فاضل عباس الكعبي: ثقافة الأطفال أخطر وأهم الثقافات في المجتمع
رهن الكاتب فاضل عباس الكعبي حياته في خدمة ثقافة الاطفال ، فعاش حياته في كل المجالات فيها وانتج كتبا كثيرة ونال حظوة مهمة من المؤسسات التي تهتم بهذا الجانب ، حتى صار احد رموز هذه الثقافة وآدابها.
سؤال – من أين بدأت مع أدب الطفل ومتى؟
جواب : منذ طفولتي وأنا بالعمر الذي تجاوز السنة بعد العاشرة ، حيث بدأت أول الخطوات في هذه الرحلة قارئاً شغوفاً لكل ما يقع أمامي من مجلات مخصصة للأطفال ، منها العربية ،واغلبها كانت تصدر في مصر كمجلات ميكي ، سمير ، بساط الريح ، وغيرها ، والمترجمة والأكثر تشويقا لنا وتعلّقا بها من جهتنا مجلات : سوبرمان ، طرزان ، الوطواط ، تان تان وغيرها ، من مجلات أخرى ، إلى جانب السلسلة العظيمة التي كانت تصدرها باهتمام بالغ دار المعارف في القاهرة ، تلك هي السلسلة الخضراء ، لتي طالعنا فيها روائع القصص وأعظمها في حياتنا آنذاك ، ومن ثم تدرجت في القراءة وشغفها بمستويات متقدمة من الكتب الأخرى حتى امتدت قراءاتي إلى ما وجدته أمامي من قصص بفعل تبادل الكتب مع أصدقاء آخرين كانوا شغوفين مثلي في القراءة .
سؤال : هل كانت هناك محددات ؟
جواب : لم تكن في حينها هناك محددات للذهاب إلى أدب الأطفال ، غير أنني بحكم قراءاتي الأولى لمجلات وكتب الأطفال صار عندي ميل كبيرة للكتابة في أدب الأطفال ، خصوصاً بعد أن ولدت أول مجلة للأطفال في العراق وأعلن عنها وصدر عددها الأول في العام 1969 ، وكنت أول من فرح بها وسارع لاقتنائها والذهاب إلى إدارتها في منطقة الوزيرية لتمنحني هوية باسم أصدقاء مجلتي ، وهكذا خطوت في الكتابة للأطفال شيئاً فشيئاً ونشرت في حينها قصصا وخواطر ومقطوعات شعرية فيها وفي المزمار ، غير أن ولادتي الحقيقية في أدب الأطفال كانت في العام 1975 يوم نشرت قصيدة ناضجة باسم ( وطني الأكبر ) ، نشرت فيما بعد أكثر من خمسين مرة ، وهكذا واصلت الكتابة للأطفال بشغف كبير من ذلك العام وازداد شغفي وكبر في ميدان أدب الأطفال إلى جانب اهتمامي بالكتابة للكبار ، القصة بحدود محدودة والشعر بسعة كبيرة ، وعلى هذا الأساس سارت تجربتي الابداعية في الكتابة بمسارين مسار الكتابة للكبار ومسار الكتابة للأطفال.
سؤال - ما السر وراء انشغالك شعرياً بالأطفال والتخلّي عن شعر الكبار ؟
جواب : أبداً ، أبداً ، لا بالسرّ ولا هو بالتخلي كما ذهبت إلى ذلك يا صديقي العزيز ، إنَّما هو شغف ما بعده شغف ، وادراك ومسؤولية ما بعدها مسؤولية لمن يدرك ويعي قيمة واثر وتأثير الكلمة والجملة الشعرية وحتى النثرية الموجّه للطفل ، لهذا أعتبر الكتابة للطفل شعراً ونثراً هي كتابة للمستقبل انطلاقا من قواعد الحاضر الذي يتهيّأ فيه الطفل ليكون عنصراً مؤثّراً ، قائداً ، ومعلماً ، ومبدعا ، ومخترعا ، ومثقفاً يقود جانبا من المجتمع ، والكلمات التي نكتبها لهذا الطفل ، والتي نأمل منها أن تكون عونا له على الانفتاح الثقافي والتربوي والمعرفي والخيالي وتقوده إلى عوالم الابتكار والخيال الواسع ، وتساعده على اكتساب المعرفة والخيال المبدع وعناصر التنمية المناسبة لقدراته ولمواهبه ولبناء ذاتيه وتكوين شخصيته ووضعها بالاتجاه الصحيح .
سؤال– من الشعر إلى البحوث والدراسات ، ما الذي يقلقك في عالم الطفل ؟
جواب : هناك الكثير والكثير الذي يقلقني في ذلك ، وأبرزها بالدرجة الأولى الفوضى الحاصلة في واقع أدب الطفل العربي ، ودخول العشرات ، بل قل المئات وأكثر من ذلك إلى هذا الميدان وادعاء الكتابة فيه ، وهم أبعد منه ، وهو براء منهم ، ومن هؤلاء من جاء بيافطات ومسميات ما أكبرها ، بمسميات الطفولة وخدمتها وراح يتستر خلفها ويروج لنفسه عبرها لا لقضايا الطفولة التي جعلها مجرد غطاء لهذا الترويج ، بل وراح يضم إلى جانبه من يعلن له ويكون بخدمته من بعض المحسوبين على الكتابة أو هم من أصحابها ، والمشكلة الكبرى أن مؤسسات معروفة تقف للترحيب به ودعمه بادعاء دعم الواجهة والمسمى الذي يظهر فيه ، تصوّروا هذا الحال
سؤال – لماذا الاهتمام المميز منك بالنشيد المدرسي ؟
جواب : النشيد المدرسي في نظري هو مدخل التذوق الجمالي والفني والأدبي لكل ما من شأنه تحفيز طاقات الطفل وقدراته بالممكنات وبالاتجاهات التي نسعى إلى تنميتها في وجدان الطفل وفي سلوكه وفي مخيلته ، فالنشيد المدرسي ، ليس نصّا شعرياً عابراً ، أو هو محفوظة مدرسية واجبة على الطفل التلميذ حفظتها وترديدها في الصف كجزء من متطلبات منهجه الدراسي ، كما يفهم منه ذلك ، وينظر إليه بهذا المفهوم لدى البعض من المتعلمين وغير المتعلمين ، النشيد المدرسي أوسع ، وأكبر ، وأعمق من ذلك كثيراً ، فالنشيد المدرسي عالم تعليمي وجمالي وتنموي كامل للطفل التلميذ ، فهو ينمّي عنده جماليات القول واللفظ وبراعة الالقاء ، ويرسخ معاني القيم التربوية والثقافية والتعليمية ، ويدفعه إلى جرأة التعبير وحسن الأنشاء ، مثلما يُغني مخيلته ويعزز احساسه العالي بانتمائه لأرضه ووطنه وحبهما ، مثلما يعدّل سلوكه ويدفعه إلى التفاعل الايجابي مع دروسه ، مثلما يدفعه إلى حب اللغة العربية والانطلاق إلى تعلّمها بصورة جيدة ، مثلما يدفع النشيد المدرسي إلى تحفيز الطفل التلميذ على القراءة وتعلم مهاراتها وغير ذلك.
سؤال– من الذي يهمك أكثر في بحوثك الأطفال أم اليافعين ولماذا ؟.
جواب : هما معاً ، الطفل واليافع في خطّ واحد من الشروع بالاهتمام والحرص والمسؤولية ، ونظرتي لهما على حدّ سواء في الكتابة الإبداعية وفي الكتابة العلمية والفكرية التي تتناول قضاياهما الأدبية والثقافية والتربوية في الدراسات والبحوث ، ولكن ، لابد أن نميّز بين هذا وذاك ، فالبحث في قضايا أدب الأطفال يأخذ السعة من المساحة الأكبر بكل وضوح ، هذا لأن أدب الأطفال سابق لأدب اليافعين بمديات عديدة وأكثر سعة منه ، لكن يبقى في الرأي الفني والنقدي العام أن لكل من هذين الأدبين أساليبه ولغته ومقياسه ومتبنّياته في الرؤية وفي العمل الابداعي والبحثي وفي أساليب وطرق المخاطبة ، حيث تبرز حدود الأطفال أكثر سعة واتساعاً في التناول وفي المعطى بالعمل والكتابة

سؤال – العلم والخيال في أدب الأطفال ، هذا شيء ما عملته عليه ، ما الربط بينهما؟
جواب : هذا هو عنوان كتاب لي ، وهو من الكتب المهمة التي أصدرتها ، ويعد في الولادة وفي الأهمية هو كتاب الدراسات الثاني لي ، أما عن الربط بين العلم والخيال الذي جاء في عنونة العنوان وسألت عنه فهو ربط موضوعي وحقيقي انطلق من دواعي ما حصل من تطورات هائلة في مجالات الكتابة للأطفال ، ودراستي في هذا الكتاب تدعو الكتّاب والنقّاد وغيرهم إلى ضرورة التمييز الخلاق والمطلوب بين الخرافة والعلم ، بين الخيال السلبي والخيال الايجابي ، بين تقديم العلم واستحضاره بصوره ونظرياته وتجسيداته السلسة والمحفزة والمشوقة والمثيرة في أساليب الكتابة للطفل عن تلك التي تقدم هذا العلم بأساليبه المباشرة والجاهزة التي تصعّب العلم على الطفل وتدفعه إلى النفور منه ، مثلما يتمثّل في هذا الكتّاب جانب الأهمية التي يقوم بها الخيال العلمي وتمايزه عن صور وممكنات الخيال الأخرى في الكتابة للأطفال ، وكل هذا وغيره هو ما انطلق منه هذا الكتاب وما جاء به من التلاقح والتفاعل والتعايش والربط بين العلم والخيال وأدب الأطفال.
سؤال – ألا ترى أن الهاتف المحمول له سلبياته الكبيرة في عقل الطفل ، كيف يمكن تجاوز هذا ؟.
جواب : نعم ، مهما كان من ايجابات للهاتف المحمول لمجتمع الكبار ، فهذه الايجابات لم تكن بالقدر المطلوب من الايجابات للأطفال ، ويبقى الهاتف المحمول بالنسبة للأطفال يحمل لهم السلبيات أكثر بكثير من الايجابيات ، والاستفادة منه تبقى استفادة محدودة وضئيلة جدا، أما تجاوز ذلك فهو ليس بالأمر الهين ، خصوصاً بعد دخول هذا الهاتف في كل بيت ، بل في زاوية وركن من زوايا وأركان البيت وبات في متناول الجميع ابتداء من الطفل الرضيع الذي لم يتجاوز السنة من عمره ، وقد كتبنا ونبهنا من خطورة ذلك ولكن دون جدوى ، معتبرين الهاتف الجوال للطفل مجرد لعبة شأنه شأن الالعاب الآخرى ، ولا يدركون ما في هذا الجهاز من أخطار كثيرة صحية ونفسية وعقلية وسلوكية وثقافية وغير ذلك ، أما كيف يتم معالجة هذا الأمر وحله فهو أمر يدخل بالمستحيل ، أو هو ضرب من الجنون وعدم الامكان تنفيذه كما يجب ، وهو بمنع استخدام هذا الهاتف الجوال من الجميع ، من الكبير قبل الصغير ، فهل يمكن ذلك ؟!! .
سؤال – كانت هناك (مجلتي) و(المزمار) ، هل ترى أي تأثير سلبي في غيابهما ؟
جواب : مجلتي والمزمار مدرسة ثقافية وتربوية مؤثرة وكاملة فعلت فعلها في أجيال عديدة من الأطفال في العراق وفي بعض الأقطار العربية ، وكان لها وقعها وتأثيرها البالغ في هؤلاء الأطفال وفي بناء شخصياتهم وتنمية طاقاتهم وتحفيز قدراتهم وانعاش مواهبهم ووضعها بالموضوع الصحيح الذي يأخذ بالأطفال إلى التقدم العلمي والرقي الثقافي وغير ذلك ، فتربية الأطفال وتنشأتهم قضية حساسة وخطيرة لا تقوم بها الأسرة كواجب من واجباتها ، ولا المدرسة كمسؤولية وظيفية ملقاة على عاتقها بل للمؤسسة الثقافة ومنتوجاتها الثقافية والاعلامية والصحية الأثر الكبير في انعاش وعون دور الأسرة والمدرسة في بناء قدرات الأطفال واعدادهم وتربيتهم وتثقيفهم ،ومجلتي والمزمار من بين أهم الوسائل والوسائط الثقافية والتربوية الفاعلة والمؤثرة في تربية الطفل وتثقيفه وغيابهما عن الصدور المتواصل والمتلكّيء والمتقطع عن واقع الطفل يشكل أخطر الأخطار السلبية الكبيرة على الأطفال
سؤال – ما يعني مفهوم الثقافة في أدب الطفل ؟
جواب : الثقافة هي أساس بنية الإنسان ومنطوق شخصيته وكينونته الإنسانية ، وخاصية يختص بها الإنسان دون سواه من الكائنات الأخرى ، والثقافة بمعناه العام والوظيفي هي مركب الإنسان الكلي وأساس هويته ، فهي تعني عموم حركته ، لغته ، تصرفه ، سلوكه ، تقاليده ، عاداته ، قيمه ، منطقه ، ذوقه ، ملبسه ، تراثه ، إلخ .. وهي بهذا تمثل الصورة والمحتوى الذي يظهر به الإنسان ، كبيراً كان أم طفلا ، ولكل مجتمع نمط من الثقافة الخاصة به ، هذا المجتمع يختلف بثقافته عن مجتمع آخر ، مثلما في المجتمع الواحد بثقافته الوطنية المحددة هناك أوجه وأنماط متعددة من الثقافة ، فثقافة ابن المدينة تختلف عن ثقافة ابن الريف ، وثقافة هذه المدينة تختلف عن غيرها من ثقافة مدينة اخرى ، مثلما في البيئة الواحدة تختلف هذه الأسرة عن غيرها من أسرة أخرى مجاورة لها بالانماط الثقافية ، وهكذا الحال مع ثقافة الأطفال ، التي تعد من أبرز الثقافات الفرعية لثقافة المجتمع الواحد وهي من اخطر وأهم الثقافات التي تشكل قاعدة اساسية ينشأ عليها جيل من الأطفال ، ولهذا نشدد دائما على وضع ثقافة الأطفال في الموضع المخصص والمحدد لها بأطر وبقيم وبمعايير خاصة بعيداً عن معايير الكبار وأطرهم
سؤال – مازلت تعمل للطفل .. أي طموحات مازالت في نفسك من أجل الطفل ؟
جواب : العمل للطفل ومن أجل الطفل بالنسبة لي بعد هذه السنوات الطويلة من التجربة التي تجاوزت الخمسين سنة يعتبر رسالة ، وهم أهم به ، وقضية تضعني أمام الأطفال وجها لوجه ، من أجل الكتابة له والعمل لهم ، وتقديم ما يمكن تقديمه لهم من رؤيتي الخاصة ومنظوري الخاص الذي يعمل ، ويطمح ، ويسعى ، ويحلم أن تكون له أرقى مستوى من مستويات الحياة التي أحلم أن يعيشها الأطفال ، كل الأطفال ليس في بلدي العراق فحسب بل كل الأطفال في العالم العربي خصوصا والأطفال في كل مجتمعات العالم على وجه العموم ، أما حصول ذلك أو عدم حصوله فهذا شأن الحكومات والمجتمعات التي تفكر بجدية الاهتمام بالأطفال والاستثمار فيهم للمستقبل ، أما أنا فعلي أن أؤدي رسالتي في الحياة لكل هؤلاء الأطفال واعمل من أجلهم قدر ما أستطيع وضمن رؤيتي ، وتوافقاً مع أحلامي وأمنياتي لهم ، بحياة حرة سعيدة بعيدة عن الحروب والمآسي والمعاناة والعوز والفقر ، وسعادتي تكبر كلما رأيت طفلا سعيداً يضحك ويمرح بطلاقة .
سطور من سير الكعبي
فاضل الكعبي - كاتب مفكر وشاعر وناقد وأديب وباحث متخصص في أدب ومسرح وثقافة الأطفال، تجاوزت خبرته أكثر من خمسة وأربعين عاماً في الكتابة للأطفال وعن الأطفال،منح درجة باحث دولي متخصص بامتياز من المعهد العربي الأوروبي في فرنسا تقديراً لإبداعه الدولي في مجالات الكتابة للأطفال وعنهم. .
دكتوراه في أدب الأطفال من أكاديمية كامبردج للعلوم والتكنولوجيا بتقدير امتياز بمرتبة الشرف() ودكتوراه في الثقافة الإسلامية وآليات الكتابة للأطفال من معهد الدراسات الإسلامية العليا ، ووماستر وأكثر من دبلومات في الإبداع والكتابة الفنية والتميز ، ولديه أكثر من دكتوراه فخرية من جامعات ومعاهد علمية وتربوية عربية وعالمية منحت له في فنون الكتابة والإبداع والاشتغالات العلمية والفنية منحت له .
صدر له أكثر من 200 كتاب بإبداعات أدب الأطفال في الشعر ، والقصة ، والحكاية الشعرية ، والمسرحية ، وقصص وروايات اليافعين ، هذا إلى جانب 33 كتاب علمي في الدراسات والأبحاث العلمية والفكرية والنقدية المتخصصة بأدب ومسرح وإعلام وثقافة الأطفال والتي تعد الأن من بين أبرز المراجع العربية والدولية في هذا المجال .