ذاكرة جريمة دريسدن: مجوهرات القبو الأخضر تعود جزئياً
ليلة السرقة
في فجر الخامس والعشرين من نوفمبر عام 2019، شهد متحف القبو الأخضر، داخل قصر دريسدن في شرقي ألمانيا، واحدة من أشهر سرقات المتاحف الأوروبية الكبرى. دخل لصوص المبنى بعد أن تسبب حريق قريب في انقطاع الكهرباء، ثم حطموا واجهة عرض واستولوا على مجموعة من المجوهرات التاريخية. وبعد دقائق، فروا، تاركين وراءهم خزائن محطمة وأسئلة عن كيفية اختراق أحد أهم المواقع الثقافية في البلاد.
ضمت المسروقات قطعاً ملكية مرصعة بأكثر من 4300 ماسة، وقدرت قيمتها بأكثر من 113 مليون يورو. وبين القطع نجمة صدرية لوسام النسر الأبيض البولندي، وغطاء رأس مزين بالألماس، وأزرار وقطع مجوهرات كانت جزءاً من مجموعات تاريخية محفوظة في المتحف. ولم تكن أهمية المسروقات في قيمتها المالية وحدها؛ فهذه القطع شواهد فنية وتاريخية تعود إلى القرن الثامن عشر.

كنوز من ذاكرة أوروبا
تعود المجموعة إلى عهد أغسطس القوي، حاكم ساكسونيا وملك بولندا، الذي كلف بصنع مجوهرات فخمة في سياق منافسته مع ملك فرنسا لويس الرابع عشر. نجت الكنوز من قصف الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ثم نُقلت إلى الاتحاد السوفيتي بوصفها غنائم حرب، قبل أن تعود إلى دريسدن عام 1958. لذلك، بدت سرقتها كأنها فصل جديد من رحلة طويلة بين الحرب والفقد والعودة.

مطاردة دولية
تحركت الشرطة الألمانية لتعقب الجناة، وأضيفت صور ومعلومات عن القطع إلى قواعد البيانات الدولية للأعمال الفنية المسروقة. وأظهرت تسجيلات المراقبة شخصين يحطمان واجهة العرض. كما عُثر لاحقاً على سيارة استخدمها المشتبه بهم وقد أُحرقت. امتد التحقيق سنوات، وتركز على مجموعة من الرجال المرتبطين بعائلة واحدة. وفي مايو 2023، أدانت محكمة خمسة رجال وحكمت عليهم بالسجن لمدد تراوحت بين أربع سنوات وأربعة أشهر وست سنوات وشهرين، فيما بُرئ متهم سادس.
ولأن القطع قد تنتقل عبر الحدود، لم تقتصر المطاردة على الشرطة المحلية. أعلن الإنتربول دعمه للتحقيق، وأدرج أربع عشرة قطعة محددة في قاعدة بياناته للأعمال الفنية المسروقة، بينها زينة شعر ووسام النسر الأبيض وأزرار مرصعة. وكان الهدف أن تصبح أوصافها وصورها متاحة للجهات المختصة حول العالم، وأن تُلتقط أي إشارة إلى ظهورها في سوق الفن أو لدى مقتني التحف. هكذا تحولت السرقة من قضية محلية إلى بحث دولي عن أثر كل قطعة.
عودة جزئية
في ديسمبر 2022، استعادت السلطات 31 قطعة من المجوهرات المسروقة، بعد مفاوضات بين الادعاء ومحامي الدفاع. وقالت الشرطة إن معظم المسروقات عُثر عليها، لكن بعض القطع لا يزال مفقوداً، ومن بينها قطعة كتف مرصعة بماسة دريسدن البيضاء. ولم تصل القطع المستعادة إلى المتحف كاملة السلامة؛ فقد لحقت ببعضها أضرار أثناء اقتلاعها من واجهات العرض أو بسبب تخزينها بطريقة غير ملائمة، بحسب مسؤولي المتحف.
وفي أغسطس 2024، عادت القطع المستعادة إلى أماكنها الأصلية في خزائن العرض بالقبو الأخضر. لكن عودتها لم تكن نهاية الترميم؛ إذ عُرضت بالحالة التي استُعيدت بها، مع استمرار الإجراءات القانونية المتعلقة بها. وقالت مديرة متاحف دريسدن إن معظم الأضرار لا تُرى بالعين المجردة، وإن الخبراء وحدهم قد يلاحظون بعضها.
ما الذي عاد؟
تكشف القضية هشاشة التراث حين يصبح هدفاً للسرقة، كما تطرح أسئلة عن التوازن بين إتاحة الكنوز للجمهور وحمايتها. وبالنسبة إلى دريسدن، كانت عودة القطع لحظة استرداد لجزء من الذاكرة، لا استعادة كاملة لما فُقد. فبعض المجوهرات ما زال غائباً، وبعض المستعاد يحمل أثر الاقتلاع وسوء التخزين. وبينما أُغلقت المحاكمة بأحكام السجن، بقيت الحكاية مفتوحة في خزائن القصر: كنوز عادت إلى موطنها، لكنها لم تعد كما كانت.


