أطراس.. مكتبة وأكثر.. وأنت منسيُّ وحُرٌّ في خيالك
ليستْ مجردَ مكتبة، بل حالةٌ ثقافيةٌ يمكنُ وصفها بـ (منتدى) أو صالون تقامُ فيه مختلفُ الأنشطة الثقافية والفنية، حيثُ تجري فيها حواراتٌ وسينما وورشٌ فنية، فضلاً عن قراءات الكتب ومناقشة أفكار الكتّاب في جلساتٍ عفوية.
على الطريق إليها كنتُ أرددُ على مسامعي معنى كلمة (أطراس) التي معناها صحف، ومفردُها طِرسٌ ومعناه صحيفةٌ، وتعني أيضًا (كتابٌ محيَ ثمَّ أُعيدت كتابتُه)، ولا أخفي أنني استعنتُ بالقاموس لأستزيدَ معرفةً بالمعنى..
كانت الطريقُ إليها سالكةً بعد الاستدلال عليها وعلى (شارع التانكي) في منطقة الداوودي الممتدِّ طوليًا نحو (المنصور) بكرخ بغداد، بفضل الكتابة اللامعة باسمها في أعلى العمارة التي هي فيها، والتي تقعُ طرفَ شارعٍ فرعي. وقفتُ أمامها وقرأتُ (أطراس.. أكثر من مكتبة)، وبين الكلمات هناك (كوبٌ) يوحي بأنَّ المكان ليس مجردَ متجرِ كتبٍ، لكنَّ العنوان مدهشٌ ومثيرٌ للفضول؛ فمعلوماتي عنها أنها مكتبة لبيع الكتب وتوصيلها، لذلك ازداد فضولي لأعرف ما هذا (الأكثر).. وتتبعتُ الإشارة إلى حيث الطابق الثاني، هناك مصعدٌ وسلّمٌ نظيفٌ، ارتقيتُ السلّم ووجدتني أمام الباب والاسم.
المكان (المكتبة) أسستهُ السيدتان بان وزينب، ابنتا الروائي العراقي الكبير عبد الخالق الركابي، في الشهر الخامس من العام 2024، والاسم (أطراس) مأخوذٌ بحرفنةٍ من أحد عناوين روايات والدهما وهي (أطراس الكلام).
جلتُ في المكان بحثًا عن الـ (..وأكثر)، وقد وجدتُ مئات الكتب تزهو على الرفوف بتشكيلاتٍ هندسية مرتبة بما يسرُّ الناظرَ، تزيّنها العديدُ من الإكسسوارات هنا وهناك. تقومُ المكتبةُ على مساحةٍ صغيرة، لكنَّ اللمسات الأنثوية برعت في جعلها مستوعبةً لكلِّ شيء ومبهجة وقادرة على أن تملأ عينَ الناظر.

أول شيءٍ وقعتْ عليه نظراتي عند الدخول ثماني صور لسبعةِ شعراء وروائيٍّ واحد هو الكبير عبد الخالق الركابي (هذه هي الروعة متجسدة في برِّ الأب، وهي أعظم التفاتةٍ حيث لا بدَّ من حضوره بين الرموز وتحت نظر الابنتين الفخورتين بأبيهما)، ومنه أعلنتُ أنا شخصيًا أنَّ المكتبة فعلاً ليست مجردَ مكتبة تحلّقُ في طبقةٍ ثانية من الفضاء.
أناقة المكان أجبرتني على النظر في أقرب ما أرى، وهي تلك الكلمات على طرف المكتبة (كم أنتَ حرٌّ أيها المنسيُّ في المقهى)!! كلماتٌ رائعةٌ قالها الشاعرُ محمود درويش، وكان عليَّ أن أعود إلى القصيدة لأقرأها وأعرف المغزى من جعلها شعارًا في مكتبة (أطراس)، يقول محمود درويش:
"كم أنتَ حرٌّ أيها المنسيُّ في المقهى
فلا أحدٌ يرى أثرَ الكمنجةِ فيكْ
لا أحدٌ يحملقُ في حضورِكَ أو غيابِكْ
أو يدقّقُ في ضبابِك إن نظرتَ
إلى فتاةٍ وانكسرتَ أمامها
كم أنتَ حرٌّ في إدارةِ شأنكَ الشخصيِّ..
في هذا الزحامِ بلا رقيبٍ منك أو
من قارئٍ
فاصنع بنفسكَ ما تشاء، اخلعْ
قميصكَ أو حذاءكَ إن أردتَ، فأنتَ
منسيٌّ وحرٌّ في خيالك.."
في المغزى.. إنَّ كلَّ ما تحتاجهُ تجدهُ هنا، حسب المواصفات التي ذكرها محمود درويش؛ فالهدوءُ إن شئت، أو الإطلالة على الشارع، أو أن تقرأ حيث خُصّصت زاوية للقراءة والدراسة والاطلاع، وأنت ترتشفُ كوبًا من الشاي أو القهوة، ولكنَّ الأهم: لا أحد له شغلٌ بك، لا ينظرُ إليك ولا يراقبك وأنت هنا (منسيٌّ وحرٌّ في خيالك)، وهذا جلُّ ما يحتاجه الإنسانُ في خلوته.

قرأتُ لافتةً على جدارٍ في المكتبة تشيرُ إلى (قهوة، خلوة، كتاب)، ليست مجرد مكتبة بل أكثر، لكن ليس بعد؛ قرأتُ كلماتٍ على لوحٍ خشبي: (مقهى وأنت مع الجريدة جالسٌ.. لا، لستَ وحدك)، الكلمات لمحمود درويش أيضًا، فيها دلالةٌ على ما يقتضيه الجلوس ها هنا، أنا فسّرتها: "إنني هنا في ظلِّ عزلتي وهدوئي لن أشعرَ بالوحشة".
نعم.. ليست مجرد مكتبة هذه المساحة الصغيرة الطائرة، لكن.. ليس بعد، فالمكتبةُ تحتفي بالصغار من خلال المطبوعات الملونة الجميلة للأطفال حيث خصّصت لها مكانًا مميزًا، مثلما تتميز (أطراس) بميزة (إعارة الكتب). ليس بعد.. فالمكتبة وأكثر تحتضن أسبوعيًا فعالياتٍ وأنشطةً ثقافية وأدبية وموسيقية تزدانُ بالجمال الذي يضفيه الحاضرون من النخبة والمشاركون، بمعنى أنَّ المكتبة تحولت إلى صالونٍ ثقافي حيّ، فيه نادٍ للقراءة، ويقدم عروضَ أفلام، ويقيم جلسات شعر، ويستضيف شخصيات معروفة لإلقاء محاضرات وإقامة ورشٍ للكتابة، ويكون للموسيقى حضورٌ دائمي.
بان الركابي، التي هي طبيبةُ أسنان، تؤكد أنها عاشقةٌ قديمةٌ للكتب، كبرتْ وسط مكتبة والدها حيث لم يكن بيتهم مجرد جدران تضمُّ مكتبة، بل مساحة تنبضُ بالحوارات والنقاشات حيث يجتمع الأدباء والمثقفون ويناقشون مواضيع عميقة، وتوضح: "كنا نرى كيف تتلاقى الأفكار وتتصادم بين المجتمعين، ونعلم أنَّ الكتاب ليس كلماتٍ فقط، بل عالمٌ كاملٌ من الحوار والتفاعل!".

وتتابع: "في (أطراس) لا يقتصرُ الأمر على شراء الكتب، بل يمكنك قراءتها في جوٍّ هادئ، بعد استعارتها، أو حتى الانضمام لنادٍ يناقشها". وتشدد على: "ما أردتُها مكتبةً تبيع كتبًا فحسب.. بل كنتُ أحلم بمكانٍ يشبه الأجواء التي عشتها في طفولتي، مساحة يتلاقى فيها عشاق الأدب والفكر، يتناقشون بحرية، ويتشاركون حب المعرفة".
من ذلك، ومع كلِّ أغراض المكتبة، ترى بان أنَّ للطفل من أفكارها حصةً لا تتناساها، حين تؤكد أنَّ هدفها الأساسي هو (تنمية فعل القراءة عند الأطفال والناشئة). حين تجلسُ في أيِّ مكانٍ من الـ (مكتبة وأكثر..) ستعرفُ أنَّ من السهولة أن تمتدَّ يدك إلى كتابٍ وتطلب فنجان شاي أو قهوة ولن تشعر بالوحشة.