الأخبار

في ذكري ميلاد وديع الصافي

وديع الصافي.. صوت الجبل الذي حمل الأغنية اللبنانية إلى العالم

في ذكري ميلاد صوت
في ذكري ميلاد صوت الجبل وديع الصافي

في ذكرى ميلاده الـ105، يعود اسم الفنان اللبناني وديع الصافي إلى الواجهة، باعتباره واحدًا من أبرز الأصوات التي تركت بصمة خاصة في تاريخ الطرب العربي، بعدما استطاع بصوته القوي وأدائه المميز أن يمنح الأغنية اللبنانية هوية فنية وصلت إلى مختلف أنحاء العالم العربي، ليصبح اسمه مرتبطًا بتراث بلاده الموسيقي.

نشأة وديع الصافي وبداية علاقته بالغناء

وُلد وديع الصافي، واسمه الحقيقي وديع بشارة فرنسيس، في الأول من نوفمبر عام 1921، بقرية نيحا الشوفية في لبنان، وكان الابن الثاني ضمن أسرة مكونة من ثمانية أبناء، وعاش طفولة بسيطة تأثرت بالظروف المادية الصعبة التي مرت بها عائلته.

وانتقلت أسرته إلى بيروت عام 1930، وهناك التحق بمدرسة دير المخلص، ولفت الأنظار بصوته حتى أصبح المنشد الأول في جوقتها، لكن ظروف الأسرة دفعته إلى ترك الدراسة بعد ثلاث سنوات، والعمل في أكثر من مهنة لمساعدة والده في تحمل أعباء المعيشة.

ولم تبتعد الموسيقى عن حياته رغم انشغاله بالعمل، فقد نشأ في أسرة تحب الغناء الشعبي، وتعلم من جده فنون العتابا والميجانا، بينما ساعده خاله نمر العجيلي على تعلم العزف على العود، كما غنى أمام الجمهور للمرة الأولى وهو في الثامنة من عمره.

مسابقة الإذاعة التي صنعت اسمه الفني

كانت نقطة التحول الأهم في حياته عام 1938، عندما شارك في مسابقة للمواهب الشابة نظمتها الإذاعة اللبنانية، وقدم أغنية «يا مرسل النغم الحنون»، التي فاز بها بالمركز الأول في الغناء والتلحين والعزف، متفوقًا على نحو 40 متسابقًا.

ولفت صوته انتباه لجنة التحكيم، التي اختارت له اسم «وديع الصافي» ليصبح اسمه الفني الذي عرفه به الجمهور، تقديرًا لصفاء صوته وتميزه.

وبعد هذه الخطوة، بدأ يتلقى التوجيه الموسيقي على أيدي عدد من المتخصصين، من بينهم ميشال خياط وسليم الحلو، لتتطور تجربته تدريجيًا، ويبدأ في تقديم الأغاني التي تعكس البيئة اللبنانية وتراثها الشعبي.

من بيروت إلى البرازيل.. محطات صنعت شهرته

لم تتوقف طموحات وديع الصافي عند حدود لبنان، ففي عام 1944 سافر إلى مصر محاولًا دخول عالم السينما والغناء، لكنه لم يمكث طويلًا وعاد إلى بيروت، قبل أن يسافر عام 1947 إلى البرازيل ضمن فرقة فنية، حيث استمر هناك ثلاث سنوات، وقدم أعمالًا حملت مشاعر الحنين إلى الوطن.

وبعد عودته إلى لبنان عام 1950، حقق انتشارًا واسعًا بأغنية «عاللّوما»، التي أصبحت من الأغاني المرتبطة بالوجدان اللبناني، كما شكلت أغنية «ولو» محطة مهمة في مسيرته، بعدما أعجب بها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأشاد بقوة صوته.

وخلال هذه المرحلة، تعاون مع مجموعة من كبار الشعراء والملحنين، من بينهم الأخوان رحباني، وزكي ناصيف، وفيلمون وهبي، وتوفيق الباشا، ومحمد عبد الوهاب، كما شارك في مهرجانات بعلبك التي ساهمت في إحياء التراث الموسيقي اللبناني وتطويره.

أشهر أغاني وديع الصافي وأعماله الفنية

قدم وديع الصافي رصيدًا غنائيًا كبيرًا تنوع بين الأغاني الوطنية والعاطفية والفلكلورية، ومن أبرز أعماله «لبنان يا قطعة سما»، و«عندك بحرية»، و«على الله تعود»، و«على رمش عيونها»، و«الليل يا ليلى يعاتبني»، و«طل الصباح»، و«عصفورة النهرين»، و«شاب الهوى وشبنا»، و«الله يرضى عليك يا ابني».

ولم يقتصر نشاطه على الغناء، بل امتد إلى التلحين، إذ كان يفضل تلحين عدد من أعماله بنفسه، كما شارك في السينما من خلال أفلام منها «الخمسة جنيه» و«غزل البنات» و«موال» و«نار الشوق»، الذي جمعه بالفنانة صباح.

رحيل وديع الصافي وإرثه الفني

واصل وديع الصافي نشاطه الفني رغم تقدمه في العمر، وخضع عام 1990 لجراحة القلب المفتوح، لكنه عاد لمواصلة الغناء والتلحين والمشاركة في الحفلات والمهرجانات، كما اهتم بتشجيع المواهب الغنائية الجديدة.

وحصل خلال مسيرته على تكريمات وأوسمة عديدة، من بينها وسام الأرز برتبة فارس، كما منحته جامعة الروح القدس في الكسليك الدكتوراه الفخرية في الموسيقى عام 1991، تقديرًا لإسهاماته الفنية.

ورحل وديع الصافي في 11 أكتوبر عام 2013، عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا ظل حاضرًا في ذاكرة محبيه، بعدما لم يكن مجرد مطرب يقدم الأغاني، بل أحد أبرز الفنانين الذين ساهموا في ترسيخ هوية الأغنية اللبنانية ونقلها إلى أجيال مختلفة.