بعد اتفاق أمريكا وإيران..
خبير يرسم ملامح أسواق الطاقة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي
بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس الأحد، التوصل إلى اتفاق مع إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري بشكل فوري، تتجه الأنظار إلى أسواق الطاقة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي.
بين الصدمة والوفرة
وفي هذا السياق، قال فرات الموسوي، رئيس مركز العراق للطاقة، لـ"السياق 24"، إن "الإعلان الأخير عن مسودة التفاهم والهدنة المؤقتة (60 يوماً) بين الولايات المتحدة وإيران، يُمثل نقطة تحول استراتيجية في هندسة أسواق الطاقة العالمية لعام 2026".
وأضاف الموسوي إن التوصل إلى خطوط عريضة للاتفاق نجح فوراً في تبديد "علاوة المخاطر الجيوسياسية" (Geopolitical Risk Premium) التي ضخمت الأسعار طيلة أشهر الحرب الثلاثة والنصف الماضية.
ومع التوجه يوم الجمعة 19 يونيو الجاري للتوقيع الرسمي في سويسرا، أكد الخبير في مجال الطاقة أن الأسواق بدأت تسعير مرحلة الانتقال من "صدمة نقص الإمدادات اللوجستية" إلى مرحلة "الوفرة النفطية المرتقبة"، وهو ما يعيد صياغة حركة التجارة البحرية العالمية.
وبعد هذا الاتفاق، توقع المتحدث ذاته تسجيل هبوط فوري لأسعار النفط، حيث شهدت الأسواق تراجعاً حاداً؛ حيث انخفضت أسعار خام برنت بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستويات 83.40 دولاراً للبرميل، بينما هبط خام تكساس الوسيط (WTI) بنسبة 5.3 في المائة ليصل إلى حدود 79.72 دولاراً (متراجعين بنحو 30 في المائة عن ذروة الحرب البالغة 119.50 دولاراً).
العرض والطلب
وعلى المدى القصير جداً أي خلال الأسابيع القادمة توقع الموسوي حدوث تذبذبات سعرية مؤقتة وضيق في الفوارق الزمنية للعقود الآجلة (Prompt Spread)، إذ ستراقب الأسواق مدى الالتزام بمهلة الهدنة (60 يوماً)، حيث يرى الخبراء صعوبة هبوط النفط دون مستوياته الحالية بفعل رغبة الدول في إعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية المسحوبة.
أما على المدى المتوسط (النصف الثاني من 2026)، فيستدل الخبير نفسه بما تشير إليه تقديرات وكالات التصنيف الدولية (مثل Fitch Ratings) إلى أن متوسط أسعار خام برنت لعام 2026 سيستقر عند 87 دولاراً للبرميل، لافتا إلى أنه بمجرد عودة تدفق النفط الخليجي بانتظام، سيتجه ميزان العرض والطلب العالمي إلى حالة من "الوفرة الفائضة" (Surplus) بدءاً من شهر أيلول، مما يضع سقفاً يمنع الأسعار من الارتفاع مجدداً.
مرحلة انتقالية
ورأى أنه رغم إعلان الرئاسة الأمريكية عن فتح المضيق فور التوقيع لبدء تدفق النفط، إلا أن الفترة الزمنية اللازمة لإعادة فتح مضيق هرمز والعودة الكاملة والآمنة للملاحة التجارية تتطلب مدى زمنياً ينقسم إلى مرحلتين أساسيتين.
وأوضح أن المرحلة الأولى تتعلق بالتطهير الأمني وإزالة الألغام (تستغرق من 2 إلى 4 أسابيع)، وتشمل التنسيق لإزالة الألغام البحرية والمخلفات العسكرية، إلى جانب ترتيب الآلية الإيرانية لإدارة الحركة وجمع الرسوم، حيث تشير التوقعات (ومنها منصات التوقعات الدولية مثل Polymarket بنسبة 64 في المائة) إلى عودة بوادر الانفراجة الفعلية خلال شهر تموز/يوليوز.
أما المرحلة الثانية فتشمل التطبيع الملاحي واللوجستي (بحلول نهاية تموز/يوليوز، ومطلع آب/ أغسطس 2026)، وتهم عودة شركات التأمين البحري لإعادة تقييم مخاطر الحرب وخفض رسوم الشحن (Freight Costs) التي تضاعفت سابقاً، إلى جانب انتظام جداول الناقلات الراسية لضمان تدفق الإمدادات بنسبة 100 في المائة.
نظرة تفاؤل
وعن الانعكاسات المحتملة على الاقتصاد العالمي، فيبدي الموسوي نظرة متفائلة، معتبرا أن الاتفاق الأمريكي الإيراني من شأنه "كبح جماح التضخم ومراجعة الفائدة، حيث سيساهم تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي الأوروبي (الذي هبط بنسبة 5.8 في المائة) في خفض تكاليف الإنتاج والشحن عالمياً، مما يمنح البنوك المركزية (وفي مقدمتها الفيدرالي الأمريكي) فرصة قوية للسيطرة على التضخم والتوجه نحو خفض أسعار الفائدة لتنشيط النمو".
ويرى أن شأن الاتفاق تحقيق انتعاش واسع في أسواق المال العالمية، حيث استجابت البورصات بقفزات تاريخية خاصة في الدول المستوردة للطاقة بآسيا؛ حيث قفز مؤشر "نيكي" الياباني بنسبة 5.5 في المائة في المائة ومؤشر "كوسبي" الكوري بنسبة 5.7 في المائة، بينما سجلت الأسهم الأوروبية والأمريكية مكاسب قوية مقابل تراجع أسهم شركات النفط الكبرى (مثل Shell وBP) وتراجع الدولار لأدنى مستوياته في 10 أيام.
وأشار إلى أن الخطوة ستسهم في تخفيف العجز المالي للدول المستوردة، من خلال استفادة الدول المستوردة الكبرى (مثل الصين والهند) من انخفاض فاتورة استيراد الطاقة، مما يدعم استقرار عملاتها المحلية، ويقلص عجز موازناتها، ويعيد تشغيل مصافي التكرير والبتروكيماويات بكامل طاقتها بعد فترة من الانكماش التقشفي.