الأخبار

صبيح كلش.. طائر الجنوب يحلّق في أهوار الذاكرة والتاريخ

صبيح كلش
صبيح كلش

في أجواء جنوبية عراقية ، بيئة وتاريخا وانتماء، حفلت اهوارها بكل الجماليات  المميزة  بطيورها واسماكها وقصبها وبيوتها العائمة والزوارق الصغيرة والذاكرة المفعمة بحزنها وفرحها على امتداد اكثر من سبعة آلاف عام، كانت القاعة هورا مصغرا .

 

أقيم في قاعة (الايقونة)  للفنون في شارع حيفا وسط العاصمة العراقية بغداد ، المعرض التشكيلي للفنان الدكتور صبيح كلش الذي حمل عنوان (طائر الجنوب) الذي ضم العديد من اللوحات بأحجام مختلفة اغلبها كبير ، تشع منها الالوان ما بين اشراقات الشمس ولمعان الماء او لبط السمك الفضي اللون او الملون ورفرفة اجنحة الطيور  لا سيما طائر (الخضيري) في تلك البقعة البهيجة من الارض التي الاهوار قيامتها وحيث الناس السومريون معتقون بما جبلوا عليه ببيوتهم المبنية من القصب والبردي، فترى الماء رجراجا على صفحات اللوحات والالوان تكاد تحلق في فضاء القاعة التي شهدت حضورا مميزات.

افتتح المعرض الدكتور عارف الساعدي المستشار الثقافي لرئيس الوزراء ،رئيس الاتحاد العام لادباء العراق.

الفنان كلش حمل لوحاته من سلطنة عُمان حيث يعيش وأتى بها الى بغداد ليستعيد ذاكرة الطفولة ويغتنم الفرصة لتدمع عيناه ويتدفق الدم في شرايين حنينه وهو يستذكر تلك الاحلام الغافية بين الطين والماء وهلى جنحة طائر (الخضيري) الذي يعشقه .

الدكتور جواد الزيدي: تجربة موفقة 

في الإطار أكد الناقد الدكتور جواد الزيدي ان الفنان صبيح كلش متمرس ويشتغل على المنطقة التعبيرية ، ألوانه متأتية من البنفسجيات ، كإنما هي من ملحمة الخليقة البابلية ، هذا الاستلهام باعتباره ابن الهور وحاول ان يجسده، وهو يذكر فيها انها عودته الثانية الى الهور .

 وقال: انا قرأت تجربته سابقا ، وهي مختلف، فيها شيء من الترميزات والطيور والحيوانات الاخرى الموجودة ، منطقة قد تكون بعيدة عن الهور ولكن اليوم هو استثمار لمفرداته ، فهناك زورق وطير وقصب والكثير من الاشياء التي حتى في اللون ، حيث ان دلالة اللون في بيئة الاهوار او البيئات المفتوحة احيانا كاللون البنفسجي واللون الاحمر الطاغي والاخضر، كل هذه حاول ان يترجمها ، لتكون مزيجا ما بين التجريبية والواقعية والتشخيصية ، يعني هناك رموز مشخصة وهناك رموز تجريبية يحاول ان يزاوج بين التجريب والمشخص.

وأضاف: اعتقد انه موفق الى حد ما بهذه التجربة ، تجربة المزاوجة، بين الاتجاهات والمدارس الفنية .

الدكتور كريم شغيدل  : ايقونات تشكيلية 

أما الناقد الدكتور كريم شغيدل  فقد  أكد أن صبيح كلش ليس مجرد رسام تخطر له بعض الموضوعات التي تصبح ان تكون لوحات ، انما هو سارد او راوي لسرديات كبرى .

وقال: سبق له أن اشتغل على ملحمة كلكامش وجسدها تشكيليا ، وهذا التداخل بالفنون يمكن ان نسميه (فنون ما بعد الحداثة) ، هذا التداخل والامتزاج ما بين السرد والفن التشكيلي حاضر في تجربة الدكتور صبيح كلش بوعي تام ، وايضا انتقل الى سردية كبرى اخرى هي سردية ملحمة كربلاء وعنده مجموعة لوحات تتناول موضوع الشهادة عن الامام الحسين عليه السلام .

وأضاف: اليوم هناك سردية اخرى هي سردية الجنوب ، ورمزيات البيئة الاهوارية الجنوبية من الطائر ، الذي هو طائر الخضيري الذي ركز عليه، والطيور المهاجرة الاخرى ، وايضا الاسماك والمشحوف وبيوت القصب، وكل هذه الايقونات اشتغلها بتداخل مع ايقونات تشكيلية ، تكون احيانا حروفية او بيئية ، والحقيقة انه عيّشتا ونقلنا الى بيئة الاهوار ، لان جزءا كبيرا من ذاكرتنا استحضرنا من خلاله مأساة الجنوب وتاريخ الجنوب والبعد التاريخي السومري لاهوار العراق وهي كما يقول احد الرحالة الانكليز بأنه حياة الاهوار تكمن اهميتها في كونها حياة قائمة منذ اكثر من ستة آلاف عام، بمعنى حتى الادوات اليوم، ادوات الصيد والطبخ واليومية غالبيتها هي ادوات سومرية.

 وتابع: استحضر كل هذه الذاكرة خلال هذه السردية الكبرى في هذا المعرض، وان اداءه التشكيلي اداء كبير سواء بامتزاج الايقونات او في تمازج الالوان والحروفية والعلامات والحفر والعمل بالشفرة وبخطوط مختلفة ومدارس متعددة، هذا كله هو جهد كبير لهذا الفنان المتميز الذي كتب عنه منذ سنوات وتابعت مسيرته وابارك له هذا الجهد الكبير .

الدكتور صبيح كلش : حكاية وطن كامل يحلق في الذاكرة

إلى ذلك أعرب الفنان  الدكتور صبيح كلش ان (طائر الجنوب) ليس حكاية طائر واحد ، بل حكاية وطن كامل يحلق في الذاكرة ويبحث دائما عن ضفافه الاولى.

وقال في بوح متهدج : بغداد جئتك كالسفينة متعبا ، سومر وبابل واولهما بالاصالة ارضنا ارض الجنوب ، جئت من سلطنة عمان الحبيبة حاملا لوحاتي الى بلدي العراق لاعرضها، وهي في الحقيقة رحلة جميلة ، عودة الى ذكريات الهور والمشحوف والخضيري والاصالة السومرية .

وأضاف : أعمالي أخذت حكايات الجنوب التي هي الرموز وقد تحول الطائر الى رمز والمشحوف الى رمز وكل شيء صار على شكل رموز جميلة ، اعبر بها عن رائحة البيوت والقصب وغيرها ، ضمن رؤية تشكيلية معاصرة بتقنية تصويرية استخدام خامات مختلفة على سطح القماش مستفيدا مما درسته وتعلمته في بدايات دراساتي الاولى على ايادي اساتذتي الكبار فائق حسن ومحمد مهر الدين وحافظ الدروبي وشاكر حسن آل سعيد الذين اثروا في حياتي .

  وتابع : الهور عايش في روحي وفي دمي، اخر زيارة لي للهور كانت عندما كنت طالبا في الكلية في سفرة وتذكرت اهلي وبكيت ، فمن زمن بعيد ونحن فارقنا الهور ، كل اللوحات من الخيال ، خيال الطفولة، عودة الى الطفولة .

واستدرك : طائر الخضيري هو أحب طائر عندنا، رؤية ومذاقا، واحترمه فهو اصالة الجنوب ، هذا الطائر الذي يأتي مهاجرا من بلاد بعيدة، من البلاد الاسكندنافية ويستقر في الهور فيعطي ما يعطيه من خير الى سكان الاهوار .

وقال أيضا : ليس هذا المعرض مجرد صور لطيور او أهوار ، بل هو عودة الى البدايات ..، الى طفولة تشكلت بين ماء الهور وهمس القصب وأجنحة الطيور التي كانت اول معلمي في تأمل الجمال والحرية .

وختم بالقول: كل ما ارسمه اليوم يحمل شيئا من تلك الارض .

 

الفنان الدكتور صبيح كلش من مواليد بغداد 1948 ، استاذ في العديد من معاهد وكليات الفنون الجميلة ، اقام العديد من المعارض في العديد من دول العالم ونال جوائز كثيرة .