الأخبار

سيوفي لـ«سياق 24»: إصلاح النظام السياسي اللبناني يبدأ بتغيير قواعد اللعبة

 الأزمة السياسية
الأزمة السياسية في لبنان

أكد د. ليون سيوفي، الباحث والكاتب السياسي، أن الأزمة السياسية في لبنان لم تعد تقتصر على الخلافات بين القوى والأحزاب، وإنما أصبحت مرتبطة بشكل أعمق بطريقة إنتاج السلطة نفسها، معتبرًا أن استمرار النظام الحالي دون إصلاحات جوهرية يهدد قدرة الدولة على العمل ويُبقي مصالح الطبقة السياسية فوق مصالح المواطنين.

وقال سيوفي في تصريحات خاصة لـ«سياق 24» إن من أكثر المفارقات وضوحًا في المشهد اللبناني أن النواب يمكن أن يختلفوا حول القضايا المصيرية ويتبادلوا الاتهامات والخطابات، ثم يجدون سريعًا أرضية مشتركة عندما يتعلق الأمر بزيادة رواتبهم أو الحصول على مكتسبات جديدة.

مشكلة إعادة إنتاج السلطة

وأضاف أن هذه المفارقة تطرح سؤالًا أساسيًا حول مدى استمرار المجالس النيابية، بصيغتها الحالية، في التعبير عن الإرادة الحقيقية للشعب، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بأداء نائب أو حزب، وإنما بالنظام الذي يسمح بإعادة إنتاج السلطة بالطريقة نفسها.

وأشار سيوفي إلى أن فكرة البرلمان باعتباره أداة لتمثيل الشعب ترسخت منذ الثورة الفرنسية عام 1789، لكن مرور أكثر من قرنين يفرض، بحسب رأيه، إعادة النظر في بعض المسلمات المرتبطة بالديمقراطية، وفي مقدمتها اعتبار الأكثرية العددية معيارًا كافيًا للحكم على صواب القرار أو كفاءة من يتخذه.

وقال إن «العدد لا يصنع الحقيقة»، موضحًا أن الأكثرية قد تكون على صواب وقد تكون مخطئة، وأن الحصول على أغلبية الأصوات لا يعني بالضرورة امتلاك الكفاءة أو القدرة على إدارة الدولة.

ولفت إلى أن الانتخابات يمكن، في بعض الأنظمة، أن تتحول إلى وسيلة لوصول أصحاب المال والنفوذ والطائفية والحزبية إلى السلطة، قبل أن تتحول السلطة نفسها إلى شبكة لحماية هذه المصالح تحت غطاء التمثيل الشعبي.

التفكير في شكل الديمقراطية

وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، يرى سيوفي أن النائب قد يصل إلى البرلمان بأصوات المواطنين، لكنه يصبح بعد ذلك مرتبطًا بالحزب أو الزعيم أو المصالح السياسية، بينما يفقد الناخب قدرته الفعلية على محاسبته بعد انتهاء العملية الانتخابية.

وشدد على أن «الأكثرية لا تمنح أحدًا حق امتلاك الوطن، والانتخاب لا يعطي السياسي شيكًا على بياض»، مؤكدًا أن الديمقراطية لا ينبغي أن تختزل في مجرد الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

وأكد سيوفي أن الحل، من وجهة نظره، لا يتمثل في إلغاء الديمقراطية أو استبدال البرلمان بنظام استبدادي، وإنما في إعادة التفكير في شكل الديمقراطية نفسها، والانتقال من «ديمقراطية الأرقام» إلى «ديمقراطية المسؤولية»، ومن تمثيل الأشخاص والولاءات إلى تمثيل المصالح الحقيقية للمواطنين.

إعادة النظر في الدستور

وانتقل سيوفي إلى مسألة الدستور اللبناني، معتبرًا أن استمرار الأزمات السياسية والانقسامات والتعطيل والمحاصصة يجعل فتح نقاش جدي حول قواعد النظام السياسي أمرًا ضروريًا.

وقال إن الدستور «ليس نصًا مقدسًا لا يتغير»، وإنما عقد ينظم حياة الدولة ويمكن تطويره بما يتناسب مع تطورات المجتمع وحاجاته، داعيًا إلى بحث إمكانية إدخال تعديلات جذرية على النظام السياسي اللبناني.

وأوضح أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يعيد تنظيم العلاقة بين السلطات، ويحد من الطائفية السياسية، ويعزز استقلال القضاء وآليات المحاسبة، ويمنع تعطيل المؤسسات، فضلًا عن وضع الكفاءة والمصلحة الوطنية فوق الولاءات الطائفية والحزبية.

وأضاف أن لبنان لا يحتاج إلى دستور جديد لمجرد تغيير الوجوه السياسية، وإنما إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها، بحيث تصبح الدولة أقوى من الزعيم، والقانون أقوى من السلطة، والمواطن أقوى من الطائفة.

واعتبر سيوفي أن استمرار قدرة الطبقة السياسية على الاتفاق حول مصالحها، في الوقت الذي تعجز فيه عن الاتفاق على حلول للأزمات التي يعيشها اللبنانيون، يكشف حجم الخلل في النظام الحالي.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم في لبنان لم يعد فقط «من ننتخب؟»، وإنما «هل آن الأوان لأن نعيد التفكير في الطريقة التي ننتخب ونحكم بها؟»، مشددًا على أن إصلاح النظام السياسي لم يعد ترفًا، وإنما أصبح ضرورة لإنقاذ مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطنين.