من مطاردة الفاشية إلى اكتشاف سرّ الخلايا العصبية.. ريتا التي غيّرت الطب
حين أُغلقت أبواب الجامعة في وجهها، فتحت ريتا ليفي مونتالشيني بابًا آخر، غرفة نومها. هناك، بين المكروسكوب وأجنة الدجاج وبأدوات صنعت بعضها بيديها، بدأت رحلة ستأخذها من إيطاليا الفاشية إلى الولايات المتحدة، ومن معمل صغير في منزل عائلتها إلى واحد من أهم اكتشافات علم الأعصاب فى التاريخ.
الطريق إلى الطب
لم تكن ريتا مونتالشيني تشبه الصورة التقليدية التي نتخيلها عن بدايات العلماء، ورغم أنها نشأت في أسرة مثقفة في تورينو، كان والدها مهندسًا وعالم رياضيات، ووالدتها فنانة. لكن والدها لم يكن يرى أن الجامعة ضرورة لابنته
كان يخشى أن يقودها التعليم إلى حياة مهنية تتعارض مع ما كان يعتبره مسار المرأة الطبيعي، الزواج وتكوين الأسرة.
لكن ريتا، عندما بلغت العشرين، لم تقتنع بهذه الخريطة التي رُسمت لحياتها، فأرادت استكمال دراستها، فأقنعت والدها، ولأنها لم تكن قد تلقت التعليم الذي يؤهلها مباشرة للجامعة، وضعت لنفسها مهمة شاقة، فخلال ثمانية أشهر فقط، درست المواد التي كان غيرها يحتاج إلى سنوات لدراستها، من اللاتينية واليونانية والرياضيات.
في عام 1930، التحقت بكلية الطب في جامعة تورينو.
لكن كان وراء اختيارها للطب سبب شخصي بحت، فقد توفيت مربيتها التي كانت شديدة التعلق بها بسبب السرطان، وتركت وفاتها في نفسها سؤالًا لم يفارقها، كيف يحدث المرض؟ وهل يمكن للعلم أن يساعد في إنقاذ المصابين به؟
في دفعتها، كانت ريتا واحدة من سبع فتيات فقط بين نحو ثلاثمئة طالب طب، لم يكن وجود النساء في كليات الطب أمرًا مألوفًا، ولذلك تعرضت الفتيات لتعليقات وتمييز لم يكن غريبًا في ذلك الوقت، لكن ريتا لم تهتم وأكملت.
وفي عامها الثاني، التحقت بمعهد التشريح الذي كان يشرف عليه أستاذها جوزيبي ليفي، العالم الذي سيحصل لاحقًا على جائزة نوبل في الطب أيضا، وهناك تعلمت تقنيات تشريح الأنسجة ودراستها، وبدأ اهتمامها يتجه بصورة خاصة إلى الجهاز العصبي.
كان ليفي صارمًا في التعامل مع المشكلات العلمية، ويصر على أن يختبر طلابه النتائج بدقة قبل التسليم بالتفسيرات الجاهزة،وكان لهذا الأسلوب أثر كبير في طريقة ريتا في البحث لاحقًا.
وبعد أن أثبتت جدارتها كلفها بأول مهمة بحثية حقيقية، وهى دراسة كيفية تشكل تلافيف الدماغ البشري.
لكن المهمة كانت أصعب مما تبدو:
حيث كانت تحتاج إلى دراسة أدمغة أجنة بشرية، في وقت كانت فيه عمليات الإجهاض غير قانونية في إيطاليا، ما جعل الحصول على العينات اللازمة شبه مستحيل.
وستصف ريتا المهمة لاحقًا بأنها كانت أكبر من أن تُسند إلى طالبة، وربما أكبر حتى من أن يتولاها باحث متمرس.
كان الطريق مسدودًا، لكن ريتا لم تتوقف بل غيرت الطريق.
من أدمغة البشر إلى أجنة الدجاج
انتقلت إلى دراسة أجنة الدجاج، التي كانت نموذجًا مناسبًا لدراسة تطور الجهاز العصبي أثناء نمو الجنين.
وفي عام 1934، جذبها بحث عالم الأجنة الأمريكي فيكتورهمبرجر عن نمو الجهاز العصبي لدى أجنة الدجاج، كان همبرجر قد لاحظ أن إزالة برعم الجناح من الجنين تؤثر في الخلايا العصبية المرتبطة بالطرف.
اهتمت ريتا بالنتيجة، لكنها لم تقتنع تمامًا بتفسيره لها، فبدأت تجري تجاربها الخاصة، تراقب الخلايا العصبية وهي تتكون وتنمو وتتغير طوال مراحل نمو الجنين.
كان السؤال الذي يشغلها بسيطًا:
كيف تتكوّن الخلايا العصبية، وكيف تعرف طريقها إلى المكان الذي يفترض أن تتصل به؟
لم تكن تعرف أن هذا السؤال سيظل يرافقها سنوات، حتى يقودها في النهاية إلى اكتشاف عامل نمو الأعصاب، تخرجت ريتا في كلية الطب عام 1936، وبدأت العمل في البحث العلمي.
بدأ الطريق أمامها واضحًا أخيرًا...لكن إيطاليا كانت تتجه إلى مصير آخر.
حين أغلقت الفاشية باب الجامعة
في عام 1938، أصدر نظام موسوليني ما عُرف بـ«القوانين العنصرية»، التي فرضت قيودًا على اليهود وأقصتهم عن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.
وبسبب أصول ريتا اليهودية، أُغلق أمامها الفضاء الأكاديمي، مرة أخرى، لم يكن عليها أن تتخلى عن البحث، بل أن تبحث عن مكان جديد له.
وفي عام 1940، عادت إلى تورينو، لكن هذه المرة لم تعد إلى الجامعة، بل عادت إلى البيت.
غرفة نوم تتحول إلى معمل
في غرفة نومها بمنزل عائلتها، أنشأت ريتا وحدة بحث صغيرة. لم يكن هناك معمل جامعي مجهز ولا فريق من الباحثين ولا حتى الأدوات التي اعتادت استخدامها.
كان عليها أن تصنع عالمها العلمي بنفسها.

شحذت إبر الخياطة وحولتها إلى أدوات دقيقة تشبه المشارط الصغيرة، واستعانت بمقصات حصلت عليها من طبيب عيون، وملقط دقيق من صانع ساعات.
أما المكروسكوبات والأجهزة الأخرى، فبدأت تقتنيها قطعة قطعة، وكانت تحتاج أيضًا إلى حاضنة تحافظ على البيض في درجة حرارة مناسبة، فصنعت لنفسها جهاز بسيط مزود بثرموستات ومروحة.
تغير شكل غرفتها، بيض ينتظر أن تنمو أجنته هنا، وميكروسكوبات هناك، وأدوات صغيرة على طاولة تشريح، وأنسجة تُثبت ثم تُقطع إلى شرائح رقيقة لفحصها مجهريا.

ولم تكن ريتا تقوم بتجربة منزلية تشبه العلم. كانت تجري بحثًا حقيقيًا.
عادت إلى تجارب همبرجر على أجنة الدجاج، وبدأت تسأل بصورة أكثر تحديدًا: ماذا يحدث للخلايا العصبية عندما تُحرم من النسيج الذي يفترض أن تتصل به؟
ثم بدأت الحرب الحرب العالمية الثانية تضيق عليها حتى داخل بيتها، في عام 1941، اشتد القصف على تورينو، ولم يعد البيت مكانًا آمنًا، كان بإمكان ريتا أن تترك كل شيء وراءها، لكنها لم تفعل.
فككت معملها، وأخذت أدواتها إلى منزل ريفي في بييمونتي، ثم أعادت بناءه هناك واستأنفت تجاربها.
مع استمرار الحرب، أصبح الحصول على البيض اللازم للتجارب أصعب، وكانت ريتا تضطر إلى إقناع المزارعين بأن يمنحوها ما تحتاج إليه، ووفقًا لما رُوي عنها، كانت تقول أحيانًا إنها تحتاج البيض لأطفالها، رغم أنها لم تكن لديها أطفال.

وسط القصف ونقص الموارد، استمرت في مراقبة أجنة الدجاج.
وكانت النتائج التي حصلت عليها مهمة.
كان همبرجر قد لاحظ أن إزالة برعم الجناح تؤدي إلى انخفاض كبير في عدد الخلايا العصبية المرتبطة به، وفسر ذلك بأن الطرف النامي يرسل إشارة تساعد الخلايا العصبية على النمو.
لكن ريتا وجدت تفسيرًا آخر.
الخلايا العصبية كانت تتكون في البداية، ثم يموت جزء كبير منها عندما لا يجد النسيج الذي يفترض أن يتصل به.
وهنا تغيّر السؤال، لم تعد تسأل فقط كيف تتكوّن الخلايا العصبية؟ بل ما الذي تحتاج إليه لكي تبقى حية وتواصل نموها؟
كان السؤال جديدًا، لكن الحرب لم تمنحها وقتًا طويلًا لمتابعته.
من المعمل إلى الاختباء
في عام 1943، لم يعد الريف آمنًا بعد احتلال ألمانيا لشمال إيطاليا، فغادرت ريتا وأسرتها بييمونتي واتجهوا إلى فلورنسا، حيث عاشوا بأسماء مستعارة حتى نهاية الحرب، هناك، للمرة الثانية، عادت ريتا إلى الطب.

عملت طبيبة في معسكر للاجئين والنازحين، ورأت عن قرب آثار الحرب على أجساد الناس، من سوء التغذية والأمراض المعدية والتيفود.
كانت التجربة قاسية، لكنها أكدت لها شيئًا كانت تعرفه في أعماقها، هي لا تريد أن تكون طبيبة عادية، فمكانها كان في المعمل.
بعد انتهاء الحرب، عادت إلى تورينو عام 1945 واستأنفت أبحاثها، ثم، بعد عام واحد، وصلتها رسالة ستفتح أمامها بابًا جديدًا.
رحلتها إلى أمريكا
كان فيكتور همبرجر قرأ الأبحاث التي نشرتها ريتا أثناء الحرب، وأثارت نتائجها اهتمامه بعدما قدمت تفسيرًا مختلفًا لبعض ملاحظاته القديمة.
في عام 1946، دعاها إلى جامعة واشنطن في سانت لويس لتواصل العمل معه، وفي العام التالي، وصلت ريتا إلى الولايات المتحدة وهي في الثامنة والثلاثين.
كانت تتوقع أن تبقى بضعة أشهر ثم تعود إلى إيطاليا، لكنها لم تكن تعرف أن أجنة الدجاج التي عادت إليها مرة أخرى ستقودها هذه المرة إلى شيء أكبر بكثير.
كان لديها الآن معمل حقيقي وأدوات أكثر دقة، لكن الأهم أنها كانت تحمل معها السؤال الذي خرجت به من سنوات الحرب:
ما الذي يجعل الخلايا العصبية تبقى حية وتنمو؟
الورم الذي جذب الأعصاب
أثناء عملها في سانت لويس أجرت ريتا تجارب على أورام زرعت في أجنة الدجاج، ثم رأت شيئًا غريبًا.
الألياف العصبية بدأت تنمو بكثافة شديدة حول الورم، وتمتد في اتجاهه، لم يكن الأمر مجرد زيادة في عدد الأعصاب، بدا كأن الورم نفسه يطلق شيئًا يجعل الأعصاب تنمو نحوه.
كانت هذه الملاحظة لحظة حاسمة.
إذا كان الورم يستطيع التأثير في الأعصاب من دون أن يلامسها مباشرة، فلا بد أن هناك شيئًا ينتقل بينهما.
مادة لا تراها العين، لكنها تستطيع أن تدفع الخلايا العصبية إلى النمو.
وهنا تغيّر السؤال للمرة الثالثة، لم تعد ريتا تبحث عن كيفية نمو الأعصاب بل صارت تبحث عن المادة التي تجعلها تنمو.
احتاجت ريتا إلى طريقة أفضل لاختبار فكرتها. وفي عام 1952، ذهبت إلى ريو دي جانيرو للعمل مع صديقتها العالمة هيرتا ماير، وتعلمت تقنيات زراعة الأنسجة العصبية خارج الجسم.
أتاح لها ذلك أن تضع نسيجًا عصبيًا وورمًا بالقرب من بعضهما من دون اتصال مباشر. وبعد ساعات، ظهرت حول النسيج العصبي هالة كثيفة من الألياف النامية.
كان المشهد أشبه برسالة غير مرئية بين الورم والأعصاب، لكن ريتا كانت تعرف أن رؤية النتيجة لا تكفي، كان عليها أن تمسك بالرسالة نفسها.

ستانلي كوهين
في عام 1953، انضم إلى فريقها الباحث الشاب ستانلي كوهين.
كانت ريتا قد رأت الظاهرة وبدأت تفهم أثرها، أما كوهين فكان يمتلك الأدوات التي تحتاج إليها لمعرفة طبيعة المادة نفسها. بدأ الاثنان في محاولة عزل العامل المسؤول عن نمو الأعصاب. وخلال إحدى التجارب، استخدم كوهين سم الأفعى في عملية فصل مكونات المستخلصات التي كان يعمل عليها.
لكن التجربة قلبت السؤال كله. ف"سم الأفعى" نفسه جعل الأعصاب تنمو بقوة. ولم يكن ذلك خطأ في التجربة.
تابع كوهين النتيجة، واكتشف أن سم الأفعى يحتوي على نشاط قوي يحفز نمو الأعصاب. ومع سلسلة أخرى من التجارب، تمكن الاثنان من الاقتراب أكثر من المادة التي كانا يطاردانها.
وبذلك توصلا إلى عامل نمو الأعصاب، أو NGF.
لم يكن الاكتشاف مجرد العثور على مادة جديدة. لقد كشف عن فكرة أوسع، الخلايا لا تنمو وتبقى حية بمفردها بل تستجيب لعوامل خارجية ترسل إليها إشارات تساعدها على النمو والبقاء والتخصص.
وهكذا، تحول السؤال الذي بدأ مع ريتا في أجنة الدجاج إلى اكتشاف غيّر فهم العلماء لنمو الخلايا وتواصلها.
من NGF إلى نوبل
مرت عقود قبل أن تصل قصة معمل الغرفة الصغير في تورينو إلى منصة نوبل.
وفي عام 1986، تقاسمت ريتا ليفي مونتالشيني وستانلي كوهين جائزة نوبل في الطب عن اكتشافات عوامل النمو.
لكن ريتا لم تتعامل مع الجائزة باعتبارها نهاية الرحلة.
واصلت العمل العلمي حتى سن متقدمة جدًا، وظلت مرتبطة بالبحث والتعليم، وفي عام 2001، عُينت عضوًا مدى الحياة في مجلس الشيوخ الإيطالي.
وفي العام التالي، أسست في روما المعهد الأوروبي لأبحاث الدماغ، المخصص لدراسة الدماغ ووظائفه وأمراضه.
كما أنشأت مؤسسة بإسمها لدعم التعليم وخاصة تعليم الفتيات والنساء في أفريقيا.
توفيت ريتا ليفي مونتالشيني في روما في 30 ديسمبر 2012، عن عمر ناهز 103 أعوام.