هاني الجمل: زيارة شي جين بينج لمصر تفتح ملفات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا
أكد الدكتور هاني الجمل رئيس وحدة الدراسات الأوروبية والاستراتيجية بمركز العرب للأبحاث أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تحمل رسائل سياسية واقتصادية مهمة، باعتبارها الزيارة الثانية للرئيس الصيني خارج الحدود لدولة محددة خلال عام 2026، وتأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية، التي وصفها بأنها أقدم العلاقات العربية الآسيوية، ونحو 10 سنوات على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وقبيل الزيارة المرتقبة لشي جين بينج إلى ترامب في أمريكا.
وقال الجمل، في تصريح خاص لـ«سياق 24»، إن توقيت الزيارة يؤكد أن القاهرة صاحبة قرار حر في اختيار شركائها الاستراتيجيين، ولا تدعم أي معسكر خارجي، سواء كان أوروبيًا أو أمريكيًا أو روسيًا، مشيرًا إلى أن الصين تحاول من خلال الزيارة إعادة تموضعها في الشرق الأوسط.
وأوضح أن قمة شنغهاي التي شارك فيها الرئيس الصيني، وفلاديمير بوتين، ورئيس إيران، ورئيس وزراء الهند، واحتفلت بمرور 25 عامًا على تأسيس المنظمة، فتحت ملفات إقليمية ودولية أثرت في الأوضاع الاقتصادية والسياسية عالميًا، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، ثم التوسعات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وسوريا، وصولًا إلى الحرب الإيرانية التي أثرت على سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة.
وأضاف أن الصين تضررت من هذه الأزمات بأكثر من شكل، أولها عدم حصولها على النفط من الأسطول الإيراني المعروف بأسطول الظل الإيراني، الذي كان يمد الصين باحتياجاتها النفطية بسبب الحصار الاقتصادي الأمريكي على إيران، وثانيها عدم نفاذ مبادرة الحزام والطريق التي كانت الصين تنفذها لربطها بدول العالم في المنطقة الآسيوية والعربية والقارة الإفريقية، ما أدى إلى توقف حركة التجارة وسلاسل الإمداد بشكل كبير.
وأشار إلى أن التوسعات والصراع بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية يشعلان الأزمة في الشرق الأوسط، موضحًا أن الصين تحاول تقديم نفسها كشريك استراتيجي بعدما استطاعت إنهاء خصومة طويلة بين إيران والسعودية، وأقامت علاقة استراتيجية بين الصين والدول العربية، ثم نفذت إلى القارة الإفريقية.
وأكد أن عدم هدوء المنطقة يؤثر على المصلحة الصينية، إلى جانب عسكرة البحر الأحمر ورغبة إثيوبيا في أن يكون لها ميناء بحري على البحر الأحمر، والشراكة الاستراتيجية بين أمريكا وإثيوبيا خلال الأيام الماضية، معتبرًا أن هذه التطورات تهدد المخططات الصينية في المنطقة.
ولفت الجمل إلى أن الاقتصاد هو القاطرة التي تقود السياسة، موضحًا أن توطين الصناعات الصينية في مصر، خاصة في المناطق الجنوبية، سواء من خلال شركة هواوي أو توطين صناعة السيارات الكهربائية، يمثل خطوة مهمة تدفع أكثر من 400 شركة صينية إلى الاستثمارات المصرية الصينية في مصر.
وأضاف أن هناك «كاتشينج» غير جنريك بين مصر والصين، وبين الصين و50 دولة إفريقية لمدة عامين بدأت من مايو 2026، مشيرًا إلى أن الصين تحاول وضع نفسها في المنطقة، وأن يكون لها قواعد أساسية ومكانة تمكنها من تقريب وجهات النظر في بعض القضايا، بما يخفف الضغط على وجودها.
وأكد أن الصين تحاول تقديم نفسها كأحد أهم الأقطاب الدولية، في ظل تحول العالم من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب.
التنسيق المصري الصيني في الأزمات
وأوضح الجمل أن مصر تتجه إلى وجود شركاء جدد، مشيرًا إلى أنه منذ معاهدة كامب ديفيد اتجهت السياسة العربية إلى الاعتماد على الغرب، ولذلك يجب التفكير في إدخال شركاء من الشرق، وعلى رأسهم روسيا والصين، لوجود مصالح اقتصادية لهاتين الدولتين الكبيرتين في منطقة الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن ارتقاء العلاقات مع روسيا ومصر إلى مستوى «اثنين زائد اثنين»، وكذلك العلاقات بين روسيا والسعودية وروسيا والإمارات بالمستوى نفسه، يمثل علاقة كبيرة، كما أن العلاقات الاستراتيجية بين الصين ومصر وبعض الدول العربية تؤكد هذا المعنى.
وأكد ضرورة أن تكون هذه الدول فاعلة في قضية الشرق الأوسط وهدوئه، خاصة مع وجود تحول جيوسياسي كبير في المنطقة، موضحًا أنه إذا لم تستطع الصين الحفاظ على الهدوء الاستراتيجي في هذا التوقيت الدقيق، فقد تنفلت الأمور من قوة الصين التي تحاول تقديم نفسها كأحد أقطاب العالم.
وأضاف أن الصين تحاول أن يكون لها دور مؤثر في القضية الفلسطينية، وهو ما ظهر أكثر من مرة من خلال محاولة الضغط على الأدوار الأمريكية والسعودية، والضغط بشأن فلسطين ومحاولة إعادة الإعمار من بين الدول المانحة.
وأشار إلى أن الصين تحاول كذلك أن يكون لها دور في الملف السوري، في ظل حالة الشد والجذب بين إسرائيل وتركيا على مناطق النفوذ، وتسعى إلى وجود حالة من الهدوء وعدم حدوث تقسيم عرقي وإثني داخل سوريا.
وأوضح أنه في الحرب الإيرانية الراهنة، قدمت الصين أسلحة لوجستية متطورة استطاعت إيران استخدامها في مواجهة أمريكا، لكنها في الوقت نفسه تدعم بشكل كبير الوساطة التي تقوم بها مصر وباكستان وقطر وعُمان.
وأكد أن دخول الصين إلى المنطقة يجب أن يعود أولًا بالنفع على مصالحها ونفوذ تجارتها، موضحًا أن المنطقة بأكملها تحتاج في الوقت الراهن إلى إعادة إعمار، وهو ما يسمح للصين بتقديم نفسها كشريك في التنمية المستدامة لهذه الدول، ومحاولة تعويض ما نتج عن الحروب المتتالية، بما يمكنها من كسب أرض واسعة في هذا الأمر، مع دعم مصر باعتبار أن مصلحتها تكمن في أن تكون المنطقة آمنة.
أوراق الضغط الصينية
وحول امتلاك الصين أوراق ضغط حقيقية باعتبارها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، قال الجمل، في تصريح خاص لـ«سياق 24»، إن الصين لا تربط تحركاتها بمجلس الأمن، وإنما تضع مصالحها قبل التحرك، موضحًا أنه إذا لم تكن للصين مصلحة في أي موقع قدم فلن تكون موجودة فيه.
وأشار إلى التحركات البحرية الصينية خلال الأيام الماضية في القطب الشمالي وعبور سلاسل الإمداد بطريقة تبتعد كليًا عن قناة السويس، موضحًا أنه رغم امتلاك الصين منطقة لوجستية في قناة السويس، فإنها تفكر خارج الصندوق وتتابع مصالحها الشخصية أولًا.
وأكد أن الصين تتبع مصلحتها إذا توافق ذلك مع قطر أو البحرين أو الإمارات أو مصر أو حتى إسرائيل، مشددًا على أنه لا توجد في السياسة أعداء مطلقون أو أصدقاء مطلقون، وإنما المصلحة هي التي تقود هذه الملفات.
أسباب اختيار مصر شريكًا للصين
وأوضح الجمل أن الصين اختارت مصر لعدة أسباب، في مقدمتها أن مصر أول دولة عربية وإفريقية يتم الاعتراف بها من جانب الصين، مشيرًا إلى أن مصر تعتبر أكبر سوق استهلاكي، يضم نحو 110 أو 120 مليون مستهلك.
وأضاف أن مصر تعتبر إحدى أهم النقاط لطريق الحزام والطريق، سواء من خلال الكتلة البشرية أو الموارد البحرية أو المناطق اللوجستية مثل قناة السويس.
وأشار إلى أن مصر أصبحت الأكثر استقرارًا بعد ثورة 25 يناير في منطقة الشرق الأوسط، موضحًا أنه منذ عام 2013 تمتعت مصر بنوع من الاستقرار والتنمية المستدامة، وبالتالي تقدم نفسها كأمن.
وأكد أن مصر تتمتع كذلك بالعمالة الأرخص، مع وجود العمالة المدربة والماهرة، إلى جانب قانون الاستثمار المصري الذي يعطي مزايا إيجابية للاستثمارات الدولية، ومنها الاستثمارات الصينية.
وأوضح أن الميزان التجاري بين البلدين يميل بشكل كبير في اتجاه الصين، كما تستفيد الصين من «زيرو جمارك» التي تطبقها القاهرة مع العديد من الدول الإفريقية، إلى جانب الاتفاقيات التي تسمح للصين بتجاوز الأسواق عبر مصر.
وأضاف أن الصين تفكر دائمًا في بناء حلفاء مختلفين، وأن اختيار مصر يرجع إلى مركزيتها، وامتلاكها جيشًا قويًا ونظامًا سياسيًا قويًا ومستقرًا.
وأشار إلى أن النظام السياسي والمجتمع المصري والحضارة المصرية التي تعد من أقدم الحضارات تتوافق مع الحضارة الصينية، موضحًا أن التقاء الحضارتين يمكن أن يسمح للعديد من القضايا بالنمو، ولذلك جاء اختيار الصين لمصر للأسباب التي تتميز بها القاهرة، ولما تجده الصين فيها من ظروف جيدة لهذه العلاقة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة
وأكد الجمل أن العالم يتجه إلى قطاع التكنولوجيا، مشيرًا إلى الحرب الأمريكية الإيرانية التي وصفها بأنها أول حرب يتم تنفيذها بنظام الذكاء الاصطناعي، واستخدام القوات البحرية والعسكرية والغواصات للذكاء الاصطناعي، والذي استطاع من خلاله تفجير جزء من مضيق هرمز من الألغام التي زرعتها إيران.
وأوضح أن مصر تمتلك خبرات بشرية كبيرة في هذا المجال، إضافة إلى المكونات الطبيعية، مشيرًا إلى امتلاك مصر الأتربة السوداء التي تعتبر من أهم العناصر المستخدمة في صناعة التكنولوجيا.
وأضاف أن توطين هذه الصناعات في مصر يؤدي إلى توفير عمالة رخيصة عالية المهارة، موضحًا أن توجه الدولة المصرية إلى التعليم الفني يؤدي إلى هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون هناك تعليم فني في المدارس المصرية وللشباب المصري من خلال الإنتاج.
وأشار إلى أن هذه الفكرة قامت عليها الصين، وهي أن يكون الشعب منتجًا بأدواته، ما جعل المنتجات الصينية رخيصة الثمن وعالية الجودة، وأصبحت البضاعة الأولى في كثير من الأسواق، وغزت أمريكا والاتحاد الأوروبي والدول النامية.
وأكد أن قطاع التكنولوجيا هو القادم، مشيرًا إلى امتلاك مصر موقعًا استراتيجيًا على الممرات البحرية، ومدنًا تكنولوجية، وعمالة رخيصة، وموارد طبيعية، وقانون استثمار، ونظامًا سياسيًا مستقرًا، وهي عوامل تجعل مصر محطة يمكن الاتجاه إليها في عالم التكنولوجيا.
وأضاف أن مصر تعد إحدى البؤر الجيدة في الطاقة النظيفة، سواء الهيدروجين الأخضر أو الأزرق، إلى جانب وجود مصر كأمين عام لمنظمة شرق المتوسط للغاز، وامتلاكها جزءًا من الطاقة النظيفة وإنتاج الكهرباء وتصديرها إلى دول الخليج أو الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن استقرار المشروعات القومية والبنية التحتية المصرية، سواء الطرق أو شبكة المواصلات المتعددة والمتنوعة، يؤكد إمكانية الاتجاه إلى مصر.
وأوضح أن مصر أصبحت مسارًا تتصارع عليه روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وأمريكا، مشيرًا إلى أن الأزمة الإيرانية الأمريكية نقلت نحو 20% من الاستثمارات الأوروبية من الصين إلى القاهرة، مع بقاء العلاقات المصرية الأوروبية في إطار استراتيجي، ولذلك تحاول الصين أيضًا أن تكون في هذا الممر حتى لا تخرج مصر عن استقطاب الصين.
أولويات مصر في مباحثات الرئيس الصيني
وشدد الجمل على ضرورة وضع عدد من الملفات كأولوية في المباحثات مع الرئيس الصيني، في مقدمتها امتلاك مصر نوعًا من الدفاعية المتطورة، موضحًا أنه كما توجد منظومات سوخوي 35 وإس-400 وإف-35، فإن الصين لديها العديد من التكنولوجيا المتقدمة التي يمكن لمصر الاستفادة منها.
وأشار إلى أن مصر لديها رؤية في تنويع مجالات السلاح المختلفة، معتبرًا أن هذا الملف مهم ويجب أن يكون حاضرًا في المباحثات.
وأضاف أن الملف الثاني يتمثل في دعم الصناعات المصرية في الأسواق الصينية، لأن الميزان التجاري يميل بشكل كبير لصالح الصين، ومن ثم يجب دعم المنتجات المصرية في الأسواق الصينية.
وأوضح أن الملف الثالث يتمثل في توطين الصناعات التكنولوجية المختلفة في مصر، إلى جانب صناعة السيارات التقليدية والسيارات الكهربائية.
وأكد أهمية الملفات السياسية، لأن الصين لها ثقل كبير في علاقاتها مع أمريكا وبعض الدول، مشيرًا إلى أن الصين قبل أن تقدم خدمة يجب أن تحصل قبلها على فائدة.
وشدد على ضرورة استفادة مصر من قوة الصين الصاعدة في هذا التوقيت، موضحًا أن مصر لن تكون الشريك الوحيد للصين في المنطقة، لكنها يجب أن تكون الشريك الآمن في المنطقة.
وأكد أن ذلك يجب أن يترجم إلى العديد من المشروعات والاستثمارات الصينية الإيجابية، وليس استثمارات لمصلحة الصين فقط، وإنما لخير الشعب المصري والحكومات المصرية، بما يساهم في خروج مصر أو تقديمها كدولة رائدة يمكن أن تكون في يوم من الأيام قوة رابعة صاعدة في المنطقة.


