مصر والصين.. من جذور التواصل الحضاري إلى الشراكة الاستراتيجية
لم تكن القاهرة وبكين بحاجة إلى سبعة عقود لاكتشاف أهمية كل بلد منهما للأخري. فالعلاقا المصرية الصينية تتجذر فى تاريخ البلدين منذ فجر التاريخ بعدما مثلتا جسرا للتواصل الحضاري والتجاري بين الشرق والغرب فى العالم القديم. ومع اتساع طرق التجارة بين الصين وآسيا والشرق الأوسط، أصبحت مصر بفضل موقعها وموانئها، جزءًا من شبكات التبادل التجاري التي ربطت الشرق بالعالم المتوسطي، قبل نشأة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
أما في التاريخ الحديث فقد أتخذ التواصل بين مصر والصين أشكال أكثر وضوحا كالتبادل التعليمي والثقافي واهتمام طلاب ومثقفين صينيين بالدراسة في مصر، قبل أن تتطور الاتصالات التجارية والرسمية خلال خمسينيات القرن العشرين.
من باندونج إلى العلاقات الدبلوماسية
بدأت الملامح الحديثة للعلاقات المصرية الصينية تتشكل في خمسينيات القرن الماضي مع بداية ظهور حركات التحرر الوطنى واستقلال عدد من الدول الآسيوية والأفريقية، وسعيها إلى بناء علاقات دولية لا تخضع بالكامل لاستقطاب الحرب الباردة.
وكان مؤتمر باندونج الذي عقد في إندونيسيا عام 1955، من أهم المحطات مهمة في هذا المسار. وحدث ذلك عندما ألتقى الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي، من أجل التقارب السياسي الذى جمع بين البلدين حول قضايا الاستقلال الوطني ومناهضة الاستعمار وتعزيز التعاون بين دول آسيا وأفريقيا.
لكن قبل العلاقات الدبلوماسية أتخذت البلدان خطوات لتقريب المسافات من خلال الاتصالات التجارية وتبادل الوفود. وتُوّج هذا التقارب في 30 مايو 1956 بإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين مصر وجمهورية الصين الشعبية على مستوى السفراء، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين.
فى تلك الفترة وبعد أسابيع من بداية العلاقات الصيينة المصرية رسميا برزت قضية تأميم قناة السويس التي أعلنها عبد الناصر في يوليو 1956 والتى كان العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر من العام نفسه ردا عليها. حينها أعلنت بكين دعمها لمصر وأدانت العدوان وهى من المواقف التى عززت التقارب السياسي بين البلدين وربطت علاقاتهما بقضايا السيادة الوطنية ومناهضة التدخل الخارجي.
الستينيات: تقارب في عالم منقسم
وآصلت مصر والصين تعزيز اتصالاتهما السياسية خلال فترة الستينيات التى زار فيها رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي مصر، تحديدا عام 1963 ليؤكد على أهمية القاهرة في السياسة الصينية تجاه العالم العربي وأفريقيا.
وخلال تلك المرحلة ارتبط التقارب بين الجانبين ب"حركة عدم الانحياز" وتنامي التعاون الأفروآسيوي، في وقت كانت فيه دول عديدة تسعى إلى تجنب الانخراط الكامل في معسكرات الحرب الباردة.
كانت مصر فى تلك الفترة تتحرك وفق حساباتها المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي وعلاقاتها بالقوى الكبرى، بينما كانت الصين تعيد ترتيب علاقاتها الخارجية في ظل خلافاتها مع الاتحاد السوفيتي وتغير موقعها في النظام الدولي. ومع ذلك حافظت القاهرة وبكين على قنوات التواصل وتبادل الزيارات والاتصالات رغبة منهما فى الحفاظ توسيع العلاقات وتعزيز التعاون خارج نطاق التحالفات التقليدية.
السادات ومرحلة جديدة من العلاقات
مع تولي الرئيس السادات الرئاسة دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة مختلفة خصوصًا بعد حرب أكتوبر 1973. حينها بدأ التحول التدريجي للتحالف مع الولايات المتحدة وصولًا إلى اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام 1979.
وجرت هذه التحولات بالتزامن مع تغيرات واسعة في السياسة الدولية، من بينها انفتاح الصين على الغرب وتطور علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وفي الثمانينيات اتجه البلدان إلى توسيع التعاون، حيث شهدت تلك الفترة تبادل زيارات على مستويات رفيعة من بينها زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى الصين عام 1983، ثم زيارة الرئيس الصيني لي شيان نيان إلى مصر عام 1986. كما امتد التعاون إلى مجالات اقتصادية وفنية من بينها الزراعة والطاقة الكهربائية.
ومع نهاية الحرب الباردة أخذت العلاقات بين البلدين مسارا جديدا. حيث اتسعت حركة التجارة الدولية وتزايدت أهمية الصين الاقتصادية، فيما سعت مصر إلى تنويع علاقاتها الخارجية والاستفادة من فرص التعاون مع الاقتصادات الآسيوية الصاعدة.
التسعينيات: تعاون استراتيجي
شهدت حقبة التسعينيات توسعًا في الاتصالات الرسمية بين القاهرة وبكين بالتوازي مع تنامي المصالح التجارية والاقتصادية. وأصبح التعاون يتجاوز الزيارات الدبلوماسية إلى بناء أطر أكثر انتظامًا للتنسيق وتطوير العلاقات الثنائية.
وفي أبريل 1999 اتفق البلدان على إقامة علاقات تعاون استراتيجي على المدي الأطول، فى سعي مشترك لتطوير التعاون السياسي والاقتصادي، وتوسيع التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
ومثّل هذا الإطار مرحلة مهمة في تطور العلاقات. فالصين كانت تتقدم بثبات نحو موقع أكبر في الاقتصاد العالمي، بينما كانت مصر تسعى إلى جذب الاستثمارات وتوسيع أسواقها التجارية وتعزيز علاقاتها بالقوى الدولية الصاعدة.
2014 الشراكة الاستراتيجية الشاملة
كان شهر ديسمبر 2014 محطة فارقة فى تاريخ العلاقات بين البلدين، وذلك عندما اتفق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة خلال زيارة السيسي إلى بكين.
وجاءت الخطوة في وقت كانت فيه الصين توسع مبادرة الحزام والطريق، التي تستهدف تعزيز الروابط التجارية وتطوير البنية التحتية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فيما كانت مصر تسعى إلى تنفيذ مشروعات تنموية كبرى وتطوير الموانئ وشبكات النقل والطاقة وتعزيز موقعها في حركة التجارة الدولية.
أما فى يناير 2016، زار شي جين بينج القاهرة، في زيارة حملت أهمية سياسية واقتصادية. وشهدت توقيع اتفاقيات ووثائق تعاون في مجالات متعددة. كما عكست الزيارة رغبة الطرفين في تحويل الشراكة الجديدة إلى برامج عملية تشمل البنية التحتية والاستثمار والطاقة والصناعة إلى جانب التعليم والثقافة.
وخلال السنوات التالية توسعت مجالات التعاون الصيني المصري، وبرزت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بوصفها إحدى المساحات المهمة لاستقطاب الاستثمارات الصينية، في ظل سعي مصر إلى توطين الصناعة وزيادة الصادرات والاستفادة من موقعها الجغرافي في الربط بين الأسواق.
بريكس والحزام والطريق
تطورت العلاقات الثنائية بين البلدين أيضا على المستوي الدولي والتجمعات الاقتصادية متعددة الأطراف. وشاركت مصر في أنشطة مبادرة الحزام والطريق كما انضمت إلى مجموعة بريكس عام 2024، بما أتاح مجالًا إضافيًا للتفاعل مع الصين ودول أخرى تسعى إلى توسيع دور الاقتصادات الناشئة في النظام الاقتصادي العالمي.
وتتقاطع المصالح المصرية الصينية في عدد من الملفات، من بينها إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز التعاون بين دول الجنوب وتوسيع التجارة والاستثمار، إلى جانب قضايا التنمية وتغير المناخ والطاقة والأمن الغذائي.
تعميق الشراكة وتوسيع مجالات التعاون
في مايو 2024، زار السيسي الصين وأصدر البلدان بيانًا مشتركًا بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مؤكدين مواصلة تطوير التعاون الثنائي وتعزيز التنسيق في الأطر متعددة الأطراف.
وتناول البيان مجالات متعددة كالاقتصاد والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والعلوم والتكنولوجيا إلى جانب التعليم والثقافة والتواصل بين الشعبين. كذلك تشاور البلدان فى القضايا الإقليمية والدولية، في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وتغيرات متلاحقة.
2026 سبعون عامًا من العلاقات
وبحلول عام 2026، وصلت العلاقات المصرية الصينية لعامها السبعين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في 30 مايو 1956. واستعاد البلدان بهذه المناسبة مسيرة من التواصل السياسي والتعاون المشترك، مؤكدين أهمية مواصلة تطوير الشراكة وتوسيع مجالاتها.
وفي الأول والثاني من سبتمبر 2026، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينج زيارة دولة إلى مصر بدعوة من السيسي، وعقد الجانبان مباحثات تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، وأصدرا بيانًا مشتركًا بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وأكد البيان أهمية استمرار الزيارات رفيعة المستوى وتعزيز آليات الحوار السياسي وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنموي، وتنسيق المواقف بشأن الحوكمة العالمية ومصالح الدول النامية. كما تناول قضايا الأمن المائي والغذائي والتعاون في المجالات ذات الأولوية للطرفين.
وتعكس هذه المحطة اتساع الملفات التي تتداخل فيها مصالح القاهرة وبكين، من الاستثمارات والتصنيع والطاقة المتجددة إلى الاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.






