دارياليزا أفيلا شيفالييه.. صامت رمضان بدافع الفضول فاعتنقت الإسلام ووصلت إلى الكونجرس
بدأت الحكاية بتجربة بسيطة بدافع الفضول؛ فتاة من أسرة أمريكية ذات أصول دومينيكانية، نشأت في بيئة يغلب عليها الانتماء إلى الكاثوليكية، قررت أن تصوم شهر رمضان لتعرف إن كانت تستطيع خوض التجربة. لم تكن تتوقع أن يتحول الصيام إلى محطة في رحلة روحية وفكرية امتدت سنوات، وأن تصبح في النهاية مسلمة وناشطة سياسية، قبل أن تصل إلى مجلس النواب الأمريكي ممثلة عن الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك.
إنها دارياليزا أفيلا شيفالييه، التي حققت فوزًا انتخابيًا لافتًا في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر 2026، بعد مسار سياسي بدأ من النشاط الطلابي والحقوقي، ومرّ بالاحتجاجات الداعمة للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، وانتهى بمقعد في الكونجرس.
من أسرة دومينيكانية إلى جامعة كولومبيا
وُلدت شيفالييه عام 1993 في ولاية فلوريدا، لأسرة مهاجرة من جمهورية الدومينيكان. عاشت طفولة غير مستقرة اقتصاديًا، وتنقلت بين الولايات المتحدة والدومينيكان وفنزويلا، في ظل ظروف صعبة تحملت خلالها والدتها، التي عملت في مجال الخدمات الاجتماعية، جانبًا كبيرًا من مسؤولية تربيتها، بينما كان والدها يعمل سائق شاحنة.
وتستعيد شيفالييه من طفولتها مشهدًا يعكس طبيعة الحياة التي نشأت فيها؛ إذ لم تكن والدتها تملك أحيانًا ما يكفي لشراء الوقود اللازم للوصول إلى المدرسة، وكانت تبحث معها عن العملات المعدنية داخل السيارة. وترى أن تلك التجارب المبكرة جعلتها أكثر وعيًا بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وأثرت في اهتمامها لاحقًا بقضايا الفقر والعدالة.
وفي عام 2012، انتقلت إلى نيويورك للدراسة في جامعة كولومبيا، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في دراسات الشرق الأوسط عام 2016. ولم تكن الجامعة مجرد محطة أكاديمية في حياتها، بل أصبحت المساحة التي تبلور فيها اهتمامها بالعمل العام وقضايا المهاجرين والحقوق الفلسطينية.
رحلة إلى نابلس غيّرت نظرتها
في صيف عام 2014، وكانت لا تزال طالبة في العشرين من عمرها، سافرت شيفالييه إلى مدينة نابلس بالضفة الغربية، حيث أمضت نحو شهرين في العمل مع مؤسسة أهلية، وشاركت في تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال الفلسطينيين.
وتقول إن التجربة تركت أثرًا عميقًا في رؤيتها للسلطة والعنف والعدالة، بعدما احتكت بالحياة اليومية للفلسطينيين وشاهدت القيود التي يواجهونها. وبعد عودتها إلى الولايات المتحدة، اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في العام نفسه، لتتعمق صلتها بالقضية الفلسطينية، وتبدأ مرحلة جديدة من نشاطها داخل جامعة كولومبيا.
انضمت إلى حركة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين»، وشاركت في أنشطة طلابية وحملات تطالب الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات المرتبطة بإسرائيل. كما برز حضورها في التحركات المؤيدة للفلسطينيين، ومن بينها الاعتصام الطلابي التضامني مع غزة عام 2024، الذي أصبح أحد أبرز مشاهد الاحتجاج داخل الجامعات الأمريكية.

من صيام رمضان إلى اعتناق الإسلام
على المستوى الشخصي، لم تنشأ شيفالييه في أسرة مسلمة؛ فمعظم أفراد عائلتها من الكاثوليك، لكنها تقول إنها لم تتلق تربية دينية صارمة. ومع توسع علاقاتها في أوساط الناشطين والحقوقيين المسلمين، بدأت تتعرف بصورة أعمق إلى الإسلام، وإلى ما تراه من ارتباط بين الإيمان والعمل من أجل المجتمع.
وفي رمضان عام 2019 أو 2020، قررت تجربة الصيام بدافع الفضول، كما روت في مقابلة مع موقع «سيتي آند ستيت نيويورك»، وأرادت ببساطة أن تعرف إن كانت قادرة على إكمال الشهر. لكنها لم تتوقف عند التجربة الأولى؛ إذ عادت إلى الصيام في الأعوام التالية، حتى أصبح رمضان موعدًا ثابتًا في حياتها.
وخلال عامها الرابع من الصيام، سألتها صديقة مسلمة سؤالًا دفعها إلى مواجهة رغبتها الحقيقية: لماذا تواصل الصيام عامًا بعد آخر من دون أن تعلن اعتناق الإسلام؟ عندها، بحسب روايتها، أدركت أنها لا تخوض تجربة عابرة، وأنها ترغب بالفعل في أن تكون مسلمة.
وبعد أيام، حضرت حلقة لدراسة القرآن، واستمعت إلى حديث الإمام عن رحمة الله وإمكانية العودة إليه عند الشعور بالشك. وتقول إنها تأثرت بالكلمات وبكت، وشعرت بأنها وجدت الطمأنينة التي كانت تبحث عنها. وهكذا تحولت تجربة الصيام التي بدأت بدافع الفضول إلى خطوة دينية غيّرت جانبًا مهمًا من حياتها.
من الدفاع عن المهاجرين إلى مواجهة السياسات الأمريكية
لم يكن نشاط شيفالييه محصورًا في القضية الفلسطينية؛ فقد عملت مع منظمة «عائلات من أجل الحرية»، التي تساند المهاجرين المعرضين للترحيل وتدافع عن العائلات المتضررة من سياسات الهجرة. وشاركت في جهود ساعدت على الإفراج عن محتجزين لدى سلطات الهجرة الأمريكية، من بينهم عبد القادر محمد، الذي قضى نحو عام ونصف العام في الاحتجاز.
كما عملت محققة في مؤسسة للخدمات القانونية والدفاع العام في حي هارلم، حيث ساهمت في جمع الأدلة ودعم أشخاص يواجهون اتهامات جنائية أو يقولون إنهم تعرضوا لانتهاكات. ودرّست مقررات جامعية في مؤسسات من بينها كولومبيا ونيويورك وليمان، وتواصل دراستها للدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة مدينة نيويورك، مع اهتمام بحثي بتأثير أنظمة الهجرة والعدالة الجنائية على المهاجرين السود من أصول لاتينية.
وتتبنى شيفالييه توجهًا سياسيًا يساريًا تقدميًا، وهي عضو في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا. وتشمل أبرز مواقفها الدعوة إلى توسيع الرعاية الصحية والسكن الميسر، ومعارضة سياسات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، ووقف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وتحويل الإنفاق المخصص للحروب إلى الخدمات والبرامج الاجتماعية.
من هزيمة إسبايات إلى مقعد الكونجرس
دخلت شيفالييه السباق الانتخابي مدعومة بنشاطها المحلي وبمساندة قوى تقدمية، من بينها منظمة «الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا» وعمدة نيويورك زهران ممداني. وفي يونيو 2026، فجرت مفاجأة بفوزها في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على النائب المخضرم أدريانو إسبايات، الذي شغل مقعد الدائرة الثالثة عشرة منذ عام 2017.
وحصلت شيفالييه في الانتخابات التمهيدية على 36 ألفًا و292 صوتًا، مقابل 33 ألفًا و555 صوتًا لإسبايات، في نتيجة عكست حجم التحول داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية في نيويورك.
وفي انتخابات 3 نوفمبر، انتقلت إلى المواجهة العامة أمام المرشح الجمهوري مانويل «جومو» ويليامز، وحققت الفوز بمقعد الدائرة الثالثة عشرة في مجلس النواب الأمريكي، لتصبح واحدة من الوجوه الجديدة في التيار التقدمي داخل الكونجرس، على أن تبدأ ولايتها في يناير 2027.
قصة شيفالييه لا تختصرها واقعة اعتناق الإسلام، ولا يمكن فصلها عن سنوات من النشاط الحقوقي والسياسي؛ إنها رحلة تداخلت فيها التجربة الشخصية مع الدراسة والعمل الميداني والاحتجاجات، حتى وصلت صاحبتها إلى واحدة من أهم المؤسسات التشريعية في الولايات المتحدة. ومن صيام بدأ بدافع الفضول، إلى مسار سياسي يضع قضايا المهاجرين وفلسطين والعدالة الاجتماعية في قلب اهتمامه، تقدم تجربتها صورة عن التحولات التي تشهدها السياسة الأمريكية وعن الأصوات الجديدة التي تسعى إلى حجز مكان لها في الكونجرس.







