الأخبار

بُشرى الهلالي: وَطني أعظمٌ منْ أنْ يتسبّبَ أبناؤُه في مَرضه

بشرى الهلالي
بشرى الهلالي

بُشرى الهلالي.. كاتبة عراقية ، تعدّدتْ مجالاتُ إبداعها ومثابرتها ، ما بين الصحافة والشعر والرواية حتى الدراما والمسرح ، تأنسُ نفسُها في الكتابة وما تشعرُ به والمهمُّ عندها أنْ تكونَ صادقة مع القاريء لذلك نالتْ اهتماما واستحساناً.

س : عرّفي لنا نفسك  كأديبة؟ بالأسلوب الذي ترتئينه؟

ج- لا تعنيني كثيرًا التسمياتُ. أكتب حين أجد ما أريد قوله، لذلك لا أعرّف نفسي كأديبة أو شاعرة أو صحفية، بل أحب أن أصف نفسي بـ"الكاتبة"، لأنني خضت مجالات مختلفة في الكتابة. أكتب ما أشعر أنه يشبهني في أفكاري وآرائي، وأحرص أن أكون صادقة مع نفسي ومع ما أكتب، بعيدًا عن الانحياز إلى فكرة أو جهة بعينها. وأكتب للقارئ، أيًّا كان مستواه أو خلفيته، لذلك أميل إلى ما يُسمى بـ"السهل الممتنع": لغة واضحة يمكن فهمها بسهولة، لكنها تحمل في عمقها أفكارًا وأسئلة وفلسفات أترك للقارئ حرية اكتشافها وتأويلها كما يشاء. بالنسبة لي، لا تكتمل الكتابة إلا حين تترك للقارئ مساحة ليكون شريكًا فيها.

 

س: أيّ الطريقين كان الاقرب اليك طريقَ الشعر ام طريق الرواية ؟

ج- الشعرُ جاءني بمحض المصادفة، أما الرواية فجاءت بعد أن تكاملت أدواتي في الكتابة، وكأنها كانت الطريق الذي قادني إليه تراكم التجربة. لذلك، ورغم محبتي للشعر وخصوصيته، تبدو الرواية اليوم هي الأقرب إليّ، وربما لأنها تمنحني مساحة أوسع لأقول ما أريد، وأن أترك للشخصيات والأحداث أن تتنفس بحرية.

 

س: ما الذي أغوتك فيه الرواية لتذهبي اليها بهذا الشغف  ؟

ج- أغرتني الرواية بقدرتها على الاقتراب من الواقع بكل تفاصيله؛ بشخوصه وأمكنته وأفعاله، وما يختبئ خلفها من أفكار وملابسات. وواقعنا العراقي، خصوصًا خلال العقود الأخيرة، كان حافلًا بالمتغيرات والتحولات التي تستحق أن نتوقف عندها، وأن نحاول فهمها وتحليلها من خلال السرد. ربما يمكن القول إنني انتقلت في الكتابة من الخاص إلى العام؛ فالشعر يميل إلى التعبير عن حالة وجدانية أو إنسانية مكثفة، بينما تمنحني الرواية مساحة أوسع وأكثر شمولًا لمناقشة أفكار وقضايا متعددة، والدخول في حوار أكثر وضوحًا واتساعًا مع القارئ.

ثم هناك شغفي ببناء الشخصيات. الشخصية الروائية بالنسبة لي عالم متكامل، ومن خلالها يستطيع الكاتب أن يكشف الكثير عن الإنسان والمجتمع، فهي تتشكل في الغالب من تداخل عوامل نفسية وسوسيولوجية معقدة. وربما لهذا أحببت الرواية؛ لأنها تمنحني فرصة لأخلق هذا العالم، ثم أترك شخصياتي تعيش فيه وتكشفه بطريقتها.

 

س  : في الخطوة الاولى لك للكتابة اليومية ايهما ينتصر الشعر ام الرواية ام المقالة ؟

ج- توقفت عن كتابة الشعر منذ مدة، وأركّز حاليًا على كتابة الرواية، وأحيانًا النقد. أما المقال، فأكتب منه أحيانًا نصوصًا خفيفة تناسب النشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وأحيانًا مقالات تحمل أفكارًا سياسية أو اجتماعية أو فلسفية، وتنشر في الصحف والمجلات. لكنني، في الحقيقة، لا أكتب يوميًا بالمعنى الحرفي. قد تمر أيام دون أن أكتب شيئًا، فأنا لا أتعامل مع الكتابة بوصفها عادة يومية أو واجبًا منتظمًا؛ أكتب حين أشعر أن لدي ما يستحق أن يُقال، وحين تستدعيني الكتابة فعلًا.

 

س: تنوعت مجالاتك الابداعية ،ما الذي دفعك الى كتابة المسلسل الدرامي والمسرحية؟

ج- كتابة الدراما كانت شغفًا، وربما كانت هي التي قادتني لاحقًا إلى طريق الرواية. كانت بدايتي مع الكتابة من خلالها في منتصف التسعينيات، وجاء ذلك بمحض الصدفة؛ فقد دفعتني حاجتي إلى العمل آنذاك إلى خوض تجربة كتابة الدراما، لكنني أحببتها وواصلت التجربة.

للأسف، أصبحت الدراما اليوم أكثر خضوعًا لمنطق السوق، ولذلك تقلصت فرص الكتابة فيها، رغم أن شغفي بها لم يتراجع. أما كتابة المسرح، فجاءت بالنسبة لي تحديًا أحببته، لكن المسرح يرتبط أيضًا بظروف إنتاجية خاصة. وربما أعود إلى الكتابة للمسرح مرة أخرى حين تتوافر الفرصة الإنتاجية الملائمة.

 

س : الا يؤثر هذا التشتت على قيمتك الابداعية في مجال واحد ؟

ج - لا أرى في ذلك تشتتًا، فالتنوع في تجربتي جاء على مراحل مختلفة. حين بدأت بكتابة الدراما، في التسعينيات، كنت متفرغة لها تمامًا، وحين بدأت العمل في الصحافة عام 2004، تفرغت للصحافة، وكنت أكتب الشعر في أوقات الفراغ. ثم اتجهت إلى الرواية حين شعرت أن الوقت قد حان لأمنحها اهتمامي الكامل. لذلك، لا أنظر إلى تجربتي بوصفها جمعًا بين أكثر من نوع أدبي في الوقت نفسه، بل أتعامل مع كل مشروع كتابي باعتباره منجزًا إبداعيًا يستحق التفرغ، بغض النظر عن شكله أو جنسه الأدبي. أحيانًا تفرض الظروف أو الحاجة إلى إنجاز مشروع معين أن أركز عليه وأترك المشاريع الأخرى، وفي حالات قليلة أجمع بين مشروعين عندما تقتضي الضرورة ذلك. باختصار، الكتابة بالنسبة إليّ فعل إبداعي، ولا أحب أن أضعه في شكل واحد أو أحصره في قالب واحد.

 

س: لا بد للكاتب من تجربة أولى يخفيها عن النشر .. اين كانت التجربة الاولى؟

ج - ربما أخيّب ظن السؤال قليلًا، إذ لا أملك تجربة أولى مخفية بالمعنى الدقيق. كانت بداياتي مجرد قصاصات ورق ومقاطع مبعثرة تجمع بين الشعر والنثر، كتبتها خلال مرحلتي الدراسة الثانوية والجامعية، ولم تتخذ يومًا شكل منجز متكامل، كرواية أو مجموعة شعرية أو أي جنس أدبي آخر. وبدقة أكثر، فإن أول منجز شعري نشرته كان مجموعتي الشعرية، حين شعرت أنها تكاملت وأصبحت جاهزة للنشر. أما الرواية، فلم تكن لديّ أي تجربة سابقة فيها قبل أن أكتب رواية "المواطنة 247". لذلك لم يكن هناك، في الحقيقة، عمل أخفيته عن النشر، بقدر ما كانت هناك محاولات أولى تركتها في أوراقي ولم أشعر يومًا بأنها تستحق أن تتحول إلى كتاب.

 

س : ما السؤال الذي يراودك دائما وليست له اجابة؟

ج -سؤال واحد؟ زمننا يغصّ بالأسئلة؛ بعضها نعرف إجاباته، لكننا لا نجرؤ على النطق بها، وبعضها عصيّ على الإجابة، وربما سيظل كذلك. لذلك يصعب عليّ أن أختزل كل ما يراودني في سؤال واحد. أحيانًا أشعر أن الأسئلة التي لا نجد لها إجابات هي التي تدفعنا إلى الكتابة؛ فالكتابة، في جوهرها، ليست بحثًا عن أجوبة بقدر ما هي محاولة لفهم الأسئلة التي تؤرقنا.

 

س : لماذا بدأت بالشعر ؟ ام أنك لم ترغبي أن تكوني كاتبة روائية ؟

ج -حين كتبت الشعر، لم أكن أعلم أنني سأكتب رواية يومًا ما. كان الشعر تجربتي الأولى، وربما هو الطريق الذي يمر به كثير من الكتّاب؛ بعضهم يستمر فيه، وبعضهم ينتقل إلى أشكال أخرى حين تتغير اهتماماته أو تتغير حاجته إلى التعبير.أما أنا، فأشعر اليوم أنني لم أعد قادرة على كتابة الشعر كما كنت أفعل، لأنه كان بالنسبة إليّ هواية ومحاولة للتعبير عن مرحلة معينة من حياتي. وكانت تلك المرحلة مزدحمة إلى الحد الذي لم أكن أجد معه الوقت الكافي لكتابة رواية. ثم جاءت الرواية في وقت أصبحت فيه لديّ الرغبة والقدرة على التفرغ لها. وأعتقد أن الصحافة، رغم أنها تضيف الكثير إلى تجربة الكاتب وتمنحه معرفة واسعة بالحياة والناس، قد تسرق منه شيئًا من استقلاليته في الكتابة، فهي تفرض إيقاعها وموضوعاتها ووقتها. وربما لهذا احتاجت الرواية إلى أن أنتظر حتى أجد المساحة التي أستطيع فيها أن أكتب بحرية أكبر.

 

س  : كتبت (لن تشفى مني) لكنما الالم كان فيك .. لماذا؟

ج -الشعر، في جوهره، تعبير عن المشاعر، ولولا الألم لما ظهر مشروع "لن تشفى مني" إلى النور. لا يمكن للكاتب أن يتنصل من تجاربه، خصوصًا في الشعر الوجداني، لأن ما نكتبه في كثير من الأحيان هو محاولة لفهم ما عشناه وإعادة النظر فيه. وأرى أن الألم يمكن أن يكون حالة صحية حين يتحول إلى تجربة للشفاء، لا إلى مجرد استسلام له أو تعاطٍ دائم معه. لذلك لم تكن الكتابة عن الألم بالنسبة إليّ استحضارًا له بقدر ما كانت محاولة للخروج منه، وتحويله إلى شيء يمكن تأمله والتصالح معه.

 

س  : ما مصدر شخصيات روايتك ؟

ج - مصدر شخصياتي هو الحياة، والواقع، والخيال بالطبع. هناك شخصيات استقيتها تمامًا من أشخاص أعرفهم، مع تطويرها بما يتناسب مع البناء الدرامي وفكرة العمل، وهناك شخصيات متخيلة لم ألتقِ بها مطلقًا، وأخرى سمعت عنها أو التقطت ملامحها من حكايات وتجارب الآخرين. أعشق التنوع في الشخصيات، وأحرص على بنائها بطريقة تجعلها مقنعة للقارئ، وأهتم كثيرًا بتطورها النفسي وتحولاتها الداخلية. وأحيانًا ألجأ إلى البحث والتدقيق في علم النفس وعلم الاجتماع، إلى جانب قراءة الواقع السياسي والاجتماعي، لأتمكن من خلق شخصية واقعية وقريبة من القارئ، لا تبدو مجرد أداة لخدمة الحكاية. وأكثر ما يسعدني أن أسمع من قرائي أنهم وجدوا أنفسهم في بعض شخصياتي؛ عندها أشعر أن الشخصية تجاوزت حدود الرواية، وأصبحت جزءًا من تجربة القارئ نفسه.

 

س : ما الذي استفزك لتكتبي روايتك الاولى (المواطنة ٢٤٧ ) ؟

ج - نحصر اهتمامي بمراقبة انقطاعات التيار الكهربائي، وتحويل المولد، ومراقبة الأجهزة الكهربائية. كما أن انقطاع الكهرباء يحرم معظم العراقيين من النوم ليلًا، فيحوّل نهاراتهم إلى تعب وإرهاق لا يتركان للمبدع، وللإنسان عمومًا، مساحة كافية للتفكير والإنجاز. لكن المسألة بالنسبة إليّ تجاوزت كونها مشكلة تقنية، فقد أصبحت الكهرباء عاملًا أساسيًا في استقرار الإنسان، وانقطاعها نوعًا من تعطيل الحياة، وربما حجبًا للوعي والتفكير والإبداع. وفي الوقت نفسه، كنت أرغب في الكتابة عن وضع العائلة، والمرأة تحديدًا، خلال الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق في التسعينيات، وما خلّفه من ضغوط قاسية عطّلت حياة الإنسان واستنزفت قدرته على الإبداع، بل وأثرت في إنسانيته نفسها. وهكذا تداخلت الفكرتان: انقطاع الكهرباء بوصفه تعطيلًا للحياة اليومية والوعي، والحصار بوصفه تعطيلًا أعمق للإنسان، ومن هذا التواشج وُلدت "المواطنة 247".

 

س: ما سر هذا الرقم بالنسبة لك ؟

ج - لا يوجد سر بالمعنى الحقيقي. اخترته عشوائيًا، فأنا أحب الرقم 7، وأحرص غالبًا على أن يكون حاضرًا ضمن اختياراتي في كثير من الأمور الحياتية. لكنني أؤمن أن بعض الأشياء تأتي إلينا دون تخطيط، وأراها أحيانًا جزءًا من حقل الإلهام؛ إشارات صغيرة تولد في طريقنا وتقودنا، من حيث لا ندري، إلى ما لم نكن نعرف أننا نبحث عنه. بعد أن وضعت الرقم 247 ضمن عنوان الرواية، تنبهت إلى أن مجموع أرقامه يساوي 13، وهو تاريخ ميلادي. لم أخطط لذلك إطلاقًا... أليس غريبًا؟

 

س : اية معاناة كانت لديك لترجمة تجربتك في الغربة الى رواية "توقيت آخر للحياة"  وليس الى شعر؟

ج - الأمر مختلف تمامًا. رواية "توقيت آخر للحياة" عمل كبير، تنتقل فيه الشخصيات بين أماكن مختلفة وأزمنة متعددة وتجارب إنسانية غزيرة، ولا أظنني كنت قادرة على اختصار كل هذه التجارب الإنسانية والسياسية والعاطفية في نصوص شعرية.الرواية هنا لا تتحدث عن شأن شخصي أو وجداني فحسب، بل عن وطن ينهار، وأجيال تولد وتكبر دون هوية وطنية واضحة، ونساء يتخبطّن في سعيهن لإثبات وجودهن. لذلك كانت الرواية الشكل الأقدر على احتواء هذه المساحة الواسعة من التجربة. أما إذا وصفنا ذلك بـ"المعاناة"، فهي لم تكن ناتجة عن الغربة وحدها. الغربة منحتني، على العكس، مسافة كافية لرؤية الأشياء بوضوح أكبر، وتأملها وتحليلها بصورة أدق. أما المعاناة الحقيقية، فكانت في جرح الوطن والحب، وفي الإنسان الذي تتقاذفه الظروف السياسية والاجتماعية، دون أن يجد أحيانًا الوقت الكافي ليعرف حقيقته وما الذي يريده.

 

س: ما الصرخة التي انطلقت منك وانت في صراعات نيروبي ؟.

ج - نستحق أن نعيش كباقي البشر، ووطني أعظم من أن يتسبب أبناؤه في مرضه.

 

س  : هل انت "ملك" التي اثقلتها الجراح  فلم تجد الا ان تكتب؟

ج - في جزء منها. لا أظن أن هناك كاتبًا لم يبعثر شيئًا من ذاته على شخصياته. كنت في معظم شخصياتي، ولم أكن، وملك ليست أنا بالتحديد، إلا في جانب واحد نقلته حرفيًا كما عشته؛ وهو تجربتي مع تظاهرات تشرين. كنت ضمن الفريق المسؤول عن متابعة الانتهاكات التي واجهها المتظاهرون، وكنت على تماس مباشر مع الأحداث والناس، لذلك فإن الجزء المتعلق بتشرين في الرواية بُني على مشاهداتي وتجربتي، بل إن الشهداء الذين ترد أسماؤهم وأحداثهم في الرواية أناس حقيقيون، وليسوا شخصيات متخيلة، وحرصت على الالتزام بالسياق التاريخي للأحداث. أما ملك، فكانت رسالتي إلى القارئ، أو ربما وسيلتي لبث بعض الأفكار التي أردت مناقشتها. فأنا أؤمن أن الكاتب لا يكتب الحكاية للمتعة وحدها، وإنما يحمل، في مكان ما من عمله، فكرة أو سؤالًا أو رؤية يحاول أن يضعها أمام القارئ، ويترك له بعد ذلك حرية التعامل معها وتأويلها.

 

ص : ما المشاعر التي كانت تخالجك ما بين لحظة الإقلاع من نيروبي ولحظة الهبوط في بغداد كمواطنة وانسانة ؟

ج - كانت نيروبي من أجمل تجارب حياتي، وربما من أكثرها تأثيرًا في تكويني الإنساني. لم تكن مجرد مكان عشت وعملت فيه، بل تجربة غيّرت شيئًا في داخلي، وجعلتني أرى نفسي والعالم من زاوية مختلفة. كتبت مرة، ولم أنشر ما كتبت ":الطائرة التي حملتني من بغداد إلى نيروبي للمرة الأولى، كانت هي نفسها التي أعادتني إلى بغداد، لكن المرأة التي عادت لم تكن أنا تمامًا، بل نسخة أفضل مني." لذلك، كانت لحظة الهبوط في بغداد تحمل مشاعر كثيرة؛ فرح العودة، وثقل ما تركته خلفي، وامتنانًا لتجربة أعرف أنها لن تتكرر بالطريقة نفسها.

 

س : ما الاسئلة التي تقف امامك على الورقة وانت تفكرين للبدء بالكتابة ؟

ج - أتساءل أولًا إن كان ما أكتبه حقيقيًا. لا أحب أن أخدع القارئ أو أوهمه بشيء لا أؤمن به أو لا أعرفه تمامًا. وأسأل نفسي أيضًا: هل سينفع ما أكتبه أحدًا؟، لذلك كثيرًا ما أعود إلى نصوصي وأعدل فيها، لأنني أحاول أن أتعامل معها كقارئ لا ككاتبة، أضع نفسي مكان القارئ، وأتساءل إن كانت هذه الكلمة ستستوقفه أو تزعجه، وإن كان هذا الموضع قد يثير اهتمامه أم يدفعه إلى الملل. وفي كل مرة أبحث عن فكرة جديدة، غير مكررة. وإذا لم أجد ما يستحق أن يقال، فلا أجد داعيًا للكتابة. فالصمت، بالنسبة إليّ، أفضل من تكرار الكلام.

 

س : ما الذي يجذبك أكثر في نشر نصوصك على الفيس بوك ؟

ج - ما يجذبني في نشر نصوصي على فيسبوك هو أنه فضاء لعامة الناس، بأذواقهم وأعمارهم وتجاربهم المختلفة. لذلك أحرص على أن تكون منشوراتي بسيطة وقريبة من الحياة اليومية، وأن تتناول موضوعات اجتماعية وإنسانية عامة، ولا أتعامل معها بالطريقة نفسها التي أكتب بها الرواية أو المقال النقدي. وأكثر ما يسعدني أن تصلني رسائل من القراء يقولون فيها إن ما كتبته مسّهم أو جعلهم يفكرون في مشكلاتهم بطريقة مختلفة، وربما دفعهم إلى البحث عن حلول لها. وأميل كثيرًا إلى بث الأمل والتفاؤل في ما أكتب؛ فقد اكتفى الناس بما يواجهونه من أخبار مأساوية وملفقة ومحطمة للروح، وخصوصًا الإنسان العراقي الذي عاش عقودًا مثقلة بالأزمات. لذلك أرى أن على الكاتب العراقي، تحديدًا، أن يفكر أيضًا في مسؤوليته تجاه الإنسان، وأن يسهم في دعمه نفسيًا وإنسانيًا، ويساعده على الانتقال من مرحلة الهدم التي عاشها طويلًا إلى مرحلة البناء.

 

س: هلْ يهمُّك رأي النقاد في تجاربك الادبية ؟

ج - بالتأكيد. أظن أن كل كاتب يهتم برأي النقاد، لكن النقد لا يحبطني، كما أن المديح لا يشعرني بالغرور أو بالاكتفاء. أستفيد كثيرًا من ملاحظات بعض النقاد، خصوصًا تلك التي تساعدني على تطوير حرفة الكتابة. وحتى الملاحظات التي لا أتفق معها أتوقف عندها وأدقق فيها؛ فقد أكتشف أنها تفتح أمامي زاوية لم أنتبه إليها، أو تنبهني إلى أمر يستحق إعادة النظر.

لكنني، في الوقت نفسه، لا أرى أن النقد الأدبي اليوم يفي دائمًا بحق الكتاب والكاتب. فبعضه مجامل، وبعضه سطحي، وهذا يجعل أفكارًا وتجارب مهمة تمر أحيانًا من دون أن تحظى بالقراءة النقدية التي تستحقها. لذلك أقدّر النقد الحقيقي، حتى حين يختلف معي، لأنه يضيف إلى العمل ولا يكتفي بالحكم عليه.

 

س :  متى شعرتِ إنك تريدين هجر الكتابة ؟

ج - لم ينتابني هذا الهاجس، ربما لأن الكتابة ليست حرفة بالنسبة إليّ بالمعنى المتعارف عليه، ولست مجبرة على التعامل معها كمصدر للرزق، هي، قبل كل شيء، هواية أستمتع بها.

أحيانًا أشعر بالألم حين ألاحظ تراجع القراءة، وأننا نكتب في كثير من الأحيان لعدد محدود من القراء. لكنني أفرح أيضًا حين أشعر أن ما كتبته ترك أثرًا في شخص قرأه، حتى لو كان عدد هؤلاء القراء على أصابع اليد. بالنسبة إليّ، قد يكون وصول النص إلى عدد قليل، لكنه ترك أثرًا حقيقيًا فيهم، أكثر قيمة من انتشار واسع لا يترك شيئًا وراءه.

 

س: هل تشعرين بالغربة .. ام تتوقين اليها ؟

ج - إنه زمن الاغتراب يا صديقي، ومن منا لا يشعر بالغربة؟ تلك الغربة التي تحملنا إليها الطائرات، مهما طال بها الزمن أو قصر، قد تكون جميلة وممتعة، لكن الغربة الحقيقية هي أن تعيش في عالم تتواصل فيه مع عشرات الناس الذين كبرت بينهم وعرفتهم، ثم تشعر أنك تغربت عنهم. أما الغربة بالمعنى الجغرافي، فلا أتوق إليها. فكل يوم أعيشه بعيدًا عن بغداد هو، بالنسبة إليّ، قتل بطيء. لكنني تعلمت أن أحوّل كل تجربة، وكل يوم، إلى درس، وأن أتعايش مع الظروف كما هي، من دون أن أفقد رغبتي في العودة.

 

س: كيف تنظرين الى واقع الادب النسوي العراقي ؟

ج - لا أميل كثيرًا إلى مصطلح "الأدب النسوي". فالمرأة الكاتبة اليوم تكتب في مجالات وقضايا متعددة، وشهدت السنوات الأخيرة ظهور أعمال روائية مهمة لم تكن المرأة فيها دائمًا محور الفكرة، حتى وإن كانت الشخصية الرئيسية. أرى أن القضية في كثير من الأحيان إنسانية قبل أن تكون نسوية، خصوصًا حين تتناول الأعمال قضايا الحرب والسياسة والفقد والغربة؛ فهذه قضايا تمس الإنسان، رجلًا كان أم امرأة. أما حين يتمحور العمل بصورة أساسية حول قضية المرأة وتجربتها وحقوقها وأسئلتها، فذلك بحث آخر، ويمكن عندها أن يكون وصف "نسوي" أكثر دقة. أنا مع أن تكتب المرأة عن قضاياها، لكنني لا أرى ضرورة أن تُحاصر كتابتها داخلها.

 

س  : ما الذي يتأرجحُ في داخلك ؟

ج - روضة أطفال، ساحة عامة… لا أجد وصفًا دقيقًا. كل ما أعرفه أن رأسي يمتلئ دائمًا بعشرات الأفكار؛ بعضها مهم وبعضها سطحي، ومع ذلك أحبها وأحترمها جميعًا. أما المشاعر، فهي ما أحرص على تربيته دائمًا؛ لأن المشاعر، كما أراها، مصيدة، قد ترتقي بالإنسان إلى أعلى درجات الإنسانية، وقد تهبط به إلى أسفل الدرك. لذلك أحاول أن أزيح عن كاهلي المشاعر السلبية التي قد تلوث إنسانيتي، وأبتعد قدر الإمكان عن الأشخاص الذين يتعاطون مع الحياة من خلال السلبية. يمكنني القول إنني أسعى دائمًا إلى موازنة الأرجوحة في داخلي؛ فلا أسمح لها بأن تقذفني بعيدًا، ولا بأن تسقطني أرضًا.

 

س: هلْ يمكنُ أنْ يذهبَ خيالك الى المدينة التي ولدت فيها ووصفها بكلمات؟

ج - ولدت في بغداد، وبغداد أمي وعشقي. حين شهدت حرائقها وتمزيقها، اقتربت منها أكثر، ولم أهجرها مطلقا. كنت أواسيها وأنتظر معها يومًا يشفي جراحها. ورغم أنني نشأت في كربلاء، وأكملت فيها دراستي قبل المرحلة الجامعية، ظل انتمائي إلى بغداد حيًا. رأيت صورة بغداد الحقيقية في عيون الغرباء، من أبناء الوطن العربي والجنسيات المختلفة الذين عملت معهم، كانوا يعرفونها أحيانًا أكثر من بعض أبنائها، وهذا ما يؤلمني. هناك، في الغربة، كنت أشعر بالفخر لأنني ابنتها، وهنا أشعر أنني أسمع أنينها وهي تشكو جحود بعض أبنائها. فيها من الحنان ما يكفيني، وعلى كتفها كبرت أحلامي. وحين أغادرها، أظل أدقق النظر يوميًا في تذكرة رحلة العودة، كأنها تعاتبني على الغياب.