الأخبار

الإمارات تُدرج شاعرها أحمد بن سليم في سجل اليونسكو

سياق 24

 

بعد نصف قرن من رحيله، تضع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اسم الشاعر الإماراتي أحمد بن سلطان بن سليم الفلاسي على خارطة الذاكرة الثقافية الإنسانية — قصة رجل مرّ يومًا بالإسكندرية في طريقه إلى العالم الجديد، وعاد ليكتب بشعره فصلًا من تاريخ وطنه.


في خطوة تضاف إلى سجل الاهتمام العربي المتصاعد بالتوثيق الدولي للتراث الأدبي والفكري، أعلنت منظمة اليونسكو رسميًا إدراج الشاعر الإماراتي الراحل أحمد بن سلطان بن سليم الفلاسي ضمن برنامجها للاحتفاء بالذكريات السنوية للأعوام 2026-2027، وذلك بمناسبة مرور خمسين عامًا كاملة على رحيله. الخبر، وإن بدا للوهلة الأولى شأنًا إماراتيًا داخليًا، يحمل في طياته دلالة أوسع تعني القارئ العربي أينما كان: أن التاريخ الثقافي لهذا الجزء من الخليج، الذي طالما نُظر إليه من زاوية النفط والعمران الحديث فقط، له أيضًا وجهٌ أدبي وإنساني عميق يستحق أن يُروى.


فمن هو هذا الرجل الذي استحق أن يضع اسمه إلى جانب أعلام الذاكرة الثقافية الإنسانية؟ وما الذي يجعل سيرته، رغم محليتها الظاهرة، قصة تخص القارئ العربي عمومًا لا الإماراتي وحده؟
من هو أحمد بن سليم؟


وُلد أحمد بن سليم في إمارة دبي في العقد الأول من القرن العشرين، لأسرة عريقة من فخذ «آل بالهول» في قبيلة بني ياس، وتنتمي والدته إلى أسرة الأشراف الهاشميين. تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب ثم المدرسة الأحمدية، وأتقن الخط العربي وحساب القلم، قبل أن تأخذه ظروف سياسية مضطربة في عام 1939م إلى الهند، حيث أمضى قرابة عشر سنوات عمل خلالها مذيعًا في القسم العربي بإذاعة عموم الهند بدلهي، وأتقن الإنجليزية، وأغرق نفسه في القراءة والبحث.


عاد إلى دبي عام 1948م ليصبح مقربًا من حكامها المتعاقبين، فتدرّج في المناصب: ناظرًا للجمارك عام 1950م، ثم مديرًا عامًا للبلدية عام 1956م، ثم وزيرًا للدولة للشؤون المالية عام 1973م في أول تشكيل وزاري اتحادي بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب رئاسته للجنة التراث والتاريخ.


حين مرّ بالإسكندرية


وللقارئ المصري في هذه السيرة محطة خاصة قد لا يعرفها كثيرون: ففي صيف عام 1963م، اختير أحمد بن سليم أحد أفراد وفد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في رحلته التاريخية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت إحدى محطات هذه الرحلة الطويلة عبورهم بالإسكندرية على متن الباخرة قبل أن تتابع رحلتها بحرًا نحو إيطاليا، في مسار مرّ أيضًا بروما ونابولي وباريس وجنيف قبل الوصول إلى واشنطن ونيويورك.
ودوّن ابن سليم تفاصيل هذه الرحلة كاملة في رسالة نثرية مطولة بعث بها من نيويورك إلى صديقه القاسم ياسين القرقلاني، وصف فيها ناطحات السحاب وقصور الفاتيكان ومتحف اللوفر بعين رجل خليجي يواجه للمرة الأولى حداثة العالم الجديد. تلك الرسالة، التي لا تزال حتى اليوم من أثمن الوثائق التي تؤرخ لتلك المرحلة، تكشف أن حكاية هذا الشاعر لم تكن معزولة عن الفضاء العربي الأوسع، بل تقاطعت معه في محطة عابرة، لكنها دالة.


شاعرٌ جمع الفصيح والنبطي


لم يكن ابن سليم موظفًا كبيرًا فحسب، بل شاعرًا حقيقيًا نظم القصيدة الفصيحة بمعارضات واعية لكبار الشعراء القدامى، من أبرزها معارضته للامية ابن الوردي في قصيدة «ربع الأنس والغزل» التي مطلعها: «لا أوحش الله ربع الأنس والغزل / ولا عداه ملث العارض الهطل». وله في الشعر الفصيح أيضًا قصيدة مبكرة في نصرة فلسطين، تُعد من أقدم المواقف القومية العربية في الشعر الإماراتي، يقول في مطلعها: «فلسطين أضحت عرضَ كلٍّ من انتمى / إلى الضاد أهلًا للصيانة والستر» - وهو بيت يختصر رؤية الرجل لعروبته بوصفها انتماءً لغويًا وأخلاقيًا واحدًا، لا حدودًا سياسية متفرقة.


وإلى جانب الفصيح، نظم ابن سليم الشعر النبطي بأوزانه الشعبية الخليجية، وله مساجلة أدبية نادرة مع الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي، أجابه فيها على البحر والقافية الداخلية نفسيهما بقوله: «يا سعيد جسمي بالي / من لبّاس الختمْ»، في مطابقة عروضية تكشف حسًا موسيقيًا رفيعًا، وهي ظاهرة تستحق وقفة تأمل من القارئ العربي عمومًا: أن يجمع شاعر واحد بين مستويين لغويين مختلفين بمهارة متكافئة، في وقت كان معظم شعراء المشرق العربي ينحازون لمستوى واحد دون الآخر.


ومن أشمل نصوصه الفصيحة قصيدته «النهضة»، التي تنتقل في حركة واحدة من رثاء الفراق والفقد الفردي، إلى التأمل الحكيم في تقلّب الزمن بقوله: «ولكنها الأيام والدهر قلّب / رغائبها قلّ وأحداثها تترى»، وصولًا إلى دعوة جماعية حماسية إلى النهوض بقوله: «فهبوا بني العز الرفيع وبادروا / على الفوز والفعل الجميل بكم أحرى»، في بنية شعرية متكاملة يعدّها كثير من الدارسين نموذجًا مصغرًا لفلسفته الشعرية بأكملها.


لماذا يعني هذا القارئ العربي؟


يستند تكريم اليونسكو لابن سليم إلى ثلاثة اعتبارات تتجاوز حدود دولة واحدة: فهو أولًا نموذج نادر جمع بين الفصيح والنبطي بمستوى فني متكافئ، وثانيًا شاهد على شبكة ثقافية إقليمية امتدت بين الخليج والهند وعُمان في النصف الأول من القرن العشرين، لم تكن معزولة عن محيطها العربي الأوسع كما تكشفه محطته المصرية العابرة، وثالثًا وثيقة إنسانية على مرحلة تأسيس دولة عربية حديثة بأكملها، هي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي سبقت دعوته الشعرية إلى الوحدة قيامها الفعلي بعقود.


فحين يقرأ المصري أو الشامي أو المغاربي سيرة هذا الرجل، لا يقرأ قصة إماراتية محضة، بل يقرأ نموذجًا لما يجمع العرب جميعًا: أن الهوية الثقافية لا تتجزأ عند الحدود، وأن شاعرًا من دبي يمكن أن يكون معنيًا بفلسطين، عابرًا للإسكندرية، قارئًا لتراث الهند، بقدر ما هو ابن بيئته المحلية.


وتتوالى منذ عام 1987م وحتى اليوم المحاضرات والمقالات والمبادرات التوثيقية التي تعيد اكتشاف هذا الرجل. وها هي اليونسكو، بإدراجها اسمه في سجلها، لا تكرّم شاعرًا إماراتيًا فحسب، بل تضيف فصلًا جديدًا إلى الذاكرة الثقافية العربية المشتركة، التي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يذكّرها بأن التراث لا وطن واحدًا له.