ليون سيوفي: اتفاق أمريكا- إيران لن يحل وحده القضية الفلسطينية
يرى الباحث والكاتب السياسي اللبناني، دكتور ليون سيوفي أن الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، إذا نجح في الصمود وتحول إلى تفاهم طويل الأمد، قد يعيد رسم المشهد الإقليمي ويترك انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا الاتفاق لن يكون كافيًا لحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي ما لم يقترن بمسار سياسي جاد يعالج جذور الأزمة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل غزة
ويقول سيوفي فى حديثة ل"سياق 24 "، إن أي تفاهم أمريكي–إيراني واسع قد يقود إلى ثلاثة مسارات رئيسية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أولها يتمثل في خفض التوتر الإقليمي، بما يقلل احتمالات اندلاع حروب جديدة في المنطقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قطاع غزة ولبنان وسوريا. أما المسار الثاني فيتمثل في انتقال الاهتمام الدولي من المواجهات العسكرية إلى البحث عن تسويات سياسية، بينما يبقى المسار الثالث الأكثر واقعية في نظره، وهو أن الاتفاق وحده لن يحل القضية الفلسطينية بسبب تعقيداتها وتشابك أطرافها، سواء الفلسطينية أو الإسرائيلية أو العربية والدولية.
ويؤكد أن نجاح الاتفاق قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة داخل قطاع غزة، تشمل إعادة الإعمار، وإيجاد إدارة مدنية جديدة أو مطورة للقطاع، إلى جانب ترتيبات أمنية تضمن وقف المواجهات، مع إمكانية عودة الاهتمام الدولي بمسارات التسوية السياسية، سواء عبر حل الدولتين أو أي صيغة أخرى.
وفي المقابل، يحذر من سيناريو آخر قد تكتفي فيه القوى الدولية بإدارة الأزمة دون معالجة أسبابها الحقيقية، بحيث يتحقق الهدوء الأمني بينما يستمر الحصار والقيود المختلفة، وهو ما يعني استمرار الأزمة الفلسطينية دون حلول جذرية. كما لا يستبعد احتمال انهيار الاتفاق وعودة المنطقة إلى دوامة التصعيد، لتصبح غزة مجددًا إحدى أبرز ساحات المواجهة.
ويشدد سيوفي على أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المختلفة للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية سياسية مستدامة، موضحًا أن الاتفاق قد يتيح دورًا عربيًا أكبر في إعادة إعمار غزة وإدارة شؤونها المدنية، إلى جانب تفاهمات إقليمية تحد من عسكرة الصراع وتمهد لاستئناف المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية برعاية دولية.
أمريكا الرابح الأكبر
وعن الأطراف الأكثر استفادة من الاتفاق، يرى سيوفي أن الولايات المتحدة ستكون من أبرز الرابحين، بعدما تحقق عدة أهداف في آن واحد، أبرزها تجنب حرب إقليمية واسعة، وحماية حركة التجارة والطاقة العالمية، وتقليص كلفة الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط.
كما يعتبر أن إيران ستكون أيضًا من المستفيدين إذا نجحت في الحصول على اعتراف بدورها الإقليمي وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، مع استعادة جزء من حضورها في الاقتصاد العالمي، مع الاحتفاظ بنفوذها السياسي في المنطقة.
أما إسرائيل، فيرى أنها قد تستفيد من تحقيق استقرار أمني طويل الأمد، لكنها قد تنظر إلى الاتفاق بتحفظ إذا شعرت بأن واشنطن قدمت تنازلات لطهران أو أعادت ترتيب أولوياتها الإقليمية بصورة لا تتوافق مع رؤيتها التقليدية.
ويؤكد سيوفي أن الفلسطينيين يقفون أمام مفترق طرق، فقد يصبحون أكبر المستفيدين إذا استُخدم الاتفاق لإطلاق عملية سياسية حقيقية تشمل إعادة إعمار غزة، وإنهاء المأساة الإنسانية، وتثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفتح أفق واضح للتسوية النهائية.
ويحذر في المقابل من أن الفلسطينيين قد يكونون الخاسر الأكبر إذا اقتصر الاهتمام الدولي على تحقيق الاستقرار الأمني والإقليمي، بينما بقيت قضيتهم مؤجلة أو جرى التعامل معها باعتبارها مجرد ملف إنساني أو أمني.
وفي هذا السياق، يطرح سيوفي سؤالًا يعتبره أكثر أهمية من تحديد الرابحين والخاسرين، وهو ما إذا كانت القضية الفلسطينية ستتحول إلى أولوية ضمن التسويات الإقليمية الجديدة، أم ستؤجل مرة أخرى لصالح ترتيبات أمنية أوسع.
عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة
وحول مستقبل القضية الفلسطينية بعد الاتفاق، يرى أن تأثيره سيتوقف على طبيعته، وما إذا كان مجرد تفاهم أمني محدود أو بداية لإعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة. فإذا استمر الاتفاق، فقد تعود القضية الفلسطينية إلى طاولة البحث الدولي باعتبارها أحد مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تصبح أولوية سياسية، إذ قد تنشغل القوى الكبرى أولًا بترتيب الملفات الأمنية والإقليمية.
ويرى أن القضية الفلسطينية لن تختفي من المشهد، لكنها لن تستفيد تلقائيًا من الاتفاق، إذ تبقى استفادتها مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية والفلسطينيين أنفسهم على استثمار مرحلة التهدئة وتحويلها إلى فرصة سياسية حقيقية.
وفيما يتعلق بإيران، يتوقع سيوفي أن يدفعها نجاح الاتفاق إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، مع التركيز بصورة أكبر على إعادة بناء الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتخفيف العقوبات، وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية معترف بها دوليًا.
إيران والفصائل الفلسطينية
يستبعد سيوفي أن تتخلى طهران عن القضية الفلسطينية أو عن علاقاتها بالفصائل الفلسطينية، موضحًا أن القضية تمثل جزءًا أساسيًا من خطابها السياسي منذ عقود، فضلًا عن كونها إحدى أدوات نفوذها الرئيسية في الشرق الأوسط. ويرجح أن تتحول السياسة الإيرانية من إدارة المواجهة العسكرية إلى إدارة النفوذ السياسي والدبلوماسي، بما يحافظ على مصالحها الإقليمية دون تهديد التفاهمات الجديدة مع واشنطن.
وعن إمكانية استثمار الإدارة الأمريكية للاتفاق في إطلاق مبادرة جديدة بشأن غزة أو عملية السلام، يرى سيوفي أن نجاح الاتفاق قد يوفر بيئة دبلوماسية أكثر ملاءمة لتحريك الملف الفلسطيني، لكنه لا يعتقد أن القضية الفلسطينية ستكون جزءًا مباشرًا من التفاهم الأمريكي–الإيراني بسبب تعقيداتها وتشعب أطرافها.
ويشير إلى احتمال أن تستخدم واشنطن الاتفاق لإطلاق ترتيبات جديدة في قطاع غزة تشمل إعادة الإعمار، وترتيبات أمنية، وتعزيز الدور العربي والدولي، تمهيدًا لمسار سياسي لاحق، مع بقاء القضية الفلسطينية منفصلة نسبيًا عن جوهر الاتفاق.
ويختتم سيوفي بالتأكيد على أن نجاح الاتفاق قد يفتح نافذة سياسية جديدة أمام غزة والقضية الفلسطينية، لكنه لن يؤدي تلقائيًا إلى إطلاق عملية سلام شاملة، إذ سيظل تحقيق ذلك مرهونًا بإرادة سياسية مستقلة من جميع الأطراف المعنية، حتى لو وفر الاتفاق المناخ الإقليمي المناسب لتحريك المياه الراكدة.