الأمين العام لجامعة الدول العربية يطرح خمسة مسارات لعمل الجامعة الفترة المقبلة
طرح الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي خمسة مسارات لعمل الجامعة خلال الفترة المقبلة.
وأوضح فهمي في مؤتمر صحفي مع وسائل الإعلام أن المسارات تتضمن:
المسار الأوّل: دبلوماسيّةٌ عربيّةٌ أكثر استباقيّة.
نقرأ المتغيّرات مبكرًا، ونبادر قبل أن تتحوّل إلى أزمات. ونطمح إلى تدشين مركزٍ للتميّز يكون منصّةً عربيّةً للخبرة والتحليل الاستراتيجيّ. وسنطوّر أدوات الجامعة في الدبلوماسيّة الوقائيّة، والإنذار المبكر، والوساطة؛ وسأستعين بمبعوثين خاصّين للقضايا ذات الأولويّة. وذلك لإيماني الراسخ بأنّ خيرَ الدبلوماسيّة ما سبق الأزمة.
المسار الثاني: ترسيخُ ثقافة المتابعة والتنفيذ.
فالقرار يكتسب قيمته حين يُنفَّذ. وسنبني منظومةَ متابعةٍ أوضحَ في المسؤوليّات، وأدقَّ في قياس التقدّم؛ تقرّب قرارات مجلس الجامعة من أهدافها.
المسار الثالث: إعادةُ هيكلة الأمانة العامّة وتحديثُ أدواتها.
بدأتُ مراجعةً شاملة لهيكل الأمانة: اختصاصٌ أوضح؛ وإنجازٌ أسرع؛ ومسؤوليّةٌ تقابلها محاسبة. والعاملون في الأمانة مسؤوليّتي المباشرة. وسأضع نظامًا يقيّم الأداء بإنصاف، ويكافئ المجدّ، ويحاسب المقصّر. ولا تكتمل هذه النهضة بالأدوات وحدها؛ إذ تتّسع المهامّ، ولا بدّ أن تقابلها مواردُ كافية. وسأطرح هذا الملفّ بكلّ شفافيّة.
المسار الرابع: الاستثمارُ في الإنسان العربيّ والتكنولوجيا.
الشبابُ والمرأةُ في قلب رؤيتنا. وتوسيعُ حضور المرأة في مواقع القيادة ضرورةٌ لتعظيم طاقات مجتمعاتنا. وأصبحت التكنولوجيا والذكاءُ الاصطناعيّ من محدّدات القوّة. وينبغي أن نكون شعوبًا مبدعةً في صناعتها، لا مستهلكةً لها؛ فنبني قدراتنا الرقميّة، ونحمي أمننا السيبرانيّ. الأممُ التي تستثمر في عقول شبابها ونسائها هي وحدها التي تصنع مستقبلها.
المسار الخامس: وصلُ السياسة بالتنمية، وتوسيعُ دائرة المشاركة.
سيظلّ عملُ الجامعة متوازنًا بين القضايا السياسيّة الكبرى، والملفّات التي تمسّ حياة المواطن. وسنمدّ جسور التواصل مع المفكّرين والباحثين ورواد الأعمال؛ فالجامعةُ بيتٌ جامعٌ لفكر الأمّة وكفاءاتها، إلى جانب حكوماتها. وأمدّ يدي كذلك إلى أبناء أمّتنا في المهجر؛ فهم امتدادٌ لها، وجسرٌ يصل حضارتنا بالعالم.
ومن يظنّ الاقتصاد بمعزلٍ عن الأمن، فلينظر كيف أصبح الأمنُ الغذائيّ، وسلاسلُ الإمداد، وأسواقُ الطاقة، ساحاتِ صراعٍ اليوم. ولهذا سنبني على ما تنهض به الجامعة من عملٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ واسع، ونطوّره ليكون له مردودٌ مباشرٌ على الدول الأعضاء، وأثرٌ يلمسه المواطن العربيّ في معيشته وفرص أبنائه.
بهذه المنهجيّة نواجه واقعنا، فالعالم العربيّ اليوم أمام تحديّاتٍ تمس أمنه ومُستقبله، ولا سبيل إلى تجاوزها إلا بعملٍ عربيًّ جادًّ ومنهجٍ واضح. ومن هنا أبدأ بأبرز هذه التحديّات، وفي القلب منها قضية الأمة، فلسطين.
إنّ استمرار الاحتلال، وحرمانَ الشعب الفلسطينيّ من حقّه في تقرير مصيره، وما تشهده غزّةُ من مأساةٍ إنسانيّةٍ ودمارٍ وسقوطٍ متواصلٍ للمدنيّين، يستوجب موقفًا عربيًّا ثابتًا، وتحرّكًا يرتقي إلى حجم المسؤوليّة. وفي الضفّة الغربيّة، يتواصل التصعيد بالاقتحامات، والاستيطان، وإجراءاتٍ تقوّض فرص التسوية. أمّا القدس، فتبقى في صدارة اهتمامنا؛ في مواجهة كلّ محاولةٍ لتغيير وضعها، أو طمس هويّتها العربيّة.
إنّ ما ترتكبه إسرائيل في غزّة والضفة الغربية، جريمةُ إبادةٍ جماعيّةٍ مستمرّة. ما تزال تُرتكَب اليومَ على مرأى العالم: قتلُ المدنيّين؛ واستهدافُ المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء؛ وفرضُ الحصار والتجويع؛ ودفعُ السكّان إلى النزوح القسريّ. ولن يقف موقفُ الجامعة عند حدود البيانات. سنعمل على دعم الملاحقة القانونيّة لمرتكبي هذه الجرائم، وتفعيل أدوات الضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وتحريك موقفٍ عربيٍّ جماعيٍّ لا يكتفي بالشجب.
الإبادةُ لا تسقط بالتقادم، ومن يرتكبها اليومَ، سيقف غدًا أمام العدالة.
ولا يقف العدوان الإسرائيليّ عند غزّة والضفة الغربية. ففي لبنان، تتواصل الاعتداءاتُ وجرائمُ الحرب في بيروت والجنوب اللبناني، انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانيّة والقانون الدوليّ. ويستمرّ احتلالُ الجولان العربيّ السوريّ، في تجاهلٍ تامٍّ لقرارات الشرعيّة الدوليّة. إنّه نهجٌ واحدٌ يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوّة، ولن نمنحه شرعيّةً أبدًا.
ويبقى احترامُ سيادة الدول العربيّة خطًّا أحمرَ، لا نقبل المساسَ به. ومن أخطر ما يهدّده اليوم، الاعتداءاتُ الإيرانيّةُ التي تستهدف أمنَ وسيادةَ عددٍ من الدول العربيّة؛ وفي مقدّمتها دولةُ الإمارات العربيّة المتّحدة، ومملكةُ البحرين، والمملكةُ العربيّةُ السعوديّة، ودولةُ قطر، ودولةُ الكويت، وسلطنةُ عُمان، والمملكةُ الأردنيّةُ الهاشميّة، وجمهوريّةُ العراق. وأكرّرها: ما يمسّ أمنَ أيِّ دولةٍ عربيّة، يمسّ أمنَ العالم العربيّ أجمع.
وتواجه منطقتُنا أزماتٍ ممتدّة. في السودان، تتواصل الجهود لوقف الحرب واستعادة مؤسّسات الدولة. وفي سوريا، تبقى استعادةُ الاستقرار ووحدةُ الدولة أولويّةً لا غنى عنها. وفي اليمن، نتمسّك بتسويةٍ سياسيّة تحفظ وحدة البلاد وأمنَ ممرّاتها وفي ليبيا، سندعم الدولة سعيًا لاستكمال بناء دولتها الديمقراطية. والصومال، الذي عانى ويلات الحروب والإرهاب، سنقف بجانبه لاستعادة أمنه والحفاظ على وحدة أراضيه. وموقفنا واحد: حلولٌ سياسيّة ودبلوماسية؛ ووقفٌ للاقتتال؛ وتوسيعٌ للمساعدات الإنسانيّة؛ وصونٌ لوحدة الدول؛ وعودةٌ آمنةٌ كريمةٌ للنازحين واللاجئين.
وتبقى الدولةُ الوطنيّة، بمؤسّساتها ووحدتها وسيادتها، خطَّ الدفاع الأوّل عن استقرار محيطنا العربيّ.
ولا يقتصر الأمن القوميّ على حدود السلاح. فالبحر الأحمر والخليج العربيّ، بممرّاتهما الحيويّة، في صميم أمننا؛ وأمنُ الطاقة وسلاسلُ الإمداد موصولٌ باستقرار المنطقة والعالم. وستظلّ الجامعة سندًا لكلّ جهدٍ عربيٍّ يصون حرّية الملاحة وسيادة الدول. ويمتدّ ذلك إلى الأمن المائيّ والغذائيّ، وإلى تكاملٍ اقتصاديٍّ عربيٍّ يحوّل التعاون من مواقف عامّة إلى مشروعاتٍ ملموسة في الصناعة والزراعة والطاقة، بما يخلق فرص العمل.
وبقدر ما تثقل التحدّيات، يتّسع الأمل. نحن أمّةٌ تملك ما لا يملكه كثيرون: شبابٌ يشكّل ثلثَي مجتمعاتنا؛ وموقعٌ يتوسّط العالم؛ وثرواتٌ فوق الأرض وتحتها؛ وحضارةٌ علّمت الدنيا. التحدّيات أمامنا كبيرة، ومقوّماتُ التغلّب عليها أكبر.
ولأكون صريحًا، نملك من القوّة ما لم نُحسن بعدُ توحيده، ومن القرارات ما ينتظر أن يتحوّل إلى فعل. وهذا ليس عيبًا نجلد به أنفسنا؛ بل طاقةٌ ننتظر أن نُطلقها، وفرصٌ جبّارةٌ بين أيدينا إن أردناها. مصيرٌ واحد. وأمنٌ مشترك. ومصالحُ متشابكة. ولغةٌ وتاريخٌ وهويّة. ما يجمع العربَ أكثرُ بكثيرٍ ممّا يفرّقهم. فلننطلق ممّا نتّفق عليه.
وختاماً، أودّ أن أؤكّد أنّ جامعة الدول العربيّة تظلّ الإطار الجامع، والبيت الذي تلتقي فيه إرادةُ الدول العربيّة، حين تدرك أنّ مصالحها الوطنيّة تزداد قوّةً بعملٍ عربيٍّ أكثر تماسكًا. إنّ التحديات التي تواجهنا أكبرُ من أن تعالجها دولةٌ منفردة، وأخطرُ من أن نتركها للتفاعلات الدوليّة وحدها.
أدرك أنّ الطريق طويل، والتحديات كبيرة. لكنّي على يقينٍ أنّ هذه الأمّة تملك من الموارد، والكفاءات، والشباب، والإرادة، ما يصنع لها مستقبلًا أكثر أمنًا وازدهارًا؛ إذا وحّدت جهدها، وأحسنت استثمار ما تملك. وأمدّ يدي إلى كلّ دولةٍ عضو، وإلى كلّ مواطن يؤمن برسالة هذه الجامعة؛ لنعمل معًا بروح الشراكة والمسؤوليّة.