الكتاب يأتى في 610 صفحات
«حارسات الوقت والمدن».. ناصر الظاهري يوثق حكايات الساعات من اليابان إلى أميركا
تتحول الساعة في كثير من مدن العالم من مجرد أداة لقياس الوقت إلى شاهد على التاريخ، وعلامة راسخة في ذاكرة المكان، ومعلم يستوقف الزائرين؛ وهي الفكرة التي ينطلق منها الكاتب الإماراتي ناصر الظاهري في كتابه الجديد «حارسات الوقت والمدن»، الصادر حديثًا عن مركز أبوظبي للغة العربية بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية.
وعبر 610 صفحات، يصطحب الظاهري القارئ في رحلة بصرية ومعرفية تمتد إلى نحو 120 دولة، متتبعًا أشهر ساعات المدن وأجملها، من اليابان شرقًا إلى الولايات المتحدة الأميركية غربًا، لا باعتبارها مجرد آلات لقياس الزمن، وإنما بوصفها جزءًا من تاريخ المدن وثقافاتها وذاكرتها البصرية.
الساعات.. ذاكرة المدن
لا يكتفي الكتاب بتوثيق مواقع الساعات وأشكالها، وإنما يبحث في الحكايات التي ارتبطت بها، والتحولات الحضارية والثقافية والفنية التي رافقتها، وكيف انتقلت الساعة في بعض المدن من وظيفة عملية إلى رمز من رموز المكان، وعنصر أساسي في صورته التي يعرفها السكان والزائرون.
وتحتل الصورة مساحة أساسية في الكتاب، إذ تولى المؤلف بنفسه تصوير الساعات والمعالم التي وثقها خلال رحلاته، لتتحول عدسته إلى وسيلة لاكتشاف ذاكرة الأمكنة وقراءة تفاصيلها.
وتظهر الساعات في الكتاب بأشكال متعددة؛ فمنها ما يتوسط الميادين، ومنها ما يعلو الأبراج، وأخرى مثبتة على مبانٍ تاريخية ومعالم أثرية، قبل أن تتحول بمرور الوقت إلى علامات مرتبطة بهوية المدن ووجهاتها السياحية.
من الساعات الشمسية إلى الذرية والرقمية
وفي مقدمته، يستعيد الظاهري شغفه القديم بتصوير ساعات المدن العتيقة، مشيرًا إلى أن رحلاته دفعته مرارًا إلى التوقف أمام الجدران التي تحمل ساعات قديمة ظلت شاهدة على أحداث المدن وتحولات سكانها.
ومن هذا الشغف الشخصي تتسع الرحلة في الكتاب لتصبح قراءة في حضور الزمن داخل الحضارات المختلفة، إذ يتتبع تطور أدوات قياسه وضبطه، بداية من الساعات الشمسية والمائية والرملية والزئبقية والشمعية، مرورًا بالساعات الآلية والفلكية، وصولًا إلى الساعات الكهربائية والذرية والرقمية وساعات الزهور.
كما يرصد الكتاب التحولات التي طرأت على تصميم الساعات ووظائفها، وكيف تجاوزت دورها العملي لتحتل مواقع بارزة في العواصم والمدن، وتعلو الأبراج والميادين، وترتبط بالعمارة التاريخية، حتى أصبحت في كثير من الحالات جزءًا من الهوية البصرية للمكان.
الزمن في الثقافة والفنون والأديان
ويستعيد الظاهري في فصول الكتاب جانبًا من تاريخ ابتكار الساعات وصناعتها، مستحضرًا أسماء علماء ومبتكرين أسهموا في تطوير أدوات قياس الزمن عبر الحضارات والعصور، إلى جانب التعريف بالمدن والمواقع التي توجد فيها هذه الساعات والمباني والمعالم المرتبطة بها.
ولا يتوقف الكتاب عند الجانب التقني، وإنما يذهب إلى الأبعاد الثقافية والجمالية والفكرية لمفهوم الزمن، متتبعًا حضوره في أديان الشعوب وثقافاتها وآدابها وفنونها، وكيف نظرت المجتمعات المختلفة إلى الوقت، وحولته إلى رموز وصور ومعالم حاضرة في الحياة اليومية.
وبهذا المنظور، يقترب «حارسات الوقت والمدن» من أدب الرحلات والتعريف السياحي والثقافي أكثر من كونه كتابًا متخصصًا في تاريخ الساعات، إذ يجمع بين المعلومة والصورة والسرد، ويقدم للقارئ حكايات عن المدن من خلال ساعاتها ومعالمها.
ناصر الظاهري.. تجربة بين الأدب والصحافة والسينما
يمتلك ناصر الظاهري تجربة إبداعية متعددة المسارات؛ فهو كاتب ومخرج، وترأس عددًا من الصحف والمطبوعات العربية والأجنبية، كما يكتب عمودًا يوميًا في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية.
وأصدر الظاهري 14 كتابًا في القصة والرواية والمقالات، وحصل على عدد من الجوائز الأدبية والإعلامية محليًا وعربيًا ودوليًا.
وامتدت تجربته إلى السينما، حيث عمل كاتبًا ومنتجًا ومخرجًا، وأنجز عددًا من الأفلام، من بينها فيلم «في سيرة الماء.. والنخل.. والأهل»، الذي حصد جوائز دولية عدة، وفيلم «التسامح»، الذي نال عنه «وسام أوائل الإمارات».
وفي كتابه الجديد، يضيف الظاهري تجربة توثيقية مختلفة إلى مشروعه الإبداعي، واضعًا الساعة في قلب المشهد؛ فهي في «حارسات الوقت والمدن» ليست مجرد وسيلة لمعرفة الوقت، وإنما شاهدة عليه وحافظة لذاكرة المكان، وعلامة ثقافية تروي جانبًا من حكاية المدينة والحضارة والإنسان.
ويتوافر الكتاب بنسخته الورقية عبر موقع «كلمة» الإلكتروني، ويخاطب شرائح عمرية واهتمامات متعددة، جامعًا بين السفر والتاريخ والعمارة والفنون والثقافات في رحلة لاكتشاف المدن من زاوية مختلفة.