الأخبار

أشرف عقل: سيطرة الحوثيين على باب المندب تهدد الملاحة وقناة السويس

السفير أشرف عقل
السفير أشرف عقل

حذر السفير أشرف عقل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، من تداعيات سيطرة الحوثيين على باب المندب، مؤكدًا في تصريح خاص لسياق 24 أن المضيق تحول منذ أواخر 2023 من ممر ملاحي عالمي هادئ إلى نقطة ضغط جيوسياسي مباشر، بسبب تصعيد جماعة الحوثي المدعومة من إيران عملياتها البحرية جنوب البحر الأحمر «تضامنًا مع مايحدث من جانب إسرائيل في قطاع غزة»، ثم إعلان حصار بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية في يوليو 2025.

وأوضح أن باب المندب يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويبلغ عرضه 29 كيلومترًا، ويمر عبره نحو 15% من التجارة البحرية العالمية، ويعد البوابة الرئيسية لقناة السويس الرابطة بين آسيا وأوروبا، مشيرًا إلى أن تجربة 2023-2025 أثبتت أن مجرد التهديد يكفي دون سيطرة برية كاملة، إذ استهدف الحوثيون 228 سفينة خلال عامين، وتسببوا في غرق 4 سفن، وقرصنة سفينة خامسة أدت إلى مقتل نحو 10 من بحارتها، ما أدى إلى توقف أكثر من 50% من الملاحة الدولية عبر المضيق وتحويل مساراتها.

وأضاف أنه في سبتمبر 2026 أعلنت مصادر حكومية يمنية وصول الحوثيين إلى جزيرتي زقر وحنيش وسيطرتهم على مدينة المخا الساحلية، في تحرك يهدف إلى توسيع نفوذهم على الشريط الساحلي، بينما يرى مسؤولون مصريون أن السيطرة الأرضية قد لا تضيف كثيرًا رغم امتلاك الحوثيين قدرة الرصد والاستهداف عن بعد. وفي المقابل، ينفي الحوثيون تهديد الملاحة عمومًا، ويقولون إن «الحركة آمنة ومنتظمة»، وإن عملياتهم «محددة الأهداف» وستتوقف إذا توقف العدوان ورفع الحصار عن اليمن، مع فرضهم في الوقت نفسه حظرًا على السفن السعودية.

وأشار إلى أن اضطراب الملاحة دفع شركات مثل ميرسك وهاباج لويد وبي بي إلى التحول لرأس الرجاء الصالح، ما يضيف عدة أسابيع إلى زمن المرور ويرفع تكاليف الوقود والتأمين بصورة كبيرة، موضحًا أن بيانات صندوق النقد الدولي أظهرت تضاعف عبور الحاويات عبر رأس الرجاء الصالح 3 مرات، وانخفاض العبور عبر باب المندب وقناة السويس بأكثر من النصف، كما انخفضت حركة المرور في قناة السويس عام 2025 بنسبة 52% مقارنة بـ2023، وهو أدنى مستوى منذ نحو 50 عامًا.

وأكد أن قناة السويس وخط سوميد يمثلان شريان حياة لمصر، موضحًا أن ناقلات النفط السعودية المتجهة إلى الصين والهند لجأت مع تصاعد التهديدات إلى العودة للقناة وسوميد بدلًا من باب المندب، وبدأت السعودية استخدام مسار ينبع-قناة السويس-سوميد، إلا أن كلفته مرتفعة، إذ يضيف نحو 4 أسابيع إلى زمن الرحلة غربًا، كما لا تستطيع الناقلات العملاقة العبور محملة بالكامل وتضطر إلى تفريغ جزء من حمولتها عبر خط سوميد.

وحذر من خطر «الخنق المزدوج» إذا أُغلق باب المندب بالتزامن مع توترات في مضيق هرمز، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى شبه شلل في تجارة الطاقة بين الشرق والغرب، وارتفاع جنوني في أسعار الشحن والتأمين، ودفع العالم نحو ركود تضخمي، لافتًا إلى أن نحو 7% من منتجات النفط العالمية مرت عبر باب المندب في يونيو 2026 فقط.

وأكد أن مصر، رغم عدم كونها طرفًا مباشرًا في القتال، تعد الأكثر تضررًا اقتصاديًا من استمراره، فضلًا عن كونها الدولة العربية الوحيدة التي تجمع بين العمق التاريخي في اليمن، والحدود البحرية على البحر الأحمر، والقدرة على الحوار مع الرياض وصنعاء وطهران.

مبادرة أمن الملاحة

وطالب بأن يتمثل الدور المصري في الوساطة الأمنية والملاحية العاجلة عبر إطلاق مبادرة «أمن الملاحة في البحر الأحمر» برعاية عربية ودولية، تضمن عدم استهداف السفن التجارية مقابل وقف العمليات العسكرية، مع الاسترشاد بالنموذج الأوروبي «أسبيدس» لحماية القوافل البحرية، وتوسيع التنسيق ليشمل الحوثيين والسعودية.

كما دعا إلى فصل الملف الاقتصادي عن السياسي من خلال اتفاق «ممر آمن» يضمن مرور النفط والسلع السعودية عبر قناة السويس وسوميد دون استهداف، مقابل ضمانات حوثية بعدم التصعيد، بما يحفظ المقدرات الاقتصادية للطرفين ويمنع انزلاق الحرب إلى استهداف منشآت أرامكو في جيزان وينبع، كما حدث مؤخرًا.

وأشار إلى إمكانية طرح حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، في ضوء سيطرة الحوثيين على صنعاء وبعض المحافظات منذ سبتمبر 2014، وضعف قوات حكومة الشرعية، خاصة من حيث التسليح، مؤكدًا أن مصر تستطيع، بحكم خبرتها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي وعلاقاتها الجيدة مع الأطراف، الدفع بمبادرة يمنية-يمنية برعاية عربية لوقف القتال في الساحل الغربي وتعز والحديدة ورفع الحصار، ثم الدخول في حوار بين الأطراف اليمنية لتقاسم السلطة، بما يعالج السبب الذي يبرر به الحوثيون عملياتهم «الدفاعية».

تحذيرات من تدمير منشآت نفطية

وشدد على ضرورة منع اتساع الحرب، في ظل ربط التصريحات السائدة حاليًا بين التصعيد في باب المندب والحرب على إيران، محذرًا من أن تحول المواجهة إلى تدمير منشآت نفطية سعودية سيرفع الأسعار عالميًا ويضر مصر عبر التضخم المستورد، معتبرًا أن التدخل المصري المبكر يمنع هذا السيناريو ويحافظ على استقرار وأمن منطقة الخليج العربي.

واختتم السفير أشرف عقل بالتأكيد على أن سيطرة الحوثيين الفعلية، أو حتى قدرتهم على تعطيل باب المندب، تمثل سلاحًا ذا حدين يضرب السعودية من ناحية وقناة السويس والاقتصاد المصري والعالمي من ناحية أخرى، موضحًا أن أمام مصر خيارين: مراقبة الوضع وتحمل خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تراجع إيرادات القناة، أو التحرك عبر دبلوماسية نشطة لخفض التصعيد والتوصل إلى حلول مقبولة من الأطراف الراغبة.

مصر صمام أمان

وأكد أن الدور المصري المطلوب ليس عسكريًا بقدر ما هو «صمام أمان»، من خلال رعاية هدنة بحرية تفصل الملاحة عن الصراع، ودفع السعودية والحوثيين إلى طاولة تفاوض يمنية برعاية مصرية-عربية، واستخدام قناة السويس وسوميد كحافز اقتصادي للتهدئة بدلًا من التصعيد، بهدف منع إراقة الدماء وحماية المقدرات الاقتصادية المصرية والعربية وقطع الطريق أمام تحول باب المندب إلى «هرمز ثانٍ» يخنق التجارة العالمية، مؤكدًا أن الأمن القومي المصري يبدأ من باب المندب، وأن أي تأخير في الحل السلمي يزيد الكلفة المادية على كافة المستويات.