محمد بن سلمان في باريس: وراء الأمير الإصلاحي.. التأثير الهادئ للأميرة فهدة
بمناسبة زيارته الرسمية إلى باريس يومي 23 و24 أغسطس 2026، أكد ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، التقارب الاستراتيجي بين الرياض وباريس. لكن خلف القائد الذي يقود التحول اللافت في المملكة، تبرز شخصية لا تزال غير معروفة على نطاق واسع في فرنسا: والدته، الأميرة فهدة بنت فلاح آل حثلين.
تشكل زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا محطة جديدة في العلاقات بين باريس والرياض. فقد استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولي العهد، الذي شارك في الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، تكريساً لتعزيز الروابط بين البلدين.
وتكتسب الخطوات الاقتصادية أهمية كبيرة، من بينها استثمار سعودي بقيمة 6 مليارات يورو في ثلاثة مشاريع لإنشاء مدن ترفيهية في فرنسا، مع الإعلان عن نحو 22 ألف فرصة عمل. كما حضر الزعيمان مراسم اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس.
لكن هذه الزيارة تتيح، قبل كل شيء، قياس حجم المسافة التي قطعتها المملكة العربية السعودية منذ صعود محمد بن سلمان إلى الواجهة السياسية.
وجه السعودية الجديدة
من خلال رؤية 2030، أطلق محمد بن سلمان تحولاً عميقاً في المملكة شمل تنويع الاقتصاد، وتطوير التقنيات الحديثة، والسياحة، والثقافة، والرياضة، والمشاريع الحضرية الكبرى.
ويشمل هذا التحول أيضاً الجانب الاجتماعي. فقد أصبحت المرأة تشغل اليوم مكانة أكثر أهمية بكثير في الحياة المهنية والاقتصادية، فيما أصبحت فئة الشباب أحد المحركات الأساسية للتنمية الوطنية.
ويبرز انفتاح المملكة بشكل خاص من خلال تنظيم الفعاليات الدولية، وتطوير صناعات ثقافية ورياضية جديدة، وخلق فرص جديدة أمام مجتمع تشكل فئة الشباب غالبية سكانه.
ولا يعني هذا التحول أن جميع التساؤلات المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان قد اختفت، لكنه يعكس بلا شك تحولاً كبيراً في المجتمع السعودي.
الأميرة فهدة: تأثير أمومي يستحق الاكتشاف
لفهم هذا التحول، من المفيد التوقف عند البيئة العائلية لولي العهد، ولا سيما والدته، الأميرة فهدة بنت فلاح آل حثلين.
وعلى الرغم من حضورها المحدود جداً في المشهد الإعلامي الدولي، فإنها تنخرط في مجالات العمل الإنساني والاجتماعي والتربوي. وفي عام 2025، منحتها جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن درجة الدكتوراه الفخرية في العمل الإنساني والشؤون الاجتماعية، تقديراً، من بين أمور أخرى، لدعمها التعليم وتعزيز دور المرأة.
ويشكل اهتمامها بالتعلم وتمكين الشابات وتطوير قدراتهن أحد الجوانب اللافتة في مسيرتها.
وفي عام 2026 أيضاً، رعت الأميرة فهدة حفل تسليم جائزة الأميرة نورة للتميز النسائي، التي تكرّم السعوديات في مجالات مختلفة وتشجع إسهاماتهن في تنمية المملكة.
ومن خلال هذه المبادرات، تتشكل صورة امرأة ترى في التعليم والتضامن وتمكين المرأة أدوات أساسية لتحقيق التنمية.
رؤية إنسانية تستحق أن تكون معروفة بصورة أكبر
كما أن البعد الإنساني في شخصية الأميرة فهدة يتقاطع مع القضايا الكبرى التي يواجهها العالم العربي، ولا سيما الأزمات والنزاعات التي تطال دولاً مثل السودان.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التزامها الإنساني الشخصي وبين المبادرات الرسمية التي تقوم بها الدولة السعودية ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. فالمملكة العربية السعودية تؤدي اليوم دوراً مهماً في تقديم المساعدات الإنسانية للسكان المتضررين من الأزمات الإقليمية، ولا سيما في السودان.
ويذكرنا هذا التوجه بأن أي مجتمع لا يستطيع تحقيق تنمية مستدامة من دون الاستثمار في التعليم والشباب والكرامة الإنسانية.
هل يمكن فهم محمد بن سلمان من دون النظر إلى والدته؟
سيكون من المبالغة إرجاع إصلاحات محمد بن سلمان إلى تأثير شخص واحد. فخياراته السياسية تندرج ضمن استراتيجية وطنية واقتصادية وجيوسياسية أوسع بكثير.
لكن مسألة التأثير العائلي تظل جديرة بالطرح.
فالأميرة فهدة تمثل جانباً أكثر إنسانية من مسيرة ولي العهد. كما أن اهتمامها بالتعليم والعمل الاجتماعي وتعزيز مكانة المرأة يقدم زاوية مثيرة للاهتمام لفهم بعض التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى أسهم هذا الحس الأمومي في تشكيل رؤية القائد السعودي؟
وهذا تحديداً ما يرغب المجتمع المدني الفرنسي في فهمه بصورة أكبر.
لقاء مرتقب في باريس
يمكن لشخصية الأميرة فهدة أن تحظى باهتمام حقيقي من جانب الجمعيات والجامعات والباحثين ورائدات الأعمال والفاعلين في المجال الإنساني في فرنسا.
ومن شأن لقاء معها أن يفتح نقاشاً حول قضايا تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، مثل التعليم، ونقل المعرفة، ومكانة المرأة، والتعلم، والشباب والعمل الإنساني.
كما سيسمح بإقامة حوار مباشر مع شخصية لا تزال إلى حد كبير غير معروفة لدى الرأي العام الفرنسي.
وبعد أن استقبلت باريس محمد بن سلمان باعتباره قائداً وشريكاً استراتيجياً، يمكنها أن تفتح مساحة أخرى للحوار: مساحة المجتمع المدني والبعد الإنساني.
علاقة جديدة بين باريس والرياض
تؤكد زيارة ولي العهد، في جميع الأحوال، أن العلاقات الفرنسية السعودية تدخل مرحلة جديدة.
فالمملكة العربية السعودية لم تعد تُنظر إليها فقط باعتبارها قوة في مجال الطاقة، بل تسعى إلى أن تصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية وثقافية ودبلوماسية رئيسية على الساحة الدولية.
ومن جهتها، تسعى فرنسا إلى أن تكون جزءاً من هذا التحول، وأن تجعل من الرياض شريكا استراتيجيا رئيسيا.
وبعيدا عن العقود والاستثمارات، يمكن لهذه العلاقة أن تفتح أيضاً المجال أمام حوار أعمق بين المجتمعين الفرنسي والسعودي.
محمد بن سلمان هو اليوم الوجه السياسي لهذه السعودية الجديدة، أما الأميرة فهدة، فقد تكشف جانبا أكثر حميمية منها: مجتمعا يسعى إلى التوفيق بين التقاليد والتنمية والتعليم والانفتاح.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل حضورها في باريس اليوم ذا رمزية خاصة، كما تأمل لطيفة، إحدى الفاعلات في المجتمع المدني النسائي الفرنسي، والتي تحدثت إليها هيئة التحرير.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في تنظيم لقاء في فرنسا للتعرف بصورة أعمق على الدينامية النسائية السعودية من خلال الأميرة فهدة، والدة ولي العهد الإصلاحي محمد بن سلمان