خبير يكشف تفاصيل هامة حول عمليات اقتحام مهاجرين مغاربة لسبتة
عاشت مدينة الفنيدق شمال المغرب في اليومين الماضيين عمليات اقتحام لمئات الأشخاص لسبتة المحتلة، على أمل الهجرة غير النظامية.
عوامل بنيوية
وفي هذا السياق قال حسن بنطالب، الباحث في الهجرة ومدير مشروع "ميغرابريس"، إن "لا يمكن فهم ما وقع في سبتة باعتباره حادثا معزولا أو مجرد نتيجة لثغرة أمنية، بل ينبغي قراءته ضمن تفاعل ثلاثة مستويات متداخلة".
وأوضح بنطالب، في تصريح لـ"سياق 24" أن "هناك استمرار للعوامل البنيوية الدافعة للهجرة، وعلى رأسها البطالة، وانسداد آفاق الإدماج الاقتصادي، واتساع الفوارق الاجتماعية، خاصة في المناطق الشمالية".
وأكد الباحث في مجال الهجرة أن هذه "العوامل تجعل عددا من الشباب يعتبر الهجرة، مهما كانت مخاطرها، خيارا ممكنا".
وسجل في هذا الإطار ما أظهرته إصدارات “Migrapress” من "أن الفضاء الرقمي أصبح يلعب دورا حاسما في تشكيل السلوك المرتبط بالهجرة".
وأفاد أن تقارير التي تم إنجازها أن "الأخبار الزائفة والإشاعات تنتشر بسرعة كبيرة، وأن شبكات التواصل الاجتماعي تسهم في خلق موجات من [العدوى الرقمية]، حيث يؤدي تداول معلومات غير دقيقة حول فرص الوصول إلى أوروبا أو صعوبة الإرجاع إلى تشجيع محاولات جماعية للهجرة".
شبكات الاتجار بالبشر
وسجل أنه "لا ينبغي إغفال البعد القانوني والسياسي، فالتطورات القضائية الأخيرة في إسبانيا، والتي فسرتها بعض شبكات الاتجار بالبشر باعتبارها فرصة للعبور، ساهمت في تغذية هذا التدفق، حتى وإن كان أغلب الشباب لا يحيطون بالتفاصيل القانونية الدقيقة".
ولفت إلى ما تشير إليه تقارير إعلامية بشأن اعتقاد السلطات الإسبانية أن شبكات التهريب استغلت الحكم القضائي في الترويج لفكرة أن الوصول إلى سبتة أصبح أسهل وأن الإرجاع لن يكون فوريا.
وذكر بنطالب بأنه "منذ استئناف الدفء في العلاقات المغربية الإسبانية سنة 2022، أصبح التعاون في مجال الهجرة أكثر انتظاما وأكثر مؤسساتية".
وأشار إلى أن دراسات "Migrapress" أكدت أن "المغرب لم يعد مجرد بلد عبور، بل أصبح شريكا أساسيا للاتحاد الأوروبي في تدبير الحدود والهجرة".
ضغوط استثنائية
ورأى أن هذا التعاون بين الرباط ومدريد "لا يعني القضاء النهائي على محاولات الهجرة غير النظامية".
وتابع أنه "حتى مع وجود تنسيق أمني واستخباراتي قوي، تبقى الهجرة ظاهرة دينامية تتأثر بالظروف الاقتصادية والإشاعات والقرارات القضائية والتغيرات الإقليمية".
ومن ثم فإن ما وقع في سبتة، - بحسب بنطالب - "لا يعكس انهيارا للتعاون بين الرباط ومدريد، وإنما يبرز أن أي منظومة لضبط الحدود تبقى معرضة لضغوط استثنائية عندما تتقاطع عوامل اجتماعية وقانونية ورقمية في الوقت نفسه".
وذهب إلى أن هناك عدة رسائل يمكن فهمها في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية الراهنة، إقليميا ودوليا، أولها أن "المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الظاهرة، فالهجرة غير النظامية ترتبط أيضا بالتنمية، وبفرص التشغيل، وبالثقة في المستقبل".
وثاني هذه الرسائل كذلك - وفق بنطالب- أن "شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلا مؤثرا في ديناميات الهجرة"، مشيرا إلى ما خلص إليه بارومتر Migrapress من أن المعلومات المضللة وخطابات التحريض تؤثر بشكل مباشر في تصورات الشباب وفي قراراتهم، وهو ما يستدعي سياسات للتواصل العمومي أكثر فعالية.
أما الرسالة الثالثة - وفق المتحدث نفسه - فهي أن "منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط ستظل إحدى أكثر الجبهات حساسية في السياسة الأوروبية للهجرة، خصوصا في ظل استمرار الأزمات الإقليمية وتصاعد الضغوط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي".
وبخصوص إعلان الحكومة الإسبانية التوصل إلى اتفاق يقضي بإعادة كل الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة، واتهمت شبكات الاتجار في البشر باستغلال حكم قضائي لتدفق المهاجرين، كيف نفهم هذا التحرك الحكومي بين الرباط ومدريد، - اعتبر المصدر ذاته - أن هذا التحرك "يعكس رغبة مشتركة في منع تحول ما وقع إلى سابقة تشجع موجات جديدة من العبور الجماعي".
التزاماتها متبادلة
وأوضح أنه "من الجانب الإسباني، تسعى الحكومة إلى توجيه رسالة واضحة بأن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة البقاء داخل التراب الإسباني، وأن التعاون مع المغرب سيستمر لإعادة من لا تتوفر فيهم شروط الحماية القانونية".
ومن الجانب المغربي، - يشير المصدر عينه - إلى أن التعاون يندرج ضمن الالتزامات الثنائية في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
"لكن في المقابل، ينبغي التمييز بين مكافحة شبكات التهريب وبين احترام حقوق الأشخاص المهاجرين"، وفق تعبيره.
واستحضر "دعوة إصدارات Migrapress دائما إلى تبني مقاربة متوازنة تقوم على محاربة الشبكات الإجرامية، وفي الوقت نفسه ضمان احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة بالنسبة للقاصرين والأشخاص الذين قد تكون لهم احتياجات للحماية الدولية".
وخلص إلى أن "الاتفاق الحالي يعكس استمرار قوة التنسيق المغربي الإسباني، لكنه في الوقت نفسه يذكر بأن إدارة الهجرة لا يمكن أن تعتمد فقط على الإرجاع وتشديد المراقبة، بل تحتاج أيضا إلى سياسات وقائية تعالج الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر".