الأخبار

وجوه الفيوم.. عيون عبرت ألفي عام لتروي حكاية مصر فى روما

وجوه الفيوم ..
وجوه الفيوم ..

 يستعد «بورتريه الأخوين»، إحدى أبرز لوحات الفيوم الجنائزية، لمغادرة القاهرة إلى العاصمة الإيطالية روما، بعد الانتهاء من ترميمه بالتعاون بين مرممين مصريين وإيطاليين، تمهيدًا لعرضه ضمن معرض «مصر وروما: وجوه الفيوم»، المقرر إقامته بمتحف «آرا باتشيس» خلال الفترة من 6 نوفمبر المقبل حتى 2 مايو 2027، في خطوة تستهدف تقديم جانب مختلف من تاريخ مصر الفني والحضاري إلى الجمهور الأوروبي.

تتمثل أهمية هذه الرحلة فى تسلط الضوء على واحدة من أكثر مجموعات الفن القديم أهمية. «وجوه الفيوم»، تلك البورتريهات التي حفظت ملامح رجال ونساء وأطفال عاشوا في مصر قبل نحو ألفي عام، وظلت عيونهم تواجه العالم طوال القرون، لتبقى أثرا شاهد على الحياة والموت والفن في مصر خلال العصر الروماني.

تعود هذه البورتريهات إلى العصر الروماني في مصر، حيث ازدهر هذا  الفن بين القرن الأول والثالث الميلاديين. وهي تمثل رجالًا ونساءً وأطفالًا من فئات اجتماعية مختلفة، وقد رُسمت ملامحهم على ألواح خشبية، ثم ثُبّتت فوق وجوه المومياوات بين لفائف الكتان، لتصبح جزءًا من طقوس الدفن.

بدأ اكتشاف هذة اللوحات إلى عام 1615، حين عثر الرحالة الإيطالي بيترو ديلا فالي على مومياوات تحمل صورًا مرسومة على ألواح خشبية في منطقة سقارة جنوب القاهرة، واصطحب اثنتين منها إلى روما. ومع أن هذه الواقعة تُعد من أقدم الاكتشافات الموثقة لهذا النوع من البورتريهات، فإنها لم تفتح الباب آنذاك أمام دراسة واسعة لهذا الفن.

وظلت هذه الوجوه بعيدة عن دائرة الاهتمام الواسع حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما كشفت الاكتشافات الأثرية في منطقة الفيوم عن أعداد كبيرة منها. ففي عام 1887، عُثر على مجموعة مهمة من البورتريهات في منطقة الروبيات، ثم جاءت حفائر عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري في هوارة خلال عامي 1888 و1889 لتكشف عن مومياوات تحمل صورًا جنائزية، وتتيح دراسة هذه الأعمال في سياقها الأثري.

ومع توالي الاكتشافات في هوارة ومواقع أخرى، انتقلت هذه اللوحات من المقابر المصرية إلى المتاحف والمجموعات الفنية في أوروبا وأمريكا، لتلفت الأنظار إلى فن يجمع بين تقاليد التحنيط المصرية وأساليب التصوير اليونانية والرومانية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت «وجوه الفيوم» مصدرًا مهمًا لدراسة الحياة والمعتقدات والملابس والفنون في مصر خلال القرون الأولى للميلاد، فضلًا عن قيمتها الاستثنائية في تاريخ البورتريه.

وتكمن فرادة هذه الأعمال في واقعيتها البحتة. فالفنان لم يكتفِ بتصوير وجه مثالي أو ملامح رمزية، بل سعى إلى إظهار تفاصيل ملاح الشخص من شكل العينين والأنف إلى تسريحة الشعر والحُلي والملابس. ولهذا تمنحنا هذه اللوحات إحساسًا نادرًا بالتواصل مع أشخاص عاشوا في عالم يختلف عنا بقرون طويلة، لكن ملامحهم لا تزال مألوفة وقريبة. 

ارتبطت وجوه الفيوم  بوظيفة جنائزية ودينية. فقد جُمعت فيها تقاليد مصرية قديمة، تقوم على التحنيط والاستعداد للحياة الأخرى، مع أساليب تصوير انتشرت في العالم اليوناني والروماني، تعتمد على إبراز الملامح والتدرجات اللونية والظلال.

ورُسمت هذه الأعمال بتقنيات مختلفة، أبرزها الإنكوستيك، التي تستخدم الأصباغ الممزوجة بالشمع، والتمبرا، التي تعتمد على أصباغ ممزوجة بمواد رابطة. وأسهمت هذه الأساليب في منح الوجوه تعبيرًا وعمقًا بصريًا كبيرين، كما ساعدت الظروف المناخية الجافة في مصر على بقاء عدد من اللوحات حتى اليوم

يمنح معرض «قوة البورتريه.. مصر وروما: وجوه الفيوم» هذه الأعمال فرصة للظهور ضمن سياق أوسع، إذ يجمع أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها البورتريهات الجنائزية والأكفان والأقنعة والمنحوتات الرخامية والقوالب الجبسية والحُلي القديمة. ويهدف هذا التنوع إلى تقديم صورة أوسع عن فن تصوير الوجه في مصر والعالم الروماني، بدلًا من النظر إلى اللوحات بوصفها أعمالًا منفصلة عن سياقها التاريخي

ويكتسب اختيار «بورتريه الأخوين» أهمية خاصة، لأنه يضع عملًا محفوظًا في المتحف المصري بالقاهرة في قلب هذا الحوار الفني بين مصر وروما. كما أن ترميمه بالتعاون بين متخصصين مصريين وإيطاليين يلفت الانتباه إلى جانب آخر من الحدث، هو الدور الذي يؤديه التعاون الدولي في صون التراث وإتاحة دراسته وعرضه أمام جمهور أوسع.