصر أهمية المشروع على الحفاظ على القيمة التاريخية للتراث المصري، بل تمتد إلى حماية أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، إذ يمثل قطاع السياحة مصدرًا رئيسيًا للدخل وفرص العمل. ومن ثم فإن تعزيز قدرة المواقع التراثية على التكيف مع التغيرات المناخية أصبح جزءًا من استراتيجية أشمل لتحقيق التنمية المستدامة، وضمان استمرار جاذبية المقصد السياحي المصري في مواجهة تحديات بيئية مرشحة للتفاقم خلال العقود المقبلة.