الأخبار

يوسف المحمداوي: وجعي.. وجعُ وطنٍ تحسدُنا على سحره وفتنته ملائكةُ السماء!

المحمداوي
المحمداوي

الشاعر العراقي يوسف المحمداوي.. يقطر وجعًا، حين تقرأه تجده في ثنايا شعره يُربك المعنى، فيما الحنين في نفسه يتدفق مستعرًا إلى أشياء كثيرات لها مواقد في حياته، لذلك هو متمسك بقول القائل: «الفرح ليس مهنتي»!

س: إذا طلب منك التعريف بنفسك للجمهور العربي ماذا تقول؟

ج: يوسف راضي محمد المحمداوي، وُلدتُ في محافظة ميسان/محلة الجديدة، وأكملتُ الطفولة والدراسة الابتدائية فيها، ثم انتقلتُ مع العائلة إلى بغداد، وأحسبها رحلتي من الجنة إلى جهنم، لكونها إبحارًا من ترف الطبيعة المدنية والريفية صوب العوز والجهل وضياع الهوية، وسنأتي لتوضيح ذلك من خلال الحوار. عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، لي ثلاث مجاميع شعرية مطبوعة، ومثلها مخطوطة. عملتُ في الصباح والمدى والمجلة الأسبوعية ومجلة ما بين نهرين الثقافية ومجلة الشبكة العراقية، كمدير للتحرير أو كمحرر في تلك القنوات. دخلتُ السجن لأكثر من مرة، آخرها العام 1998، وخرجتُ منه بالعفو الأخير. وبالرغم من الخيبات والنكبات التي عشتُها، لكن أجد المتعة ولذة الحياة في عالمي الأدب والصحافة.

س: من اختار لك طريق الشعر لتنطلق وتنطق به؟

ج: بيئة المحلة التي ولدتُ فيها، حيث كانت تغفو على ضفة نهر دجلة العظيم كفاتنة بعمرانها، بساكنيها، حديقة ممتلئة برموز الإبداع. من ترانيم والدتي رضعتُ حزن القصيدة، ومن محل والدي البزاز ارتديتُ ثوب النزاهة في التعامل مع الناس، ومن شقيقي الفنان التشكيلي الراحل ياسين المحمداوي تعلمتُ من لوحاته دهشة اللون، ومن جارنا الفنان الكبير ورائد المدرسة الانطباعية شوكت الربيعي توافقتُ معه بنقل الواقع الذي أراه كعنوان لقصائدي، ومن شارعنا الذي نسميه «الجادة» كان صوت قارئ القرآن عبد الزهرة حليحل العماري، الملقب بـ«عبد الباسط العراق»، يعلمني بالمجان أساسيات اللغة واستخداماتها وعذوبة الصوت، ومن جارتنا التي تُعد أول مصورة وأصغر معتقلة شيوعية في العراق، المصورة سميرة مزعل الشمسي، ثبات الموقف، وإن القصيدة بلا صورة مؤثرة كالحديقة بلا ورود والسماء بلا نجوم. ومن الحناء التي يطبعها كف أمي على كنيسة أم الأحزان التي تجاور محلتنا، عشقتُ البيت الشعري الذي يقول: «ديني لنفسي ودين الناس للناس». ومن سينما الخيام وأفلامها تلبستني متعة الحديث عن المسكوت عنه، ومن شناشيل بيوتات الجديدة أدمنت الهيام بجمالية بناء البيت الشعري. ولو تحدثت دهرًا عن تأثير البيئة التي عاشتها طفولتي هناك، لما أوفيت ذلك التأثير. وللأمانة أقولها: من محلتي عرفتُ أن للشعر آلهة تبادلك العبادة والوله في كل زمان ومكان، بالسرور والشرور.

س: هل دخلت دائرة الشهرة شاعرًا أم صحفيًا، وكيف؟

ج: لستُ المعني بالشهرة والإعلان عنها بقدر تخصص المتلقي بهذا الأمر، ولكني أشعر بأن يوسف الصحفي له الكأس المعلى على يوسف الشاعر، لأنني وجدتُ نفسي لا يمكن أن أكون السياب أو محمود درويش، ولكن في الصحافة من الممكن جدًا، وعلى ضوء ما فعلته بعالمها، أن أعوض ما فقدته بالشعر، وأضع اسمي من ضمن قائمة المهمين في عالم مهنة المتاعب. وهناك أمر مهم جدًا: إن للصحافة الفضل بأن أعيش حياة طبيعية لكونها مصدر رزقي الأول، أما الشعر فثروة شفاهية قد تمنحك الإعجاب والتصفيق، وكلاهما لا يمنحاك ما تحتاجه العائلة من ضروريات الحياة.

س: ما الحدث الأبرز الذي أثر في حياتك؟

ج: أحداث كثيرة، سجون، تهميش، فقدان، لكن الأبرز هو مشاركتي العرب بنكبة حزيران 1967، ومشاركتي بلدي بنكبة حزيران 2013 بعد دخول داعش، بنكبتي باستشهاد ولدي علي بمعارك التحرير في الرابع عشر من حزيران عام 2016. وأقولها بصراحة: إن استشهاد ولدي بالدفاع من أجل الوطن كان لي بمثابة زهو وافتخار، لكن اليوم، وبعد أن سقطت الأقنعة عن وجوه قادة البلد اللصوص، أعتبر ذلك الحدث نكبة، وأنا قلتها في إحدى قصائدي: «حين استلمتُ مرتبه الأول شعرتُ بأني القاتل». اليوم، وأنا أرى رواتب رفحاء الخيالية ورواتب التقاعد غير الواردة بالتاريخ للمسؤولين بخدمة لا تتجاوز الشهر، كما حدث في تقاعد أعضاء مجلس الحكم، وأنا أخ لشهيدين وأب لشهيد ولا أملك مترًا واحدًا في بلدي، ألا تحل عليّ لعنة الندم والبكاء شعرًا على ما يحصل؟ الكلام الكثير يؤلمني، ولكني أقول للناس: «ما كل حكايات الأنهر تفهمها الضفاف»، وأقول لولدي علي: «إليك أغني وبعض الأغاني تعب... وأسمعك تغني وكل أغانيك عتب».

س: أي الأبواب تفتحها القصيدة لك وأنت تكتب بيتها الأول؟

ج: أبواب لطلاسم ومستحيلات كثيرة لا يمكن أن تحصيها الذاكرة وتستوعبها القصيدة، فالوطن مأتم وسط حفل زفاف جماعي، بستان تستبيح عذريته الصحراء، نخيل تحول إلى عاقول، أنهار تحولت إلى عطش، قبح يراه غيري جمالًا، جبال أضحت وديانًا، أهوار تسحر الأنبياء بفتنتها، ملائكتها الطيور ارتدت ثياب القرى العشوائية فاستباحتها أسراب الغربان والخفافيش. يا لحيرة القصيدة وهي ترى أبواب العفاف مستعمرة للبغايا.

س: ما الوجع الذي تفتق في قلبك في «هنا بكى يوسف»، ليحمل هذا الاسم؟

ج: وجع وطن تحسدنا على سحره وفتنته ملائكة السماء، أراه يُذبح بخناجر القبح، وتُقطع أوصاله كما يشاء الغرباء. نوحي على وطني: «أستل سيف اللطف، أبحث في هدوئي عن قتيل../ وجعي الطويلُ..../ يذلني عند اعتداد ملامحي قرب المرايا... قومي اصرخي في وجه من لا يرتضيني حاجزًا أو سوء طالع..../ أنا نقطة التصويب في وطن مآذنه مدافع».

ففي كل كلمة أقولها حسرة، لذلك كل قصيدة قلتها كان هناك بكاء ليوسف.

س: كيف استطعت التوفيق بين ثنائية الألم والجمال في نصوصك؟

ج: العراقيون، وعلى مدى قرون، فعلوا ذلك، وأنا واحد منهم. أحزاننا جميلة، في المآتم نضحك وكأننا في حفلة عرس، أغانينا الجميلة بدايتها ألم ونهايتها ألم، وكأننا نستلذ بالألم. وروى لي صديق عراقي مغترب بأنه ذهب لزيارة عراقي متزوج من أجنبية في المنفى، فشكت له الزوجة بأن زوجها حين يدخل الحمام للاستحمام يبدأ بالبكاء، وحين سأله صديقه ضحك وقال له: تعودت حين أدخل الحمام أردّد بعض أغانينا العراقية.

وأنا شخصيًا حين أسمع مسعود العمارتلي: «عزيزين بويه»، أو داخل حسن: «يا طبيب إصواب دلّالي، كلف لا تلجمه بحطة السماعة»، أو أم كلثوم: «حطيت على القلب إيدي... وأنا بودع وحيدي... إسعفيني يا عين... وبالدمع زيدي»، تنتابني راحة تصل حد الثمالة من غير خمر. الألم عند العراقيين، يا صديقي، جمال، وكما يقول الماغوط، وكأنه يتكلم عن كل عراقي: «الفرح ليس مهنتي».

س: «أنا من أنا؟ تابوت منكسر يشيعه التفاؤل بالقنوط».. من أين أتيت بهذه القسوة أيها الشاعر؟

ج: القسوة نتاج للحروب التي عشناها ونعيشها، وما أكثرها. في السابق كنا نبكي على جارتنا العجوز إذا توفاها الرحمن برحمته، اليوم جارك في مأتم، وأنت تقيم حفل زفاف ولدك. تحجرت قلوبنا وأصبحنا قساة بالفطرة، ويا خشيتي على الجيل القادم، أية ملامح للقسوة سيحمل وينتج على سجيتها؟ فقولي أعلاه يحمل من رقة المشاعر الكثير إذا ما قورنت بالقسوة وصلافة القلوب وتحجر الروح التي نعيشها في جميع مفاصل الحياة.

س: لو كلماتك في «هنا بكى يوسف» جمرات، في وجه من وما ترميها؟

ج: في وجه من تجرأ على تجفيف الأهوار لتكون بداية نهاية الجمال وبداية تجرد الطبيعة من فتنتها وسحرها، لتموت الطيور، ويتحول القصب إلى أحراش، والأسماك تتنازل عن ثروتها داخل المياه، والأكواخ إلى كهوف يملؤها الخواء، والزرع بحصاد دائم، لتنتحر الفراشة ونشرف عمليًا على ذبح البلابل.

س: هل تجد في الحزن، أحيانًا، مصدر إبداع أم خذلان؟

ج: الحزن العنوان الرئيس لإبداع الشاعر منذ ملحمة كلكامش إلى يومنا هذا، مرورًا بالمعلقات وبدايتها الشاكية، إلى السياب وبكائياته، إلى أمل دنقل وتجلياته الدامعة في «لا تصالح»، إلى أن نصل إلى أغانينا، سواء العربية أو العراقية، التي هي عبارة عن نوح إبداعي، وأراها مصدر إبداع دائم للشرقيين بصورة عامة.

س: هذا الإهداء أفتتح مجموعتك الشعرية «قناع قابيل»: إلى جاموسة تتلهف بشوق الأنثى أن يعود «زلمتها» الهور، ماذا وراءه من أسى؟

ج: ما هي إلا حريق متعمد للطبيعة بفتنتها وسحرها من قبل طغاة نفذوا جريمتهم وفق أوامر داخلية وخارجية. الهور أوكسجين الجاموس، فهو زوجها الفعلي، تذهب إليه الفجر من غير دليل أو مرشد، يهديها قلبها إليه لتنعم بسحره، تداعبه وتغازله كأية أنثى تدلل زوجها، سريرها الماء ولحافها الضفاف، فهي في عرس نهاري دائم معه، إلى أن تعود إلى حظيرتها، وأيضًا من غير دليل، وكأن الرحمن أهداها بوصلة الذهاب والعودة. فإذا كان للبشر عرسهم الليلي، فللجاموس عرسها النهاري الذي غاب عنها وتشتاق إلى عودته كالزوجة المخلصة التي تنتظر بعلها الأسير، وما أقساه من انتظار.

س: تكتب الشعر العامي والفصيح، أي صراع بينهما من أجل الوصول إلى المعنى؟

ج: لا صراع بينهما أبدًا. أم كلثوم غنت «الأطلال» وغنت «يمسهرني»، والأمر ينطبق على فيروز، والقبانجي والغزالي والساهر، وجميع أغانيهم وصلت بالمعنى لقلب وعقل الجمهور. فحين كتبتُ عن ولدي الشهيد بالعامية هي ذات مشاعر الفقد التي كتبتها بالفصيح، وهي نفس المشاعر التي تكتبها عن الحبيبة أو عن الوطن، يا صديقي.

س: ما السحر في الشعر لكي تستمر معه؟

ج: الشعر عافية ومرض لا يمكن الهروب منه، إنه سرطان ممتع لا يمكن الشفاء منه ما دمت على قيد الحياة. هل يمكنك منع المطر من الهطول؟ فالشعر كالمطر، لا يستطيع الشاعر منعه من سماء عقله.

س: متى شعرت أنك لا تريد كتابة الشعر؟

ج: لم يخالجني هذا الشعور أبدًا. قد أتخلى عن أوكسجين الحياة، لكن من المستحيل أن أتخلى أو أفكر بالتخلي عن الشعر.

س: هل أخذتك الصحافة من الشعر أم العكس؟

ج: قالها عميد الأدب العربي الراحل طه حسين: «الصحافة مفسدة للأدب»، ولا يخالفه أحد بذلك، لكنها متطلبات الحياة فرضت وجودها وأرغمت الأديب بالتخلي عن منجزه وإبداعه في سبيل لقمة العيش التي وفرتها مهنة الصحافة.

س: حدثني عن ثلاث محطات في مسيرتك الإبداعية لها تأثير عليك شاعرًا وصحفيًا؟

ج: قصيدتي «مع الأسف» التي كتبتها عام 1991، وهي ترجمة حقيقية للانتفاضة الشعبانية، وأعدها شهادة نضال حقيقية، عملي في جريدة المدى الذي أعطاني مساحة واسعة لتطوير إمكانياتي الصحافية، استشهاد ولدي علي في معارك التحرير الذي صقل في يوسف توهج أحزان الفقد، على الرغم من كوني فقدت قبله شقيقين شهيدين، لكن الابن يختلف، يرغمك على الإيمان بكلمة الماغوط: «الفرح ليس مهنتي».

س: ما الذي ما زال يتأرجح في داخلك؟

ج: خوفي على وطني. أتمنى قبل موتي أراه أجمل وأسعد الأوطان، وهذا استحقاق وحق له، فهو العراق.

س: هل يمكن أن يذهب خيالك إلى المدينة التي ولدت فيها وتستذكرها بكلمات؟

ج: أنا أزورها كل عام، وأحرص على زيارة الجادة التي فيها بيتنا القديم. ميشا أو ميسان لا تعدل محبتها عند يوسف أية مدينة أخرى، رغم أني زرت أجمل مدن العالم، كباريس وموسكو وسان بطرسبورغ وروما وفينيسيا، لكني أشعر بأن سياح أمي ألذ وأنقى من البيتزا الإيطالية.

ميسان كاروك الدللول وغنى الطفولة وبراءتها، دجلة وسينما الخيام وكنيسة أم الأحزان، أناشيد مسعود، ومجالسها الحسينية، وسوقها المسكف، وحدائق النجماوي، وشارعا دجلة وبغداد. أية مدينة تسحرني سواها وهي الشط والصريفة والهور بطيوره وجواميسه؟ أتمنى أن أُدفن تحت ثراها، وإن كان ذلك يخالف طقوسنا وتقاليدنا.