محمود عباس يرفض العقوبات الأمريكية ويحذر من تهجير الفلسطينيين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
تحدث الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس 24 سبتمبر، عبر كلمة مسجلة بالفيديو، بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول للمشاركة حضوريا في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، وذلك للعام الثاني على التوالي.
وأكد عباس رفضه لما وصفه بالإجراءات العقابية، مطالبا الإدارة الأمريكية بالتراجع عن القيود والعودة إلى الحوار والاحترام المتبادل والعمل على تنفيذ حل الدولتين.
وقال عباس في كلمته إن الوفد الفلسطيني مُنع للعام الثاني على التوالي من الحصول على تأشيرات الدخول اللازمة للوصول إلى نيويورك والمشاركة حضورياً في اجتماعات الجمعية العامة، مؤكداً أن الجانب الفلسطيني يرفض الإجراءات التي اعتبرها غير قانونية، كما يرفض المبررات التي استندت إليها.
وجاءت مشاركة عباس عبر الفيديو بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 17 سبتمبر الجاري، قرارا يسمح لدولة فلسطين بالمشاركة افتراضيا في المناقشة العامة، بأغلبية 152 صوتاً مقابل 3 أصوات معارضة و4 امتناعات. وينص القرار على إمكانية عرض كلمة مسجلة للرئيس الفلسطيني في قاعة الجمعية العامة.
عباس: نلجأ إلى القانون الدولي كطريق سلمي
وأكد عباس أن الجانب الفلسطيني أوفى، بحسب تصريحه، بالتزاماته، وأنه أنجز برنامجاً وطنياً شاملاً للإصلاح، وواصل الالتزام بالقانون الدولي ونبذ العنف والإرهاب، وتمسك بحل الدولتين والسلام القائم على قرارات الشرعية الدولية.
وقال إن الشعب الفلسطيني وقيادته لا ينبغي أن يتعرضا للعقاب بسبب المطالبة بإنهاء الاحتلال أو بسبب اللجوء إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مشدداً على أن الاحتكام إلى القانون الدولي ومؤسساته يمثل، من وجهة نظره، خياراً سلمياً وسياسياً ودبلوماسياً.
وأشار عباس إلى أن منع الوفد الفلسطيني من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يتعارض، بحسب موقفه، مع الالتزامات المترتبة على الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر المنظمة الدولية. وكانت الأمم المتحدة قد أوضحت في تغطيتها الرسمية لقرار المشاركة الافتراضية أن الجانب الفلسطيني اعتبر منع التأشيرات مخالفاً لالتزامات الدولة المضيفة، بينما عرضت الولايات المتحدة خلال جلسة التصويت مبرراتها الخاصة بالقرار.
وطالب عباس الإدارة الأمريكية بالتراجع عن العقوبات والقيود المفروضة على المسؤولين الفلسطينيين، والعودة إلى لغة الحوار والعمل المشترك مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي من أجل تنفيذ حل الدولتين.
وكانت واشنطن قد مددت في سبتمبر الجاري قيود التأشيرات المفروضة على مسؤولين فلسطينيين، فيما قالت الإدارة الأمريكية إن أسباب القرار مرتبطة بما وصفته بفشل السلطة الفلسطينية في تنفيذ إصلاحات، وبأنشطة تعتبرها واشنطن معرقلة لفرص السلام، من بينها التحركات أمام المحاكم الدولية.
عباس: الشعب الفلسطيني يواجه واحدة من أخطر المراحل
وانتقل الرئيس الفلسطيني في كلمته إلى الوضع في الأراضي الفلسطينية، قائلاً إن الشعب الفلسطيني يواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه، بعد عقود من الاحتلال والاقتلاع واللجوء وحرمانه، وفق تصريحه، من حقه في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
وتحدث عباس بصورة خاصة عن قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، واعتبر أن التطورات في المناطق الثلاث مترابطة وليست أحداثاً منفصلة، قائلاً إن السياسات الإسرائيلية تؤدي، بحسب وصفه، إلى جعل الحياة أكثر صعوبة أمام الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن أرضهم.
واتهم عباس إسرائيل بارتكاب أعمال قتل ودمار وتجويع وتهجير في قطاع غزة، وقال إن الحرب خلفت أزمة إنسانية واسعة النطاق وألحقت أضراراً بالأحياء والمدن والمخيمات والمؤسسات التعليمية والصحية والدينية.
وفي الضفة الغربية، تحدث عن التوسع الاستيطاني، وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، والاقتحامات وهدم المنازل، إضافة إلى ما وصفه بتصاعد عنف المستوطنين.
وتتزامن تصريحات عباس مع تحذيرات أممية متكررة بشأن مستقبل حل الدولتين. فقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، خلال اجتماع رفيع المستوى بشأن حل الدولتين في نيويورك في 22 سبتمبر، إن ظروف قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ومتواصلة جغرافياً وسيادية يجري تقويضها بصورة منهجية، مشيراً إلى التوسع الاستيطاني والعنف وهدم المنازل ومصادرة الأراضي.
كما قالت الأمم المتحدة إن خطة الاستيطان في منطقة E1 يمكن أن تقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها وتضر بإمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
وحذر عباس من تكرار مأساة عام 1948، داعياً المجتمع الدولي إلى منع تهجير الفلسطينيين وحماية المدنيين، كما تساءل عن استمرار تقديم بعض الدول دعماً عسكرياً لإسرائيل، مطالباً باتخاذ إجراءات دولية لحماية الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين.
دعوة إلى تنفيذ خطة غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية
وتطرق عباس إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، وإلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، وخريطة الطريق المتعلقة بالمرحلة المقبلة في غزة، قائلاً إن الجانب الفلسطيني رحب بهذه التحركات بهدف وقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة إعمار القطاع.
وأوضح أن التنفيذ، وفق تصريحه، لم يحقق النتائج التي كان ينتظرها الفلسطينيون، داعياً إلى الإسراع في الانتقال إلى المرحلة الثانية وعدم إضاعة المزيد من الوقت.
وشدد عباس على ضرورة ألا تتحول المرحلة الانتقالية في قطاع غزة إلى وضع دائم أو مفتوح من دون أفق سياسي وزمني واضح، مطالباً بأن تقود المرحلة المقبلة إلى إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية.
وقال إن الرؤية الفلسطينية التي يطرحها تقوم على مبدأ دولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد.
ويأتي هذا الطرح في وقت تربط فيه الأمم المتحدة مستقبل التسوية السياسية بوجود دولة فلسطينية متصلة جغرافياً إلى جانب إسرائيل، وفق حل الدولتين. وأكد جوتيريش خلال اجتماع 22 سبتمبر أن الحل القائم على دولتين، وفق خطوط ما قبل عام 1967، يظل محوراً أساسياً للتوصل إلى سلام دائم، محذراً في الوقت نفسه من أن التطورات الميدانية تهدد إمكانية تحقيقه.
عباس يحذر من الاستيطان وخطر خطة E1
وحذر الرئيس الفلسطيني بصورة خاصة من تنفيذ مخطط E1 الاستيطاني، معتبراً أنه سيؤدي إلى عزل أجزاء من الضفة الغربية عن بعضها، وفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ويصعّب إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016 يعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، فاقدة للشرعية القانونية وتشكل عقبة أمام تحقيق حل الدولتين. كما يطالب القرار بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية.
وفي أحدث تقاريرها المتعلقة بتنفيذ القرار 2334، أشارت الأمم المتحدة إلى استمرار النشاط الاستيطاني، كما تناولت خطة E1 باعتبارها تطوراً من شأنه التأثير في التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.
ودعا عباس مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الاستيطان، كما أشاد بالإجراءات التي اتخذتها دول بشأن حماية حل الدولتين ووقف التعامل مع منتجات المستوطنات.
وتحدث كذلك عن الأماكن المقدسة في القدس والخليل، محذراً من استمرار الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومشيراً إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي، داعياً إلى احترام الوضع التاريخي والقانوني لهذه المواقع وحرية العبادة.
دعوة لدعم الأونروا والإفراج عن الأموال الفلسطينية
وطالب عباس المجتمع الدولي بمواصلة دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، مؤكداً أن الوكالة، وفق موقفه، لا يزال لها دور أساسي في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتدريب المهني.
كما تطرق إلى الوضع المالي للسلطة الفلسطينية، واتهم الحكومة الإسرائيلية باحتجاز أموال فلسطينية، مطالباً بالإفراج عنها وتحويلها بصورة منتظمة وكاملة، ورفع القيود المالية والاقتصادية المفروضة على الفلسطينيين ومؤسساتهم.
وكانت تقارير الأمم المتحدة خلال عام 2026 قد تحدثت عن استمرار احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة الفلسطينية، وأشارت إلى أن السلطة الفلسطينية قدرت الأموال المحتجزة بأكثر من 8 مليارات شيكل في أحد التقارير الأممية، مع استمرار الضغوط على الوضع المالي للسلطة.
عباس: أنجزنا برنامج الإصلاح وسنتجه إلى الانتخابات
وفي الجانب السياسي الداخلي، قال عباس إن القيادة الفلسطينية أوفت بالتزاماتها التي تعهدت بها أمام الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي، وأكد تنفيذ برنامج إصلاح يتعلق بالحوكمة والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
كما تحدث عن إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج، وتعزيز الحماية والرعاية الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب، إلى جانب مواصلة المسار الانتخابي.
وأشار إلى إجراء انتخابات للمجالس المحلية وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وقال إن الفلسطينيين يتجهون إلى انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر من العام الجاري، ثم استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني وإجراء الانتخابات الرئاسية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مسار إصلاحي فلسطيني تحدثت عنه الأمم المتحدة أيضاً، إذ أشار تقرير أممي سابق خلال 2026 إلى خطوات اتخذتها القيادة الفلسطينية في ملف الانتخابات والمجلس الوطني، إلى جانب إعداد مسودة دستور مؤقت وتعزيز مسار الإصلاح المؤسسي.
عباس يجدد الالتزام بحل الدولتين ودولة فلسطينية غير مسلحة
وجدد عباس خلال كلمته التأكيد على أن الفلسطينيين يريدون الأمن والسلام لجميع الأطراف، ويرفضون الاعتداء على المدنيين، كما أعلن رفضه الإرهاب والتطرف والعنصرية والكراهية.
وقال إن الرؤية الفلسطينية تقوم على إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، ووصفها بأنها دولة غير مسلحة تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمن وسلام.
وأضاف أن الالتزام الفلسطيني بحل الدولتين، وفق تصريحه، ليس جديداً، مشيراً إلى قرار القيادة الفلسطينية عام 1988 بقبول تسوية تاريخية تقوم على دولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.
وأكد عباس أن الفلسطينيين، بحسب موقفه، سيبقون على أرضهم ولن يقبلوا بالتهجير، مشدداً على أن الاحتلال والاستيطان والضم وعنف المستوطنين لا يمكن أن يشكلوا حلاً دائماً للصراع.
وقال إن الفلسطينيين لا يريدون عملية سياسية جديدة هدفها إدارة الصراع فقط، وإنما عملية تقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية وتقرير المصير للفلسطينيين، مع توفير الأمن والسلام للإسرائيليين ودول المنطقة.
عباس يطالب بالاعتراف بدولة فلسطين والعضوية الكاملة في الأمم المتحدة
وفي ختام كلمته، وجه عباس الشكر إلى الدول والشعوب التي قدمت دعماً سياسياً وإنسانياً واقتصادياً للفلسطينيين، كما أشاد بالدول التي اعترفت بدولة فلسطين.
وقال إن عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين بلغ 160 دولة، داعياً الدول التي لم تعترف بها بعد إلى اتخاذ هذه الخطوة، كما دعا إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
وكانت وثائق الأمم المتحدة قد أشارت بالفعل إلى وصول عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين إلى 160 دولة، بعد موجة الاعترافات التي شهدتها الفترة الأخيرة.
وفي رسالته إلى الفلسطينيين في الداخل والشتات، أكد عباس التمسك بالأرض والحقوق، قائلاً إن الفلسطينيين لن يغادروا وطنهم ولن يقبلوا أن يقرر أحد مستقبلهم نيابة عنهم.
واختتم الرئيس الفلسطيني كلمته بالتأكيد على أن الفلسطينيين يريدون السلام القائم على الشرعية الدولية، بما يؤدي إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية، داعياً إلى أن يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون وشعوب المنطقة في أمن وسلام وحسن جوار.







