الأخبار

جامعُ عادِلة خاتُون .. أثرٌ معماريٌّ وإنسانيٌّ من روائع بغداد!

جامعُ عادِلة خاتُون
جامعُ عادِلة خاتُون

حينَ مَررتُ بالشارع العام لمنطقة العيواضية (العلوازية)، حانتْ مني التفاتةٌ إلى مسجدٍ على طرف من شارع عام وآخر فرعيّ، كان طرفُه مَساحةً لمَوْقفٍ عشوائيّ للسيارات، دفعتُ نظراتي إلى البعيد فظهرتْ لي منارتُه وقبّة ونخلاتٌ عالياتٌ، فقررتُ الذهابَ إليه لاستطلاعه.

جامعُ عادِلة خاتُون

كانتْ درجةُ الحرارة في أعلى مستوياتها في صيفٍ ساخن، وإنْ كانتْ الساعةُ حينها تشيرُ إلى الحادية عشرة صباحًا، مررتُ على بائع الماء لأشتري قنينة مثلجة، لكنّها لمْ تنفعْ في تبريد ما بيْ من حرارة، كدتُ أختنقُ لكنني اندفعتُ باتجاه المسجد خاصّة بعد أنْ عرفت إنّهُ (جامعُ عادِلة خاتُون) الذي طالما استهواني وأثار فضولي إليه، وذلك مكتوبٌ على واجهة الباب بلافتةٍ كبيرة خضراء (جامع عادلة خاتون شُيّد عام 1962)، ومنْ ثمّ قرأتُ إنهُ (مسْجدُ السيّدة عادلة بنت أحمد باشا جدّدته مديريةُ الأوقاف العامة سنة 1382هـ/1962م)، 

لكنني فوجئتُ بلافتةٍ صغيرةٍ على الباب تشيرُ إلى أنّ بابَ الجامع يُفتحُ قبلَ موعد الآذان بنصف ساعة!، بمعنى إنّ أمامي 45 دقيقة من الانتظار، ولكنْ أين سأنتظر؟ فليس هنالك مقعدٌ، لا أمام الجامع ولا في مقترباته، فتراجعتُ إلى الخلف لأتأمل المسجدَ بجماليات معماره الظاهرة والنخلاتِ السامقاتِ اللواتي تهتزُّ سعافتها بفعل الريح الساخنة!، ومن ثمّ الأسلاكَ الكهربائية الكثيفة الخاصّة بالمولّدات الأهليّة التي تمرُّ منْ أمامه والتي تصطدمُ بها النظراتُ وينزعجُ منها الناظرُ.

راودتني فكرةُ أنْ أغادر المكان، لكنّ شيئًا في نفسي يمنعُني، نوعٌ من العناد، طرقتُ البابَ عسى أنْ أجد استثناءً للصحفي، ولكنْ عندما فتحَ شرطيٌّ البابَ وأخبرتهُ بمهمّتي أكدَ بإصرارٍ عدم فتح الباب إلا بالموعد المحدّد، طالبًا مني ألا أظلّ واقفًا عند الباب خشْية أنْ تمرّ دوريّةُ شرطةٍ فيُحاسب!!، فيما جاءني شابٌ من داخل الجامع بقنينة ماء مثلجة، صغيرة.

بعد انقضاء وقت الانتظار كان بابُ الجامع مفتوحاً، وهو ما دعاني إلى أنْ أتجوّل في أرجائه بحريةٍ بعد كلمات ترحيبٍ من الشرطيّ ذاته!، ما زالَ المسْجدُ مُحافظاً على كينونته على الرغْم من محاولات ما يقالُ عن (ترميمه) ومتماسكاً إلى حدّ ما على الرغم من وجود ما يحتاجُ فعلاً إلى ترميم. 

سجّاد يحدّدُ وجهة المصلّين

نظرتُ في الأرجاء خارج قاعة المصْلى الكبيرة التي سرعان ما دخلتُها ووجدتها تتميزُ بتصاميم تبدو منها الأعمدةُ التي تمتدُّ إلى محيط القبّة التي في جوانبها نوافذٌ صغيرةٌ لدخول الضوء، تتدلى من وسطه ثريا جميلة، ومنبرٌ خشبيٌّ كبيرٌ، منبرٌ من خشب الصّاج بالقرب من مكان القِبلة المؤطّر المزخْرف الداخل في الحائط ويعلُوه قوسان من الطابوق بشكلٍ ملفتٍ وجميلٍ، 

وفي أعْلاه آيّةٌ قُرآنية (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (سورةُ البقرة آية 144)، وهي بخطّ الخطّاط هاشم محمد البغدادي (1921- 1973) مكتوبةٌ باللون الأبيض على سطْح أزرقٍ لا زوردي، فيما الأرضيّةُ مفروشةٌ بسجّاد يحدّدُ وجهة المصلّين على القِبلة وصفوفهم.

وفيه .. وأنا أستريحُ من عناء الحرّ الشديد تحت مبرّدة هواء تنفثُّ ريحاً سموماً كان لا بدّ لي أنْ أعرف العديد من المعلومات عنه، إبتداءً من مساحته التي هي 1500م2، مصلى الحرم مستطيلُ الشكل يبلغُ عرضُه أحد عشر متراً وطوله ثمانية عشر متراً، تحيطُه النوافذٌ ومفروشٌ بالسجاد العراقيّ وفي وسط الحرم أربعةُ أعْمدة من الكُونكريت تقومُ فوقها قبّةُ حرم الجامع، وهي ليستْ بالكبيرة لكنّها غُلفتْ بالطابوق الكاشاني البديع وتقومُ بجوارها منارةٌ مئذنةٌ ارتفاعُها نحو 20م، منصوبٌ على محيط منها عددٌ من مكبرات الصوت!!، والمهمُّ إنهُ شُيّد على نفقة عادلة خاتون زوجة والي بغداد سنة 1382هـ: 1962م، أيْ من أموال الوقْفيات التابعة للخاتون التي يقومُ عليها ديوانُ الوقف السُنيّ وآخرون.. ربما!.

أسمُها عادِلة خاتون وُلدتْ في العام 1717م وماتتْ عام 1768، ودُفنتْ في ركنٍ صغير من بناية المحْكمة الشرْعيّة في شارع النهر، كان جدُّها حسن باشا والياً كما أنّ والدها أحمد باشا كان والياً ثمّ أصبحَ زوجُها سليمان باشا والياً أيضاً، حيث مرّ على العراق حينٌ من الدهر حكمه (المماليك) من 1749 إلى 1831م ..، والمماليكُ همْ في الأصْل أطفالٌ اشتراهم الوالي العثمانيُّ (حسن باشا) من القفْقاس وأدخلهم مدارسَ خاصّة في بغداد تعلموا فيها فنونَ القتال .. وتولوا مواقعَ قياديّة في الجيش واحتلوا مناصبَ رفيعة في الحكومة.

ولمْ تُعرفْ عادلة خاتون فقط كزوجة والي، بلْ كإمرأة عُرفتْ بالحكمة والعطاء، تركتْ أثراً معماريًا وإنسانيًا بقي حتى يومنا هذا شاهدًا على قوتها وكرمها، وإنها إمرأة قوية أثّرتْ في السياسة والعمران والخير..

وكان (سُليمان باشا) أوّلَ من تولّى الحُكْم بالعراق من المماليك وكان حازماً في ضَبْط الأمْن طوال مدة حكمه التي أستمرتْ ثلاثِ عشرة سنة ..، وسُليمان باشا هذا هو الملقّبُ بـ(أبو ليلة) حيث كان يَخرجُ متخفياً ليلاً يجوبُ شوارعَ بغداد لتفقد أحوال الرعية واعتقال اللصوص، كما أُطلقَ عليه لقب (دوّاس الليل) و(أبو سمْرة) و(سُليمان الأسد).

 إسم لإمرأة بغدادية

قلتُ لمحدثي: جميلٌ أسمُ (عادلة) وربما هو آخرُ إسم لإمرأة بغدادية، وهي خاتون، ومعناهُ المرأةُ الشريفةُ الأصل، وعاليةُ المقام، كانتْ تُلقّبُ به نساءُ الملوك.

لكنّ إسم (خاتون) ليس عربيًا بلْ إنهُ (كلمةٌ تركيّة مغوليّة)، وإنهُ ظهرَ عند العرب في العهد العبّاسي في بغداد إثر احتكاكهمْ بالأتراك، ولذلك جاءتْ ألقابُ زُبيدة خاتون زوجة الخليفة هارون الرشيد وخاتون بنت بهاء الدين.

تجوّلتُ في أرجاء المسْجد المبنيّ من الطابوق الأصْفر والطابوق الكاشانيّ الأزرق، وداخل الحرم المفروش بالسجاد العراقيّ في أعلاه كُتبتْ بالطابوق الكاشانيّ وبشكلٍ بديعٍ العديدُ من الآيات القرآنيّة، وللمسْجد مصلى حرمٌ واسعٌ يتّسعُ لأكثر منْ 500 مصلٍّ، لكنني وجدتُ حين حان موعدُ صلاة الظهر إنّ خمسة أفراد فقط كانوا داخله!!!، كما عرفتُ إنّ الذين يقومون على خدمة الجامع همْ متطوعون.

كانتْ الأجواءُ داخل المسْجد جيدة نوعاً ما، حاولتُ استعادة قوتي بإغفاءة بسيطة، إلا إنّ الحرارة داخل المسجد تصبّبُ العرق، وهو ما لفتَ انتباهي حين دخلتُ ذلك الإعلان البسيط عن حاجة المسجد إلى شراء أجهزة تبريد!!، أستغربتُ ذلك وأنا أستذكرُ المعلن من ميزانية الوقف السنيّ الذي يعودُ هذا المسْجد إليه!.

وكان عليّ أنْ أعرف إنّ مسجد عادلة خاتون يعدّ من مساجد بغداد التاريخية القديمة ويقعُ في جانب الرصافة من بغداد على مسافة قريبة من جسر الصّرافيّة في حي العيواضية (العلوازي) الذي يحملُ إسمَ (حيّ الأطباء) حالياً، وقد مرّ على خدمته رجالُ دين أجلّاء سواء من المؤذنين أو الخطباء، معروفون بأسمائهم.

الخاتون: عدّة جوامع ببغداد

والخاتونُ عادلة بَنتْ عدّة جوامع في بغداد منها جامع العادليّة الكبير قرب شارع النهر الذي بُنيَ في العام 1163هـ/1749م، كما عرفتُ إنّ موقع هذا الجامع الذي يحملُ (عادلة خاتون) كان موقعه في الأصل في (عكْد الصخْر) في شارع المأمون مقابل المتحف البغداديّ، ولمّا تهدّم هذا الجامع لمْ يكنْ بالإمكان إعادة بنائه في موقعه السابق بعد أنْ تمّتْ توْسعة الشارع، فشُيّد جامعٌ آخر بدلاً منه مع القاعة المُلحقة به في بستان الصّرافيّة بأسم (جامع عادلة خاتون)، أعيد بناؤه في العام 1962م، وكان الجامعُ يسمّى بجامع عادلة خاتون الصغير وقد سُمّيَ الجامع الحالي أيضاً باسمه السابق، وذلك للتفريق بينه وبين جامع العادلية الذي أسسته وبنته السيدة عادلة خاتون أيضاً.

عدتُ لأنظر المسْجد من بابه الرئيسي، كررتُ الدخول إليه، وجدتُ ساحة كبيرة لهذا الجامع في نهايتها يقعُ مصلى حرم الجامع وأمام الحرم طارمة مُسقّفة تقومُ على ستة أعمدة من الكونكريت المدوّرة وتعلوها الأقواس والزخرفة، وفي أعْلاها كُتبَ بالطابوق الكاشاني بشكل بديع الآيات القرآنية: (في بيوتٍ أذنَ اللهُ أنْ تُرفعَ ويُذكرَ فيها أسمُه). (سورة النور آية 26- 29)، والطارمةُ والمصلى الصيفيّ مرتفعان على ساحة الجامع نحو نصف متر وتقعُ بالجهة الشرقية من الحرم غرفةٌ للإمام والخطيب أمامها حديقةٌ جميلةٌ تزهو في مساحتها نخلاتٌ وبالجهة الغربية من الحرم توجدُ ثلاثُ غرف، ومكانُ الوضوء، ويحتوي المبنى على مقرّ جمعية الآداب الإسلامية التي كان لها دورٌ فعّالٌ في التثقيف، وبالقرب منها حديقة أخرى.

ويبلغُ عرضُ الطارمة خمسة أمتار وطولها عشرون متراً، وبجوار الطارمة المصلى الصيفيّ وهو مربعُ الشكل حيث تبلغُ مساحته 400م2، ويتوسطُ الطارمة محرابٌ بديع الشكل مبنيّ من الطابوق الأصفر والكاشي الكربلائيّ الأزرق كُتبَ في أعلاه الآيةُ القرآنيةُ: (قدْ أفلحَ المؤمنون، الذين همْ في صلاتهم خاشعون). (سورة المؤمنون آية 1-2).

انتهتْ الجولةُ، لأنّ بعد صلاة الظهر سيُقفل بابُ الجامع، وتلكُ فلسفةُ يبدو إنّ المساجد انتهجتها بعد الظروف العصيبة التي مرّتْ بها بغداد، أخْطو نحو الخارج لكنَّ نظراتي ما زالتْ تجولُ في الداخل خشْية أنْ فاتني شيءٌ، فخرجتُ وأنا أشكرُ الشرطيّ الذي كان جالساً في مدخلِ الجامع.

على الطريق العام الرابط ما بين البابِ المعظّم والأعظمية، لا بدّ من لفتةٍ لا إراديّة إلى هذا الجامع الذي يحملُ إسمَ الخاتون عادلة الذي ركزَ جسدَه في ذاكرة المكان البغداديّ مثلما يبقى إسمُ (عادلة خاتون) مميزاً بعطاءاته الكثيرة وقفياتها العديدة.