انتصار للمجتمعات الساحلية في معركة استمرت 5 سنوات
المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا توقف مشروع شل النفطي
في حكم قضائي بارز قد يعيد رسم قواعد التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل، أوقفت المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا خطط شركة شل وشريكتها «إمباكت أفريكا» لإجراء عمليات استكشاف قبالة منطقة الساحل المتوحش، منهية مرحلة رئيسية من نزاع قانوني استمر نحو خمس سنوات بين شركات الطاقة والمجتمعات المحلية والمنظمات البيئية.
وقضت المحكمة بإلغاء حكم سابق للمحكمة العليا للاستئناف كان قد سمح باستمرار المسار الخاص بحق الاستكشاف وإجراء المسوحات الزلزالية، مؤكدة أن مشاركة المواطنين المتأثرين بالمشروعات التنموية ليست مجرد إجراء إداري ينبغي استكماله، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بالكرامة والحقوق الدستورية للأشخاص والمجتمعات.

بداية الأزمة.. من حق استكشاف إلى معركة قضائية
تعود جذور القضية إلى عام 2014، عندما مُنح حق استكشاف للنفط والغاز لشركة «إمباكت أفريكا» على امتداد منطقة قبالة الساحل الشرقي لجنوب أفريقيا، قبل أن تحصل الشركة على تجديدات لاحقة للحق. وكانت شل، التي أصبحت صاحبة حصة مشاركة في المشروع، تسعى إلى تنفيذ مسح زلزالي لقاع البحر بحثًا عن مؤشرات على وجود احتياطيات من النفط والغاز.
وتعتمد المسوحات الزلزالية البحرية على سحب معدات في البحر وإطلاق موجات صوتية قوية نحو قاع المحيط لتصوير الطبقات الجيولوجية والكشف عن احتمالات وجود مكامن للنفط والغاز. وقد أثارت هذه التقنية اعتراضات من مجتمعات ساحلية ومنظمات بيئية بسبب المخاوف المتعلقة بالحياة البحرية ومصادر رزق الصيادين.
وفي نهاية عام 2021، لجأت مجتمعات من الساحل المتوحش إلى القضاء لوقف عمليات المسح، وحصلت على أمر قضائي مؤقت حال دون المضي فيها. ثم قضت المحكمة العليا في مَخَاندا عام 2022 بإلغاء حق الاستكشاف، معتبرة أن إجراءات منحه لم تستوفِ متطلبات التشاور مع المجتمعات المتضررة، وأن عوامل مهمة تتعلق بسبل العيش والثقافة والبيئة لم تؤخذ بصورة كافية في الاعتبار.
المحكمة تضع «المشاركة الحقيقية» في قلب القرار
الجانب الأكثر أهمية في الحكم الأخير لا يرتبط بالنفط وحده، وإنما بالمبدأ الدستوري الذي أرسته المحكمة بشأن حق المجتمعات في المشاركة في القرارات التي يمكن أن تؤثر في حياتها.
فالقضية كشفت خلافًا جوهريًا حول طبيعة المشاورات التي سبقت منح حق الاستكشاف؛ إذ قالت المجتمعات والمنظمات الداعمة لها إن التشاور لم يكن كافيًا ولم يصل بصورة حقيقية إلى جميع الأشخاص المتأثرين بالمشروع.
وسبق للمحكمة العليا أن أكدت أن التشاور لا يمكن اختزاله في استكمال قائمة من الإجراءات الشكلية، وإنما يجب أن يكون عملية حقيقية ومتبادلة تتيح للمجتمعات التعبير عن مخاوفها ومواقفها بصورة مؤثرة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في منطقة يعتمد سكانها، من بين أنشطة أخرى، على الصيد والموارد البحرية، بينما تمثل المنطقة كذلك جزءًا من الموروث الثقافي والروحي للمجتمعات المحلية.
ضربة لمشروع شل
ويشكل الحكم انتكاسة قانونية واضحة لمشروع شل في الساحل المتوحش، لكنه لا يعني أن جنوب أفريقيا قررت وقف جميع عمليات استكشاف النفط والغاز البحرية.
وتكمن أهمية القرار في أنه يرفع سقف المتطلبات القانونية والاجتماعية أمام مشروعات الموارد الطبيعية، إذ يصبح على الجهات الحكومية والشركات أن تثبت أن المجتمعات المتأثرة حصلت على فرصة حقيقية للمشاركة في القرارات، وليس مجرد إخطارها أو التشاور مع ممثلين عنها بصورة محدودة.
معادلة الطاقة والبيئة
ويضع الحكم الحكومة الجنوب أفريقية أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فمن ناحية تحتاج البلاد إلى استثمارات وموارد طاقة جديدة في ظل تحدياتها المتعلقة بأمن الطاقة والتنمية، ومن ناحية أخرى تتزايد الضغوط لحماية البيئة الساحلية وحقوق المجتمعات التي تعتمد على البحر.
وتشير أوراق القضية نفسها إلى أن المدافعين عن المشروع قدموا استكشاف النفط والغاز باعتباره أحد المسارات الممكنة لمعالجة احتياجات الطاقة والتنمية في البلاد، بينما ركزت المجتمعات والمنظمات البيئية على المخاطر التي قد تطال سبل العيش والبيئة والحقوق الثقافية.
وبذلك يتجاوز حكم المحكمة الدستورية حدود مشروع شل، ليبعث برسالة إلى شركات الطاقة والحكومة مفادها أن الحصول على حق استكشاف الموارد الطبيعية لا يعفي صاحبه من الالتزام بالمشاركة العامة الحقيقية وحماية حقوق المجتمعات المتأثرة بالمشروع.
وتعتبر منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية الحكم انتصارًا لمعركة بدأت منذ سنوات، بينما يمثل بالنسبة إلى قطاع الطاقة تذكيرًا بأن المخاطر القانونية والاجتماعية والبيئية أصبحت عنصرًا أساسيًا في حسابات مشروعات التنقيب البحري في جنوب أفريقيا.