رفع سعر الدولار في العراق يثير اعتراضات نيابية وشعبية واقتصادية
تتسع دائرة الاعتراضات على قرار الحكومة العراقية رفع سعر صرف الدولار، وسط تحذيرات من انعكاساته على القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة المشاريع الحكومية. ويرى منتقدو القرار أن معالجة الأزمة المالية ينبغي أن تبدأ بمكافحة الفساد وتنشيط القطاعات الإنتاجية، لا بتحميل المواطنين أعباء إضافية.
وتتجاوز الاعتراضات المواقف السياسية، لتشمل شرائح اجتماعية ومهنية ترى أن تعديل سعر الصرف قد يفاقم الضغوط المعيشية ويرفع كلفة النشاط الاقتصادي. وفي هذا السياق، قالت النائبة في البرلمان العراقي إنعام علاء الدين إن البلاد بحاجة ماسة إلى خطط واستراتيجيات اقتصادية مدروسة وشاملة لمعالجة الأزمة المالية والاختلالات النقدية، رافضةً اللجوء إلى التلاعب بأسعار الصرف وتحميل المواطنين والطبقات الهشة أعباء إضافية لمعالجة العجز المالي.
ودعت البرلمانية الحكومة والجهات الاقتصادية المعنية إلى البحث عن بدائل حقيقية ومستدامة لتعظيم الإيرادات العامة بعيداً عن جيوب المواطنين، وفي مقدمتها تنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة.
وفي المقابل، تبدو التداعيات المحتملة أكثر مباشرة على أصحاب الدخول المحدودة، الذين يواجهون أصلاً ضغوط ارتفاع الأسعار. وقال العامل بأجر يومي يوسف سلطان (39 عاماً): «التجار أوقفوا البيع والشراء والناس يعانون الفقر وصعود الأسعار ينعكس على الفقراء لا على الدولة».
وتعكس هذه الشهادة جانباً من القلق الاجتماعي إزاء القرار، خصوصاً لدى الفئات التي تعتمد على الأجور اليومية ولا تمتلك مصادر دخل ثابتة أو قدرة مالية على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ولا تقتصر تداعيات تغير سعر الصرف على قيمته النقدية، إذ قد تمتد إلى أسعار السلع المستوردة وكلف النقل والإنتاج، بما ينعكس على ميزانيات الأسر، وإن كان حجم الأثر الفعلي يتوقف على طبيعة تطبيق القرار واستجابة الأسواق.
ومن الناحية الاقتصادية، قال الخبير في الاقتصاد السياسي العراقي علي المولوي إن «رفع سعر صرف الدولار يمثل سلاحاً ذا حدّين». وأضاف أن القرار قد يمنح الحكومة مساحة أوسع لتمويل إنفاقها في ظل الاضطرابات الإقليمية، لكنه يفرض، من جهة أخرى، كلفة يتحمل المواطن جزءاً منها من خلال تراجع قدرته الشرائية وارتفاع أسعار السلع المستوردة.
ولا يقتصر الانتقاد على التداعيات المعيشية، إذ دخلت شخصيات سياسية على خط الاعتراض، من بينها وزيرة الاتصالات السابقة والنائبة الحالية هيام الياسري، التي وصفت القرار بأنه «ليس إصلاحاً اقتصادياً بل هو العجز بعينه»، محذرةً من تداعياته «الكارثية والمباشرة» على معيشة المواطنين والشرائح الضعيفة.
وقالت الياسري، في بيان، إن رفع سعر الصرف يمثل اللجوء إلى «أبسط الحلول وأصعبها على المواطن» بسبب العجز عن وضع حلول اقتصادية ناجحة، متسائلةً عن مدى إدراك الحكومة لنتائج القرار. وأضافت أن معالجة الأزمة كان ينبغي أن تبدأ بملاحقة رؤوس الفساد التي تستنزف مشاريع الدولة، وتنشيط الاقتصاد عبر مشاريع تعظّم الإيرادات، بدلاً من تحميل المواطن الفقير والموظفين والمتقاعدين أعباء إضافية.
المقاولون يحذّرون
وفي جبهة اقتصادية أخرى، يواجه القرار اعتراضات من قطاع المقاولات، الذي حذّر من انعكاساته على العقود الحكومية والمشاريع قيد التنفيذ أو التي لا تزال في مراحل الدراسة والإحالة. وفي هذا الإطار، ناشد اتحاد المقاولين العراقيين رئيس الوزراء علي الزيدي التريث في تطبيق القرار، مشيراً إلى أن شركات القطاع لا تزال تتحمل آثار التعديل السابق لسعر الصرف، فيما لم تُصرف، وفقاً للاتحاد، المستحقات المالية المترتبة على ذلك التعديل.
وأوضح الاتحاد، في طلب موجه إلى رئيس الوزراء، أن تداعيات رفع سعر الصرف لا تقتصر على العقود القائمة، بل تشمل أيضاً العقود التي لم تدخل حيز التعاقد، ما قد يؤدي إلى إبرام اتفاقات لا تتناسب قيمتها مع كلف التنفيذ الفعلية.
وحذّر الاتحاد من أن استمرار تطبيق القرار سيرفع كلف المشاريع والمواد والنقل والخدمات، ويقلّص الهوامش المالية المقررة للشركات، فضلاً عن زيادة حاجتها إلى السيولة والتمويل، بما قد يضعف قدرتها على مواصلة تنفيذ التزاماتها.
وتضع هذه التحذيرات الحكومة أمام تحدٍ يتجاوز إدارة العجز المالي إلى كيفية احتواء الآثار المحتملة للقرار على النشاط الاقتصادي. فقد يفرض ارتفاع كلف المشاريع مراجعة تقديرات العقود والتمويل، فيما قد يؤدي استمرار تأخر المستحقات المالية إلى زيادة الضغوط على الشركات المنفذة وتعقيد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وبين الحاجة إلى تمويل الإنفاق العام وتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الاقتصادية، يبقى جوهر الخلاف متعلقاً بالمسار الذي ستعتمده الحكومة لمعالجة الاختلالات المالية: هل تمضي في خيارات نقدية تتيح لها موارد إضافية، أم تتجه إلى بدائل تقوم على مكافحة الفساد وتوسيع القاعدة الإنتاجية وتحسين إدارة الإيرادات؟