عكوش: السعودية تعيد رسم مسارات النفط لتجاوز أزمات هرمز والبحر الأحمر
أكد الدكتور عماد عكوش، الخبير الاقتصادي، أن المملكة العربية السعودية تواجه تحديات مزدوجة نتيجة إغلاق مضيق هرمز من جهة، والتهديدات في البحر الأحمر من جهة أخرى، ما يعطل مسارات التصدير التقليدية، مشيرًا إلى أن المملكة تعمل على تبني استراتيجيات لوجستية مرنة للحفاظ على التزاماتها تجاه العملاء.
مسارات وبنى تحتية بديلة
وفي تصريحات خاصة لـ«سياق 24»، أوضح عكوش أن السعودية خصصت كامل الكميات المتعاقد عليها لثلاث مصافٍ أوروبية على الأقل لشهر سبتمبر، مستفيدة من مسارات وبنى تحتية بديلة، من بينها خط أنابيب الشرق-الغرب ونظام «سوميد».
ولفت إلى أن النفط يُنقل عبر خط الشرق-الغرب من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثم إلى ميناء العين السخنة في مصر، ومنه عبر خط «سوميد» إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، وهو ما أتاح لشركتين أوروبيتين على الأقل استلام شحناتهما من سيدي كرير وتجنب مخاطر البحر الأحمر.
وأضاف أن شركة «أرامكو» لجأت كذلك إلى خيارات أخرى، من بينها النقل من سفينة إلى سفينة (STS) قبالة سواحل مالطا، وهو خيار أُتيح لعميل أوروبي ثالث، إلى جانب بحث نموذج مشابه لما تعتمده الإمارات من خلال مناقشات مع مشترين آسيويين لتوريد النفط عبر ميناء الفجيرة في خليج عمان، بما يسمح بتجنب المرور في مضيق هرمز.

قدرة المملكة على التكيف
وأشار عكوش إلى أن أرامكو استأنفت، خلال الأسبوع الماضي، تحميل النفط من موانئها داخل الخليج العربي، وتحديدًا رأس تنورة والجعيمة، للمرة الأولى منذ أسابيع، حيث جرى تحميل ثلاث ناقلات عملاقة، معتبرًا أن ذلك يعكس قدرة المملكة على التكيف مع اضطرابات طرق الشحن.
وأكد أن الالتزام الأساسي للمملكة يتمثل في الوفاء بالعقود المبرمة مع العملاء، موضحًا أن تأكيد هذا الالتزام جاء متأخرًا أسبوعًا عن موعده المعتاد بسبب الأوضاع المضطربة، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، أولوية الحفاظ على استقرار الإمدادات الأوروبية وبذل الجهود لتجاوز العقبات، حتى إذا تطلب الأمر تغيير مسارات الشحن بالكامل، خصوصًا في ظل معاناة المصافي الأوروبية من نقص إمدادات من مصادر أخرى، بينها خام «CPC» القادم من منطقة البحر الأسود.
وبحسب عكوش، فإن قدرة السعودية على إدارة أزمة التوريد لا تلغي الخسائر والتكاليف الاقتصادية المحتملة على المديين القصير والطويل، إذ يؤدي إعادة توجيه بعض الشحنات عبر مسارات أطول، مثل طريق رأس الرجاء الصالح، إلى زيادة زمن الرحلة من نحو 20 يومًا إلى 50 أو 60 يومًا، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين. كما أن تصنيف موانئ السعودية الغربية ضمن المناطق عالية المخاطر أدى إلى فرض أقساط تأمين مرتفعة، فيما أصبح العثور على ناقلات مستعدة للإبحار إلى موانئ مثل ينبع أكثر صعوبة، وهو ما قد يؤثر على مرونة التسليم خلال الفترة القريبة.
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
وعلى المدى الطويل، يرى عكوش أن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يجعل الخام السعودي أقل تنافسية من الناحية السعرية مقارنة بمصادر أخرى أقل تعرضًا لمخاطر النقل، بما فيها النفط الروسي المخفض أو الإنتاج من مناطق أخرى، وهو ما قد يهدد حصة المملكة في بعض الأسواق الرئيسية. وأضاف أن الشركات الآسيوية بدأت تأخذ في الاعتبار، إلى جانب سعر الخام، مسار الشحن ونوع النفط وتكاليف التأمين واحتمالات التأخير.
كما توقع أن يؤدي تزايد التعقيد وعدم اليقين إلى إعادة النظر في بعض العقود طويلة الأجل، مع احتمال مطالبة المشترين بقدر أكبر من المرونة في نقاط التسليم، أو اتجاه السعودية إلى تضمين بنود قوة قاهرة أكثر شمولًا، بما قد يغير طبيعة العلاقات التجارية التقليدية.
وحذر من أن استمرار هذه التحديات قد يؤثر في سمعة السعودية كمورد يمكن الاعتماد عليه في مختلف الظروف، ويدفع الدول المستوردة، خصوصًا في أوروبا وآسيا، إلى تسريع جهود تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط، بما يحمل تبعات استراتيجية واقتصادية بعيدة المدى.