الأخبار

ذاكرة المكان البغدادي.. المْرَبْعَة.. حارة المصريين التي خلتْ منهم

المربعة في بغداد
المربعة في بغداد

منذ التباشير الاولى لمجيء المواطنين المصريين الى بغداد في النصف الثاني من عقد السبعينيات في القرن العشرين ، كانت محلة (المْرَبْعَة) موئلا لهم وسكنا وحياة جديدة .

 

والمربعة .. من محلاّت بغداد القديمة الشهيرة؛ تقع بين شارعين مهمين في رصافة بغداد ، هما شارع الرشيد وشارع الجمهورية (الخلفاء) تربط بين شارع (باب الشيخ – السنك) وشارع (سيد سلطان علي)، ازدهرت مع تطورات الدولة العراقية الحديثة فكثرت فيها المحال التجارية للملابس والاحذية من الماركات الشهيرة والساعات العالمية والعطور وكل جديد، والفنادق الجميلة رخيصة ألأسعار كما ازدهرت المقاهي فيها ودور السينما والمشارب والمطاعم الفاخرة والشعبية لا سيما على شارع الرشيد الذي يمثل الشريان الحيوي بالنسبة لها ، كانت المحلة لا تنام ، لياليها اجمل من نهاراتها وفصول السنة فيها واحدة ، وتستقطب الناس من كل انحاء بغداد والعراق ، تتميز ببنائها المعماري القديم ودرابينها (ازقتها) وبيوتها الصغيرة وان كانت بطابقين، محلة هادئة يسرّ العابر ان يتجول في انحائها ويشم عطر الماضي ورائحة القديم والعتيق وينظر وجوه البغداديين والبغداديات الذين واللواتي يجلسون على عتبات ابواب بيوتهم او يتجمعون في المقاهي.

محلة المراتب..

  يعود تاريخ المحلة الى العصر العباسي ، وتؤكد المصادر التاريخية الى انها كانت في الاصل جزء من محلة اسمها (باب المراتب) التي هي من ابواب دار الخلافة العباسية ببغداد وانها جزء من محلة باب الازج العباسية، تقع جنوبي جامع (السيد سلطان علي) وشمالي محلة السنك، وباب المراتب يقال عنه انه من اجمل ابوابها واشرفها وكان حاجبه عظيم القدر ونافذ الامر ، وتذكر المصادر ان باب المراتب محلة تختص بالكبراء وأرباب المناصب، ولكنه في عصر ياقوت الحموي (1179 - 1229)،فقد اهميته حيث قال الحموي عنه في كتابه (معجم البلدان) :(وهو الان طرف البلد كالمهجور وهو اخر الابواب من الجنوب لم يبق فيه إلا دور قوم من أهل البيوتات القديمة وكانت الدور فيه غالية الأثمان عزيزة الوجود في أيام السلاطين ببغداد لأنه كان حراما لمن يأوي إليه فأما الآن فليس للمساكن فيه قيمة ورأيت به دورا كثيرة احتاج أهلها وأرادوا بيعها فلم تشتر منهم فباعوا أنقاضها وساحها ممن يعمر به موضعا آخر).،ويقع باب المراتب  بالقرب من نهر  دجلة. 

  المْرَبْعَة

وكلمة (المْرَبْعَة) تلفظ بتأثير من اللهجة العامية البغدادية كما يبدو ، حيث تم تسكين حرف (اللام) وفتح (الراء) ومن ثم تسكين (الباء) واشتهرت بهذه التسمية التي جاءت نسبة الى وقوعها على تقاطع شارعين نتج عنه شكل (المربع)، ويذكر العارفون انها ان أصل تسميتها يرجع إلى شكلها المربع بالأبعاد الدقيقة, ويقال (بأن المهندسين لم يعمدوا لإنشائها بهذا الشكل وإنما جاء ذلك مصادفة مما جعل صفة تربيعها يغدو إسماً لها)، وبالتأكيد مرت عليها السنوات وهي تحمل عناءات توزعها على الناس والحجر والشجر فترهق العمر وتنوء بها الابنية بسبب الحوادث والاحداث مثل الحرب العالمية الاولى والفيضان الذي اغرق بغداد برمتها وحريق (محلة العوينة) الذي تطاير شرره على اهل المربعة فضلا عن انتشار الاوبئة كالطاعون والتيفوئيد، فكان شق شارع الرشيد في العام 1915 له تأثير على مساحتها وقد هدم الكثير من بيوتها وحوانيتها وخربت البساتين وفصل منها الجزء الذي على نهر دجلة، لذلك كانت تشتهر فيها شريعة السيد سلطان علي وهي في الجهة الجنوبية منه، وشريعة المربعة أو الملا حمادي وهي أخفض من التي قبلها، وهذه الشرايع لجلب الماء من النهر ، وقد تداخلت تسمية محلة سلطان علي بمحلة المربعة حينما عاد العمران ليمتد اليها في القرن الثاني عشر للهجرة (الثامن عشر الميلادي) 

،ويمكن الاشارة الى ان عدد نفوس سكان محلة المربعة عام 1917 حسب دفتر مختارها كان (707) نسمة منهم 700 مسلم و7 يهود ، لكن غالبية المسيحيين سكنوها في الخمسينيات وهم من الوافدين من مناطق شمالي العراق مثل قره قوش والقوش وتلكيف وتللسقف وباطنايا بعد ان انحسرت الزراعة في مدنهم وقراهم وكانت مهنتهم بيع (الكبة) ويقال ان البعض من ساكني المربعة حاليا فيهم من يمارس هذه المهنة.

يقول احد سكانها الذي التقيت به: جاءت تسميتها القديمة (المربعة) من الناس حيث كان هذا الجزء يشكل مربعا ، فكان الناس يقولون لبعضهم (انك تسكن في المربع، ولانها محلة فقد صارت تعرف عند الناس المْرَبْعَة.

واضاف: في الاصل كان يسكنها اليهود وبعد عام 1948 سكنها المسيحيون، فمثلا نحن اشترينا بيتنا عام 1963 وكان سكانه من اليهود وكان سعره 40 دينارا بينما كان سعره الحقيقي اكثر من هذا السعر ، فهم يريدون ان يبيعوا ويغادروا  وحتى اغراضهم كانوا يبعونها لكنني لم نشتر حتى لا نتحمل اثمها .

وتابع: كان المسيحيون فيها قلة ومجيئهم اليها من اجل ارزاقهم ، فالكثير منهم كان يمتهن بيع (الكبة) حيث يعملونها داخل البيوت .

البحث عن الذكريات .. 

    ذهبت اليها  قبل ايام، مثلما كنت اذهب كل عدة اشهر، للتجول في ارجائها والبحث عن الجمال المفقود فيها والذي يتناقص بالهدم ويتضاءل بالاندثار ويهرم بالاهمال ، ومحاولة التمتع بما تبقى منها، لكنني لم اجد سوى بقايا حكايات وذكريات واطلال يسودها الهدوء والسكون في اغلب اوقات النهار وشوارع خلفية كإنها متاهة، وخاصة ما بعد الظهيرة والليل طبعا، حيث يمسي كل شيء فيها موحشا ومخيفا ، مجرد اطلال جاثمة وتشعر ان صفيرا مرعبا ينبعث من ابنيتها وذلك لان اغلب الاماكن فيها تحول الى مخازن وورش صناعية ومحال تجارية تفتح ابوابها صباحا وسرعان ما تغلقها ما بعد الظهر فيما العصر تخلو فيه الازقة وحتى شارع الرشيد الحيوي يهدأ وتتكاسل فيه الاشياء وتتباطأ حركتها فيما لا ترى الا محلا هنا وآخر هناك يحاولان تحدي الاغلاق العام وقلة المشاة والسيارات المارة، هرب اهلها الحقيقيون منها وظل الفقراء لا مناص لهم سوى البقاء والصبر ،فيما كل ما فيها من مطاعم ومقاهٍ ومحال راقية ودور سينما ومشارب وفنادق .. ذهبت مع ريح المتغيرات الحياتية .

المصريون .. كانوا هنا

   أستوطنها المصريون الذين قدموا من اجل العمل الى العراق نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته وتزايدوا مع بدء الحرب العراقية الايرانية وقد امسكوا (الجبهة الداخلية) كما يؤكدون لان الرجال العراقيين ذهبوا الى جبهات القتال ، ومعهم تغيرت ملامح المحلة هذه واصبحت قطعة من حارة مصرية فكثرت فيها المطاعم والمقاهي واستغلت الشقق والبيوت والفنادق والشوارع وقد احتضنت نحو مليون مصري أقاموا فيها حتى سميت بـ (حارة المصريين)، وقد عمدت الحكومة العراقية حينها الى تسهيل العمل لهم من دون تأشيرة دخول، لاسيما في الثمانينيات فكانت (هوية شؤون العرب) تفي بالغرض، ولا يمكن للمار من هناك الا ان يشم روائح الطعام المصري وعلى رأسها (الفول والطعمية والكشري) والدخان المصري(السجائر)وصار من العادي جدا مشاهدة سكائر مثل (كليوباترا وبورسعيد) تغزو الاسواق العراقية، وصارت الناركيلة (الشيشة) علامة فارقة في مقاهيهم ، وصار الكثير من العراقيين يذهبون الى المربعة للجلوس في المطاعم والمقاهي المصرية والتلذذ باكلاتهم لاسيما في الصباح حيث (الجبنة والزيتون) الذي لم يعتادونهما معا وكأس الشاي الكبير (الكباية) التي انتقلت الى البيوت العراقية واللهجة المصرية المشتعلة هناك فضلا عن الاغنيات المصرية التي تصدح بأصوات عالية :ام كلثوم وعبد الحليم وفريد الاطرش وشادية واحمد عدوية وغيرهم، وتتزين الجدران بالكثير من صور الفنانين ولاعبي كرة القدم المصريين ، وكانت المحلة تسهر حتى الصباح وهي على حركة متواصلة في الاكل والشرب واللهو ،ومع استمرار الحرب العراقية الايرانية كانت اعداد المصريين تزداد وكانت (المربعة) لا تذكر الا مع ذكر كونها (مصرية) وكان الكثير من العراقيين يسعون الى الجلوس في المقاهي والمطاعم للاستمتاع بالطقوس المختلفة التي يقوم بها المصريون ابتداء من النداءات التي كانوا يسمعونها في الافلام والمسلسلات الى الاحاديث الجانبية فيما بينهم الى غير ذلك ، ولم تتغير المحلة حتى مع قطع العلاقات الدبلوماسية بين العراق ومصر بعد غزو الكويت 1990 لكن المصريين عانوا من ذلك بعد غلق السفارة المصرية وقيام السفارة الهندية باعمالها ، ومع بعض الحوادث العفوية التي حدثت الا ان الحكومة العراقية اصدرت احكاما بمساواة المواطن المصري بالعراقي ومن ثم (الحبس لمدة ستة اشهر لمن يعتدي على مصري)، وعلى الرغم من ظروف الحصار الاقتصادي والضنك العراقي الموجع  بقي الكثير من المصريين ولم يغادروا فيما غادر  البعض منهم، لكن الظروف تبدلت بعد مصائب احداث العنف التي شهدتها بغداد بعد العام 2003 ، وكما يبدو تسببت في هجرة المصريين .

ناصر..  المصري الاخير !!

في البحث عن المواطنين المصريين في هذه المحلة ، لم اجد بشرا يمشي في أزقتها  الا اصحاب محال تجارية قليلين على وشك الاغلاق ، وكنت اسألهم عن من تبقى من المصريين فيها ، فكانت الاجابات : لم يعد هنالك من مصريين الا واحدا هو (ناصر) الذي ما زال يبيع الكشري والفول لكن للعراقيين فقط !!، اكدوا انه ما زال محافظا على حيويته و(عراقيته) التي اكتسبها من عيش لاكثر من 45 عاما في المكان ، الجميع يعرفه ويحبونه ويتعاطفون معه كونه المصري الاخير في محلة المربعة ، حاولت ان اجد ناصر لكنه لم يأت في ذلك اليوم الذي كنت فيها هناك، شاهدت صورته فما زال يرتدي (الجلابية) ، من يعرفه اخبرني انه جاء الى العراق منذ مطلع الثمانينيات وها هو يعيش على بضاعته ذاتها، توقفت امام المكان الذي يبيع فيه بضاعته وصورتها ، اخبرني من صادفته هناك وهو من اصحاب المحال بعد ان اغلق محله: غادر المصريون منذ زمن بعيد منذ ان بدأت الاوضاع تسوء بعد العام 2003 ، وها انت ترى ازقة موحشة وخراب في الطرقات وتلوث بصري في واجهات الابنية وما عليك الا ان تتأسى لحال المحلة التي تدهورت احوالها من (باب المراتب) الى ارض الخراب.