الأخبار

«عام نجيب محفوظ».. كيف تتحول القراءة إلى وسيلة لمواجهة صدمات الفقد؟

سيرة القاهرة
سيرة القاهرة

أكدت سعاد محمد السيد، مدربة سورية متخصصة ببرامج تطوير الذات، وتقيم في مصر منذ 15 عامًا  أن القراءة يمكن أن تكون وسيلة للتعامل مع الصدمات النفسية، موضحة أن جزءًا من التدريبات التي تقدمها على مدار السنوات الماضية يقوم على ما يُعرف بـ«القراءة العلاجية»، أي استخدام القراءة في مواجهة الصدمات النفسية.

وفي تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، أوضحت المدربة سعاد أن «مدرسة العلاج بالأدب» تعد مدرسة معروفة جدًا في الدول الأوروبية، إلا أنها لا تحظى، بحسب رؤيتها، بالاهتمام نفسه في البلاد العربية، وهو ما دفعها إلى تسليط الضوء على الأدب العالمي، ومنه أدب نجيب محفوظ، باعتباره مدخلًا يمكن من خلاله الاقتراب من التجربة الإنسانية وتعزيز الصحة النفسية.

الأدب يعزز انتماء الأبناء لمصر

وقالت إن اهتمامها بأدب نجيب محفوظ اكتسب بُعدًا شخصيًا أيضًا، خاصة أنها جاءت إلى مصر من بلد آخر برفقة أولادها هربًا من الحرب، معتبرة أن أعمال محفوظ وفرت لها فرصة لتعزيز انتمائهم إلى مصر، وتعريفهم بالبلد «بعيون الأدب، بعيون نجيب محفوظ».

وأوضحت أنها كانت تحضر لهم كتب نجيب محفوظ، إلى جانب أعمال جمال الغيطاني، الذي وصفته بأنه «ابن روحي لنجيب محفوظ»، ثم تقرأ معهم عن الأماكن الواردة في هذه الكتب، قبل أن تصطحبهم في جولات أو يزوروا هذه الأماكن بشكل فردي، حتى يروا المواقع التي قرأوا عنها في الأعمال الأدبية.

وأضافت أن هذه التجربة كان لها «مفعول جدًا إيجابي»، إذ ضاعفت شعور أولادها بالانتماء إلى البلد، وساعدتهم على كسر حواجز الغربة، وجعلتهم يشعرون بالسعادة وهم يرون مصر من خلال عيون أدبائها، مؤكدة أن التجربة ساعدتهم على الاندماج بصورة أكبر في المجتمع الجديد.

القراءة التفاعلية.. كيف نقرأ ونستفيد؟

وأشار سعاد إلى أن عددًا كبيرًا من المشاركين حضروا هذه الدورات، موضحة أن الورش التي تقدمها لا تقتصر على تعريف المشاركين بالأدب الذي يمكن أن يساعدهم على تعزيز صحتهم النفسية، وإنما تهدف أيضًا إلى تعليمهم كيفية القراءة بطريقة صحيحة والاستفادة مما يقرأونه.

وأوضحت أن هذا الجانب يعتمد على ما يُعرف بـ«القراءة التفاعلية»، التي تقوم على كيفية التعامل مع الكتاب بحيث لا يقتصر الأمر على قراءته ثم نسيان المعلومات الواردة فيه، وإنما الاحتفاظ بها والاستفادة منها.

وقالت إن المشاركين يتعلمون خلال الورش كيفية القراءة، وما الذي ينبغي فعله أثناء القراءة، وما الأسئلة التي يجب طرحها، إلى جانب وضع أنفسهم مكان بطل العمل الأدبي ومحاولة تقمص شخصيته، بطريقة يمكن أن تنعكس بصورة مفيدة على حياتهم الخاصة.

الأدب في مواجهة صدمات الفقد

وحول طبيعة المشكلات التي يتعامل معها المشاركون من خلال هذه الورش، أوضحت محمد السيد أن من بينها صدمات الفقد، مثل وفاة الأب أو فقد شخص عزيز، إلى جانب أشكال أخرى من الفقد لشخص لا يزال على قيد الحياة، مثل الانفصال عن شريك الحياة.

وأضافت أن التجارب التي يتعامل معها المشاركون لا تقتصر على فقد الأشخاص، وإنما تشمل أيضًا فقد الوظيفة أو فرصة العمل، أو عدم القدرة على دراسة التخصص الذي كان الشخص يرغب فيه، وما قد يترتب على ذلك من آثار نفسية، قائلة إن بعض الأشخاص قد يدخلون في حالة من الاكتئاب نتيجة هذه التجارب.

وأكدت أن هذه الحالات وغيرها أصبحت من المشكلات التي يعاني منها الناس من حولنا اليوم، معتبرة أن القراءة يمكن أن تكون إحدى الوسائل المهمة للتعامل مع مثل هذه الصدمات.

وترى أن تجربة ربط الأدب بالحياة الشخصية تفتح مجالًا أمام القارئ للتفاعل مع النص بصورة تتجاوز القراءة التقليدية، سواء من خلال التعرف إلى الأماكن والشخصيات أو طرح الأسئلة والتأمل في التجارب الإنسانية التي تقدمها الأعمال الأدبية، بما يجعل القراءة وسيلة لاكتشاف الذات والتعامل مع بعض التجارب الصعبة.

«عام نجيب محفوظ» من متحفه

وتأتي تصريحات سعاد محمد السيد بالتزامن مع إطلاق «عام نجيب محفوظ» من متحفه، بمناسبة مرور 20 عامًا على رحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ (1911-2006)، حيث يقيم متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ، بتكية محمد أبو الدهب، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية، احتفالية بهذه المناسبة.

وتقام الاحتفالية تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، القائم بأعمال وزير الثقافة، وبحضور المعماري حمدي السطوحي، رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية، وتتضمن مؤتمرًا صحفيًا يديره الكاتب الصحفي طارق الطاهر، المشرف على متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ، يعلن خلاله السطوحي إطلاق «عام نجيب محفوظ» من متحفه، إلى جانب الإعلان عن الفعاليات التي ستقام على مدار العام.

وتأتي الفعاليات في إطار اهتمام قطاع صندوق التنمية الثقافية بإحياء تراث رموز الثقافة المصرية، وتقديم برامج ثقافية وفنية تسهم في إعادة قراءة منجزهم الإبداعي والتعريف به.

ويلي المؤتمر الصحفي افتتاح معرض «نجيب محفوظ.. من محاولة الاغتيال إلى الرحيل.. قراءة في الصحف المصرية»، من إعداد الكاتب الصحفي طارق الطاهر، ويقدم نماذج من الصحف والمجلات المصرية التي تناولت حادثة محاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1994، وصولًا إلى رحيله عام 2006.

كما تتضمن الاحتفالية لقاء «نادي السيرة للكتاب»، الذي يقام شهريًا بالتعاون بين متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ ومبادرة «سيرة القاهرة»، ويحمل هذا الشهر عنوان «قاهرة نجيب محفوظ»، ويتضمن زيارة للمتحف، وعرض فيلم «درب قرمز»، وقراءة في كتاب «حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ، ويشرف على نادي القراءة الباحث عبد العظيم فهمي، مؤسس مبادرة «سيرة القاهرة».