الروداني لـ«سياق 24»: تصعيد تيجراي يهدد بفتح جبهة جديدة في القرن الأفريقي
تتسع رقعة المواجهات المسلحة في شمال إثيوبيا وتجدد القتال بين القوات الفيدرالية ومقاتلي جبهة تيجراي وامتداد الاشتباكات إلى مناطق في إقليمي أمهرة وعفر.
وسط مخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة والجبهة في نوفمبر 2022. ويتزامن التصعيد مع إعلان سبع جماعات مسلحة مناوئة للحكومة تشكيل تحالف يضم جبهة تحرير تيجراي وفانو وجيش تحرير أورومو وأربع جماعات أخرى، بهدف مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. في تطور يزيد تعقيد المشهد الداخلي.

تيجراي مكون تاريخي
وفي تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، قال الدكتور الشرقاوي الروداني، خبير الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، إن التصعيد الحالي لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع البنيوي الذي عرفته إثيوبيا، مؤكدًا أن الأزمة تتجاوز الخلاف السياسي المباشر بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيجراي، وتمتد إلى قضايا تتعلق ببنية الدولة وتوازنات القوة بين مكوناتها.
وأوضح الروداني أن جبهة تحرير تيجراي تمثل مكونًا سياسيًا وتاريخيًا محوريًا في الدولة الإثيوبية، وأن حضورها خلال العقود الماضية يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد طرف عسكري يمكن إقصاؤه بالحسم الميداني.
ووفق رؤيته، فإن محاولة إعادة هندسة المشهد السياسي الإثيوبي من دون مقاربة تشاركية قد تنتج حلولًا آنية، لكنها لا تعالج المحددات العميقة للصراع.
الإثني والهوياتي
وأشار إلى أن القراءة الجيوسياسية للصراع تقتضي وضع العامل الإثني والهوياتي في صلب فهم الأزمة. وأكد أن التوتر بين مكونات مثل التيجراي والأمهرة والأورومو ليس وليد التطورات الأخيرة، وإنما يرتبط بتاريخ طويل من التنافس على السلطة وشكل الدولة وموقع الأقاليم داخلها.
ويرى الروداني أن هذه الخلفية تجعل الوصول إلى حسم عسكري نهائي أمرًا بالغ الصعوبة، موضحًا أن التجارب السابقة في إثيوبيا أظهرت أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء دولة مستقرة، وأن أي انتصار ميداني لا يتحول تلقائيًا إلى استقرار سياسي إذا لم تتم معالجة جذور الانقسامات الداخلية.
وأضاف أن الصراع دخل مرحلة شديدة الحساسية بعدما أصبحت الحسابات الداخلية متشابكة مع محددات إقليمية.

لافتًا إلى أن موقع إثيوبيا يجعل أي اضطراب واسع داخلها قابلًا للامتداد إلى محيطها، خصوصًا في ظل وجود أزمات وصراعات في السودان وجنوب السودان والصومال.
وأكد الروداني أن اتساع القتال باتجاه أمهرة وعفر يكتسب أهمية خاصة، لأن الصراع لم يعد محصورًا جغرافيًا في تيجراي، وهو ما قد يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية إذا تداخلت مصالح القوى المحلية وتعددت الجبهات المفتوحة أمام الحكومة الفيدرالية.
استنزاف الدولة الإثيوبية
وحذر الروداني من أن استمرار المواجهة لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف الدولة الإثيوبية اقتصاديًا وأمنيًا بالإضافة إلى تعميق الانقسامات المجتمعية، مشيرًا إلى أن الصراع إذا تحول إلى مواجهة ممتدة قد ينتج حالة من الاقتتال يصعب الخروج منها.
وعلى المستوى الإقليمي، لفت الخبير إلى أن أهمية إثيوبيا لا تتوقف عند حدودها، فهي دولة محورية في القرن الأفريقي وترتبط جغرافيًا وسياسيًا بمنطقة البحر الأحمر، ما يجعل أي تدهور بالوضع الداخلي مؤثرا على منظومة الأمن الإقليمي.
وأوضح أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان نقطتي تأثير استراتيجي تتقاطع عندهما مشاريع ومصالح جيوسياسية واقتصادية دولية، وبالتالي فإن استمرار الحرب الإثيوبية قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لاستثمار الصراع من أجل تعزيز مواقعها ومصالحها.
وأشار الروداني إلى أن دخول أطراف خارجية على خط الصراع، بصورة مباشرة أو عبر دعم أطراف محلية، قد يزيد من تعقيد الأزمة ويحول إثيوبيا إلى ساحة لتنافس جيوسياسي أوسع، خصوصًا مع تعدد القوى التي تمتلك مصالح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
التوترات الإثنية والأمنية
وفي السياق نفسه، حذر من أن استمرار الاضطراب قد يوفر بيئة مناسبة أمام التنظيمات الإرهابية الناشطة في المنطقة لاستغلال التوترات الإثنية والأمنية، مشيرًا إلى أن تنظيمات مثل حركة الشباب في الصومال وتنظيمي القاعدة و داعش، يمكن أن تستفيد من مساحات الفوضى والصراع لتوسيع نشاطها واستقطاب عناصر جديدة.
ويرى الروداني أن الخطر لا يقتصر على انتقال الاضطرابات من إثيوبيا إلى دول الجوار بل فى احتمالية تراجع قدرة الدولة الوطنية على احتواء الصراعات الداخلية، بما يفتح الباب أمام قوى مسلحة وغير حكومية لفرض نفسها في مناطق مختلفة من القرن الأفريقي.
تحول الصراع
ويوكد أن الطريق إلى تسوية مستقرة في إثيوبيا لن يمر إلا بالمعالجة السياسية الشاملة تشارك فيها الأطراف الداخلية بالتوازي مع تحرك إقليمي ودولي يحول دون تحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود الإثيوبية.
وشدد الروداني على أن التعامل مع الأزمة باعتبارها صراعًا داخليًا محدودًا سيكون قراءة ناقصة فالتداعيات المحتملة ترتبط بأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر وبمستقبل الدولة الإثيوبية نفسها.







