الأخبار

تلة علي الطاهر.. من سيطرة إسرائيل عليها إلى ورقة حاسمة جنوب لبنان

 تلة علي الطاهر
تلة علي الطاهر

لم تعد مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد نقطة مرتفعة على خريطة المعارك، بعدما أعلنت إسرائيل إحكام السيطرة عليها، في تطور يحمل أبعادًا عسكرية وسياسية تتجاوز مساحة التلة نفسها، نظرًا لموقعها المطل على مناطق واسعة من جنوب لبنان وقربها من خطوط المواجهة مع إسرائيل.

تقع مرتفعات علي الطاهر في الأطراف الشرقية من قضاء النبطية، وتصل إلى ارتفاع يقارب 600 متر، وهو ما يمنحها ميزة ميدانية مهمة في عمليات الرصد والسيطرة النارية. كما تمتد أهميتها من إشرافها على مساحات بين النبطية ومرتفعات إقليم التفاح، بما يجعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في حركة القوات وقدرتها على المراقبة والانتشار.

المرتفعات في قلب المعركة

برزت أهمية علي الطاهر خلال المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، إذ أصبحت المنطقة هدفًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما تمسك حزب الله بأهميتها باعتبارها موقعًا دفاعيًا متقدمًا.

وكانت إسرائيل قد أعلنت في يونيو 2026 سيطرتها الكاملة على التلة، إلا أن حزب الله نفى ذلك بشكل قاطع، مؤكدًا في ذلك الوقت أن قواته لا تزال موجودة في المنطقة، كما تحدثت مصادر لبنانية عن اختلاف بين السيطرة النارية الإسرائيلية والسيطرة البرية الفعلية على المرتفعات.

لكن التطورات اللاحقة دفعت التلة إلى واجهة المشهد من جديد، إذ أعلنت إسرائيل في 3 سبتمبر استكمال عملية عسكرية في المنطقة وإحكام السيطرة عليها، وقالت إن قواتها نفذت عمليات ضد بنية عسكرية تحت الأرض وصادرت أسلحة وأجهزة حاسوب. كما أعلنت في 4 سبتمبر أنها أخلت أنفاقًا قالت إنها تضم مراكز قيادة ومخازن أسلحة، مع عدم وجود تحقق مستقل من هذه الرواية حتى الآن.

لماذا تهم إسرائيل؟

تكمن أهمية التلة بالنسبة لإسرائيل في طبيعتها الجغرافية قبل أي اعتبار آخر. فالسيطرة على المرتفعات في الحروب تمنح القوات قدرة أكبر على المراقبة، وتوفر موقعًا متقدمًا يمكن أن يدعم عمليات الاستهداف والسيطرة على التحركات في المناطق المحيطة.

وتقول إسرائيل إن المنطقة كانت تُستخدم منصة محتملة لشن هجمات باتجاه الجليل، ولذلك تربط السيطرة عليها بمفهوم إنشاء منطقة دفاع متقدم داخل جنوب لبنان. وقد أدرجت إسرائيل علي الطاهر ضمن ما تسميه «الخط الأصفر» أو منطقة الدفاع الأمامي.

لكن هنا تظهر النقطة الأهم: السيطرة على تلة مرتفعة لا تعني تلقائيًا السيطرة على كامل المنطقة المحيطة بها. فالتجربة العسكرية في جنوب لبنان أظهرت أن السيطرة على الأرض لا تتحدد بالمرتفعات وحدها، وإنما بقدرة القوة المسيطرة على الاحتفاظ بالموقع وتأمين خطوط الإمداد ومنع الخصم من استنزافها أو استهدافها من مواقع أخرى.

الأنفاق تغيّر معادلة السيطرة

تكتسب التلة أهمية إضافية بسبب ما أعلنته إسرائيل عن وجود بنية تحت الأرض تابعة لحزب الله.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، عثرت القوات على أنفاق ومنشآت قالت إنها استخدمت لأغراض القيادة وتخزين الأسلحة. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن بنية تحت الأرض في المنطقة، لكن بعض هذه المعلومات بقي في إطار التقارير غير المستقلة أو الادعاءات التي لم تخضع لتحقق ميداني شامل.

وهنا تكمن إحدى المفارقات العسكرية؛ فاحتلال سطح المرتفع لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة القتالية الموجودة تحته أو في محيطه. وإذا كانت هناك بالفعل شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض، فإن السيطرة البرية تصبح بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بتفكيك البنية التحتية وتأمين الموقع.

الدرس التاريخي من جنوب لبنان

لا يمكن قراءة أهمية علي الطاهر بعيدًا عن تاريخ الحرب في جنوب لبنان. فقد أظهرت المواجهات السابقة أن المرتفعات والقرى والطرق ليست أهدافًا منفصلة، بل أجزاء من منظومة دفاعية وهجومية متشابكة.

وفي حرب يوليو 2006، واجه الجيش الإسرائيلي مقاومة اعتمدت بدرجة كبيرة على التحصينات والأنفاق والانتشار داخل بيئة جغرافية معقدة، وهو ما جعل السيطرة على الأرض أكثر صعوبة من مجرد التقدم العسكري إليها.

ومن هذه الزاوية، فإن السيطرة على علي الطاهر تحمل قيمة تكتيكية واضحة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه الصراع. فالقيمة الحقيقية لأي موقع مرتفع تظهر في قدرة الطرف المسيطر على تحويله إلى جزء مستقر من منظومة عسكرية متكاملة، وليس مجرد نقطة يتم رفع العلم فوقها.

من تلة عسكرية إلى ورقة سياسية

الأهم أن علي الطاهر لا تقع خارج الصراع السياسي. فإسرائيل تسعى من خلال وجودها العسكري في جنوب لبنان إلى فرض واقع أمني جديد، بينما يمثل استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية قضية مرتبطة مباشرة بمفهوم السيادة اللبنانية.

وفي المقابل، فإن وجود حزب الله المسلح خارج السيطرة الكاملة للدولة اللبنانية يمثل بدوره أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد اللبناني.

وبذلك أصبحت التلة تقع عند تقاطع ثلاث قضايا: الأمن الإسرائيلي، والسيادة اللبنانية، ومستقبل الوجود العسكري لحزب الله في الجنوب.

وهذا ما يجعل السيطرة عليها أكبر من مجرد مكسب ميداني.

هل تغير السيطرة ميزان القوى؟

يمكن أن تمنح السيطرة الإسرائيلية على علي الطاهر أفضلية ميدانية مهمة، خصوصًا في الرصد والسيطرة على المنطقة المحيطة، لكنها لا تعني بمفردها حسم المعركة في جنوب لبنان.

فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد السيطرة: هل تستطيع إسرائيل الاحتفاظ بالموقع؟ وهل يمكنها تأمينه من الهجمات؟ وهل تتحول التلة إلى نقطة ارتكاز دائمة ضمن منطقة عازلة؟ أم تصبح هدفًا مستمرًا للاستنزاف؟

وتشير طبيعة الصراع في جنوب لبنان إلى أن السيطرة على المرتفعات يمكن أن تمنح أفضلية كبيرة، لكنها لا تلغي قدرة الطرف الآخر على العمل من مناطق مجاورة أو من مواقع تحت الأرض.

الخلاصة

تكتسب تلة علي الطاهر أهميتها من موقعها المرتفع وإشرافها على مساحات واسعة من جنوب لبنان، لكن أهميتها الحالية تتجاوز العامل الجغرافي.

فإسرائيل تنظر إليها باعتبارها جزءًا من منظومة دفاع متقدم تهدف إلى إبعاد التهديد عن حدودها، بينما يرتبط وجودها على الأرض بسؤال أكبر يتعلق بالسيادة اللبنانية ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.

لذلك فإن السؤال الأهم بعد السيطرة الإسرائيلية على التلة ليس فقط من يسيطر عليها؟، وإنما ماذا ستفعل إسرائيل بهذه السيطرة، وهل تستطيع تحويلها من مكسب عسكري مؤقت إلى واقع أمني وسياسي مستدام؟

وهنا تحديدًا ستظهر القيمة الحقيقية لعلي الطاهر في المرحلة المقبلة.