الأخبار

ليس النفط وحده.. الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي

تعبيرية
تعبيرية

رغم أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير لم يُعلن رسميًا بكامل تفاصيله حتى الآن، فإن أسواق الطاقة العالمية بدأت بالفعل في التفاعل مع المؤشرات الأولية والتسريبات المتداولة بشأنه.

فقد سجلت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا مع تنامي التوقعات بإمكانية تخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وعودة جزء من الإمدادات إلى السوق العالمية، فضلًا عن احتمالات استقرار الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.

 

ويرى خبراء أن التأثير الفعلي للاتفاق لن يتوقف عند حدود أسعار النفط، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية، في ظل ما قد يترتب عليه من تغييرات في منظومة العقوبات، وحركة التجارة الدولية، وأمن الطاقة.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي اللبناني حسن مقلد، في تصريحات خاصة لـ"سياق 24"، إن جميع التوقعات تؤكد أن أسعار النفط بدأت تتراجع منذ الإعلان عن هذا الاتفاق، لتصل إلى مستويات أقل. مشيرًا إلى أن هذا الانخفاض جاء نتيجة الاتفاق والتفاهم، لكنه في الوقت نفسه يظل مرتبطًا بحجم الاتفاق ومدى سلامة تطبيقه وآفاق تطوره.

 

وأوضح أن هناك عدة عوامل تتحكم في تأثير الاتفاق على سوق النفط، من بينها الصيغة الجديدة المرتبطة بمضيق هرمز ومدى سلاسة حركة الملاحة فيه، إضافة إلى تقدير حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، والإمكانات المتاحة للتعافي والعودة إلى إنتاج النفط بصورة طبيعية.

 

وأضاف: "هناك مجموعة من العوامل المرتبطة بهذا الملف، لكن من الناحية السياسية العامة لا شك أن الاتفاق سينعكس على انخفاض أسعار النفط، خاصة إذا ترافق مع رفع العقوبات عن النفط الإيراني، لأن ذلك من شأنه تسهيل حركة تجارة النفط وانسيابه بصورة شرعية، وهو ما يؤدي بالتأكيد إلى خفض الأسعار".

 

وأشار إلى أن الأبعاد الأوسع للاتفاق لا تقتصر على الملف الإيراني، وإنما تمتد إلى منظومة العقوبات الدولية بصورة عامة، موضحًا أن "كل هذه العوامل ستنعكس في النهاية بصورة إيجابية على حركة سوق النفط وأسعاره".

 

الفترة الانتقالية وملف مضيق هرمز

وحول الإطار الزمني المتوقع لبدء ظهور آثار الاتفاق، قال مقلد إنه لا يتوقع أن تكون الفترة الانتقالية طويلة. مرجحًا أن تستغرق ما بين أسبوع وعشرة أيام، وهي المدة اللازمة لإعادة فتح مضيق هرمز بصورة انتقالية.

وأضاف أن الاتفاق على آلية إدارة المضيق، وتحصيل الرسوم بين إيران وسلطنة عمان، ومدى انسجام ذلك مع الطرح الأمريكي أو مع المفاوضات الأمريكية، كلها ملفات لا تزال خاضعة للتفاوض.

وأوضح أن ما يُفهم من التسريبات المتداولة حول الاتفاق، مع التأكيد على أنه لم يُعلن رسميًا حتى الآن، هو أنه لا توجد رسوم مفروضة على المرور في المضيق حتى الآن، وأن هذه المسألة قابلة للتفاوض، ولذلك سيظل هذا الملف معلقًا باعتباره جزءًا من المفاوضات الجارية.

وأكد أن "أي انفراجة في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز ستنعكس بصورة مباشرة وإيجابية على أسعار النفط، وعلى انسياب إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية"

تداعيات تتجاوز سوق النفط

 

ويرى مقلد أن تداعيات الاتفاق لن تقتصر على أسواق الطاقة، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، موضحًا أن "الاتفاق، وفق شروطه وآليات تطبيقه، يعكس ميزان قوى حقيقيًا قائمًا في العالم جرى التعتيم عليه لفترة طويلة".

وأضاف أن نتائج الحرب كشفت حجم الأزمة التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، كما عكست الموقع الحقيقي للولايات المتحدة داخل النظام العالمي، معتبرًا أن واشنطن "بدأت تدخل المرحلة الأخرى من عمرها كإمبراطورية"، وأن الحرب والاتفاق معًا "سيسرعان من آليات التراجع، وربما السقوط".

 

وتابع أن الاتفاق سيعكس بصورة أوضح صعود القوى الدولية الجديدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية ارتفع وزنها الاستراتيجي، مثل إيران وباكستان وتركيا.

 

وأشار إلى أن الاتفاق ستكون له انعكاسات كبيرة على منظومة العلاقات في منطقة الخليج، وعلى طبيعة العلاقة بين دول الخليج وإيران وكذلك على علاقاتها مع الصين. فضلًا عن مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية التي تعرضت لضربات في المنطقة، وما إذا كانت ستُعاد بناؤها وعلى أي أسس، وكيف سيُعاد ترتيب منظومة الأمن الإقليمي.

 

واختتم مقلد تصريحاته بالتأكيد على أن الإجابات عن هذه الملفات سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، وعلى الولايات المتحدة، وكذلك على علاقتها بأوروبا، مضيفًا: “أعتقد أننا أمام بداية مسار تاريخي كبير جدًا، وتحولات كانت في السابق مجرد إرهاصات جنينية، وكانت هناك محاولات لمنعها، لكنها اليوم خرجت إلى العلن، ولم يعد من الممكن احتواؤها. وسوف نرى خلال المرحلة المقبلة كيف ستتطور هذه التحولات، وبأي وتيرة، وبأي سرعة”.