من تحت الأنقاض إلى إعادة الإعمار.. زلزال كولومبيا يختبر الحكومة الجديدة
دخلت كولومبيا مرحلة جديدة من إدارة واحدة من أعنف الكوارث التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، بعدما خلف زلزال بقوة 7.4 درجة مئات القتلى وآلاف المتضررين، وفرض على الحكومة الجديدة الانتقال سريعًا من الملفات السياسية إلى مواجهة أزمة إنسانية واسعة.
وضرب الزلزال غرب كولومبيا صباح 10 أغسطس عند الساعة 7:34 بالتوقيت المحلي، وكان مركزه قرب سان خوسيه ديل بالمار في إقليم تشوكو، على عمق يقارب 107 كيلومترات، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وبحلول 12 أغسطس، ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 234 قتيلًا و1,310 مصابين، بينما سجلت السلطات انهيار 153 مبنى في عدد من المدن المتضررة. وكانت كالي وبيريرا الأكثر تضررًا من حيث عدد الوفيات، في حين سجل إقليم تشوكو خسائر كبيرة بحكم قربه من مركز الزلزال.
وبينما تتواصل عمليات البحث عن ناجين، بدأت ملامح أزمة أكبر في الظهور: أزمة البنية التحتية.
فالكارثة لم تضرب المنازل فقط، وإنما أصابت شبكة الخدمات التي تعتمد عليها عملية الإنقاذ ذاتها. وتضررت طرق رئيسية، وأغلقت مطارات عدة بصورة مؤقتة، كما تعرضت منشآت صحية ومدارس ومبانٍ عامة لأضرار متفاوتة. وأفادت تقارير بأن مستشفى جامعيًا في كالي تعرض لانهيار جزئي، فيما جرى إخلاء عدد من المنشآت الصحية بسبب مشكلات إنشائية.
وتكشف هذه التطورات أن إدارة الكوارث لا تبدأ من لحظة وصول رجال الإنقاذ إلى موقع الانهيار، بل تعتمد على شبكة كاملة من الطرق والمطارات والمستشفيات والاتصالات والطاقة، وهي الشبكة التي يمكن أن تصبح هي نفسها ضحية للزلزال.
وفي كالي، إحدى أكبر المدن المتضررة، دفعت السلطات بمزيد من فرق الإنقاذ المتخصصة للمشاركة في البحث عن العالقين، بينما جرى إنشاء مراكز قيادة لتنسيق عمليات الطوارئ. كما استنفرت السلطات فرقًا من مدن أخرى لتعزيز الاستجابة في المناطق التي تحتاج إلى دعم إضافي.
وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومة التفكير في اليوم التالي للكارثة.
فوزير الداخلية رودريغو لارا أشار إلى أن مرحلة الإنقاذ العاجلة ستتبعها مرحلة لإعادة الإعمار تحتاج إلى آلية متخصصة للإشراف عليها، في إشارة إلى أن حجم الدمار يتجاوز إمكانات المعالجة المؤقتة.
وهذا التحول من الإنقاذ إلى إعادة البناء سيكون واحدًا من أصعب الاختبارات أمام الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييّا، الذي تولى السلطة رسميًا في 7 أغسطس، قبل ثلاثة أيام فقط من وقوع الزلزال.
فالحكومة الجديدة مطالبة الآن بإدارة أزمة ضخمة، وتأمين المساعدات، وإعادة الخدمات الأساسية، وتوفير المأوى للمتضررين، وفي الوقت نفسه وضع تصور لإعادة بناء المدن والمناطق الريفية التي أصابها الزلزال.
وتشير البيانات الأولية إلى أن الأضرار واسعة النطاق؛ فقد تضرر أكثر من 1,500 منزل، ودُمر عشرات المنازل والمباني بالكامل، كما تأثرت عشرات المدارس والطرق الرئيسية، في حين طالت الأضرار مرافق صحية ومطارات ومنشآت عامة.
وتعني هذه الأرقام أن فاتورة الكارثة لن تكون إنسانية فقط.
فإغلاق الطرق يضغط على حركة التجارة، وتوقف المطارات يؤثر في النقل والسياحة والأعمال، وتعطل المدارس والمستشفيات يفرض تكلفة اجتماعية إضافية، بينما تحتاج الأسر التي فقدت منازلها إلى مساعدات مباشرة لفترة قد تمتد إلى ما بعد انتهاء عمليات الإنقاذ.
كما أن إعادة الإعمار ستكون اختبارًا لقدرة الدولة على توزيع الموارد. فالمدن الكبرى تمتلك عادة إمكانات بشرية ومؤسسية أكبر، بينما تحتاج المناطق الريفية والنائية إلى وسائل نقل إضافية وفرق متخصصة حتى تصل إليها المساعدات بالسرعة المطلوبة.
وهنا تبرز قضية العدالة في إعادة الإعمار.
فليس المطلوب فقط إصلاح المناطق التي تتمتع بأهمية اقتصادية أو سكانية كبيرة، بل ضمان وصول الموارد إلى المجتمعات الأقل قدرة على التعبير عن احتياجاتها، خصوصًا في المناطق الريفية وإقليم تشوكو والمناطق التي تعاني أصلًا من نقص الخدمات.
كما أن إعادة الإعمار تمثل فرصة لإعادة تقييم معايير البناء والبنية التحتية. فالعودة إلى بناء منشآت جديدة بالمعايير القديمة قد تعني إعادة إنتاج نقاط الضعف نفسها، بينما يمكن استخدام الكارثة لتحديث المباني الحكومية والمستشفيات والمدارس، وتحسين الطرق، وتعزيز قدرات فرق الطوارئ.
وتحمل تجربة كولومبيا درسًا مهمًا في إدارة الكوارث: الاستجابة السريعة لا تكفي إذا كانت البنية التي تحمل الاستجابة نفسها ضعيفة.
فالإنقاذ يحتاج إلى طرق مفتوحة، والمستشفيات تحتاج إلى مبانٍ آمنة، والمساعدات تحتاج إلى مطارات وممرات نقل، وعمليات البحث تحتاج إلى اتصالات فعالة. ولذلك فإن الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للكوارث يجب أن يكون جزءًا من التخطيط الاقتصادي وليس مجرد بند طارئ يظهر بعد وقوع الكارثة.
وفي الجانب الإنساني، يبقى الوقت عاملًا حاسمًا. فمع استمرار البحث عن العالقين، تمثل الساعات الأولى بعد الانهيارات فرصة لإنقاذ الأرواح، بينما يؤدي تأخر الوصول إلى المناطق المعزولة إلى زيادة صعوبة المهمة.
وتشير السلطات إلى أن عمليات الإنقاذ والتقييم ما زالت مستمرة، فيما بدأت المطارات التي توقفت بسبب الزلزال في العودة تدريجيًا إلى العمل، مع استمرار بعض القيود على الرحلات التجارية في مناطق متضررة.
ومع استمرار عمليات البحث، تتحول كولومبيا تدريجيًا من سؤال «من يمكن إنقاذه؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: «كيف يمكن إعادة بناء ما تهدم؟».
وهذا السؤال سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة.
فنجاح الاستجابة لا يقاس فقط بعدد الناجين الذين تخرجهم فرق الإنقاذ من تحت الأنقاض، وإنما أيضًا بسرعة استعادة الخدمات، وقدرة الدولة على حماية الأسر النازحة، وكفاءة إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات، والأهم منع تكرار المأساة بالطريقة نفسها في المستقبل.
وفي النهاية، قد ينتهي الزلزال في لحظات، لكن آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تستمر سنوات.
وكولومبيا أمام فرصة صعبة لكنها مهمة: أن تحول واحدة من أكثر لحظاتها مأساوية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء أكثر أمانًا، لا مجرد إعادة بناء ما انهار.