الأخبار

علي حدّاد.. حين تتحول الحكاية إلى طريقة لمقاومة الموت

علي حدّاد.. قاصٌّ
علي حدّاد.. قاصٌّ وروائيٌّ عراقيٌّ

علي حدّاد.. قاصٌّ وروائيٌّ عراقيٌّ، يستحقُّ بجدارة أنْ يُرشَّح إلى جائزة نوبل للآداب، من دون مغالاة، لأنّ قصصه ورواياته تمتلكُ مواصفات شعبية وإنسانية ينسج خيوطها بأسلوب مدهش بأجواء ساحرة، لكنه مظلوم إعلاميًا لأسبابٍ خاصة ومرضية، وقد تعطلتْ حركته وصارت العصا رفيقته، أنهكته الحياة منذ الصبا لكنه تمسّك بالكتابة، يراها المبرر الوحيد لوجوده!

س- عرّف لنا نفسك؟ بالأسلوب الذي تختاره؟

ج- أنا كائنٌ عشقَ الكلمة التي تقولُ القصَّ والحكايا والجنون أحيانًا، وفي وقت مبكرٍ من عمري نشرتُ روايتي الأولى، كنتُ في السادسة عشرة سنة، وهكذا كانت بداية المأساة والمسرات..!

س- من أغراك لتسبح في بحر القصّة وتغطس فيها طويلًا؟

ج- كانت «مدفأة علاء الدين» ودفئها اللذيذ يجمعنا نحن الصبية وأمهاتنا، نستمتع بما يقصّه علينا جدّي من حكايات علاء الدين والمصباح السحري والشاطر حسن وليلى والذئب، وكنا مأخوذين، ونخشى أن تفوتنا كلمة تسقط من فم جدّي الخالي من الأسنان، فقط كانت جدتي من تجرؤ على مقاطعته: «أعدْ ما قاله الساحر للشاطر حسن؟»، وكان الواقع أحيانًا يكون أغرب من الخيال، وهذا يغريني بالغطس العميق.

س- أيهما لديك القدرة في التحكّم بها: القصة القصيرة أم الرواية؟

ج- القصة القصيرة.. تستطيع أن تقول كل شيء، والرواية كذلك، لكن المشكلة التي أكثر الكتاب يعانون منها هي افتقارهم القدرة على إثارة الدهشة وعدم معرفتهم بلغة السرد الممتنع، فثمة روايات بلا موضوع، لكنك لا تستطيع الفكاك منها، مثل «الحارس في حقل الشوفان» لسالنجر وكثير غيرها، وكذلك الحوار الفطن، والذي يتمتع بسرعة البديهة والانتقال الأخّاذ من مشهد لآخر، المفيد والمختصر، هي الموهبة التي منّ الله بها على بعض من خلقه.. ولدينا الكثير من الموهومين الذين أفسدوا الطبخة وما زالوا يتربعون كأصنام يجب رجمهم بحجارة الشارع... وأنا لا أجد مشكلة في السباحة بين النهرين (القصة القصيرة والرواية).

س- هل دخلتَ دائرة الشهرة يومًا؟ ما رأيك بشهرة الأدباء؟

ج- الشهرة.. آه أيتها الجنة الملعونة، كنتُ أطمح إليها.. إلى المجد.. الخلود.. مثل جدّي كلكامش، لكنه أراد البقاء لا أن يترك أثرًا يخلّده.. لكني شعرتُ بفرحة كبيرة حين خاطبتُ الموت بقسوة: «اسمع أيها الموت، و"خلّيها ترجيّة بإذنك"، سنهزمك أنت وعشيرتك الأقربين بقصصنا المبهرة الأخّاذة وبأشعارنا الرائعة.. ذلك هو خلودنا الذي ستقف عاجزًا عن موته»، أما عن شهرة الأدباء.. الأدباء، فوادي الرافدين أبخس حق أبنائه في الشهرة والمجد، مما اضطرني ذات مساء صيفي حار ورطب إلى التساؤل بحرقة: «لا أدري لماذا كل من ولد بين نهرين يموت عطشًا؟».

س- ما الحدث الأبرز الذي ترك أثرًا في حياتك؟

ج- كم رقمه؟! أقصد عن الأحداث التي تركت أثرًا فيّ، أقول وبصراحة: حين هربتُ من أجواء الخراب إبان صدور روايتي «التعيس الذي رأى نفسه»، عملتُ في البحر كبحّار، وأوشكت السفينة «إيكيا فرفارة» على الغرق، فقد توقف كل شيء: البحر الجميل والأغاني، وحلّ الموت، كلٌّ صلّى صلاته، الهندي والمسيحي والبوذيون والمسلمون، إلا أنا كنتُ مثبورًا أحمل دفاتري المليئة بالقصص ولا أريد أن أصدق هذا الموت، كان عمري ٢٢ عامًا، ما هذا الموت؟.. رآني كابتن فاسيلي وعرف بثبوري..، فالجميع استسلم وذهب إلى فراشه، فالبحارة قبرهم البحر، وإذا به يفاجئني بصوت هزم كل مخاوفي لكنه أثارني: «حدّاد.. لماذا لا تتصالح مع الموت؟»، كدت أبكي ثم بكيت وأنا أردد بيني وبين نفسي..، ولماذا لم تصالحني الحياة ولو لمرة؟ ويوم آخر ترك أثره في نفسي، لا أنساه..، ذات يوم مشمسٍ دُفن فيه الأسرى العراقيون بالتراب وهم أحياء من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران.

س- كثيرًا ما تذهب إلى البيئة الشعبية.. أي أسرار لديك فيها؟

ج- في درابين ودهاليز البيوت الشعبية ترى العجب العجاب، شخصيات مؤثرة وأخرى ضبابية، حمودي الأطرش مضى عليه ٦٠ سنة لم يرَ لا (باب الشيخ) ولا (باب الشرقي) ولا (باب المعظم) ولا أية باب أخرى.. ملكٌ كإله، وخطبه العصماء وهو يعتلي صهوة صفيحة (دهن الراعي) يسمّيها (بطنقة)، ويخطب وأبناء (شارع غازي) يهتفون: «يعيش ملكٌ كإله»، وجماعة تصيح: «يا يعيش»..، وبينهم تتعرف على الألفة والمودة، كلهن أمهاتك وكلهن أخواتك، وجميعهم أب لك، وكل أبواب البيوت مفتوحة، لا أحد يشعر باليتم، أقول لك سرًا: جارتنا أم صباح الحفّافة حملتني على كتفها إلى المستشفى، وهناك قاموا بعملية طهوري المقدس (ختاني)! كما إنني فقط أردت أن أخبرك عن كاكه توفيق، هو من أفضل صبّاغي الأحذية في الوطن العربي والإسلامي!!، وهو يصيح: «منو يزيّن»، يعني من يحلق شعره...!!

س- عناوين قصصك أسماء.. لماذا يهمك أن يكون العنوان اسمًا؟

ج- تسأل عن الأسماء في نتاجي، فثمة شخصيات لا تُنسى أبدًا وأثرها الكبير في المجتمع.. عم قاسم حمودي وحسين الأقجم وعفيفة وعباس بن رضية وحسين فاضل الدهان، أحسهم أمانة في رقبتي، أحس ذكرهم أمانة في رقبتي، وهي محاولة لمنع موتهم في الذاكرة.

س- قصصك القصيرة تحتوي على إهداءات لأشخاص معروفين على غير ما أعتاده القصاصون.. هل من مغزى أو رسالة ما؟

ج- كثيرات هي المرات التي تعرّض فيها الأصدقاء اللدودون إلى مغزى الإهداء في القصص القصيرة، أقول: وهل نبخل على الذين أضفوا على حياتنا البهجة؟ إنهم زخّات مطر في صحراء حياتنا.

س- هل أنت (التعيس الذي رأى نفسه) ولماذا اتُّهمت بسرقتها؟

ج- «التعيس الذي رأى نفسه» نُشرت في العام ١٩٧٣، صمّم غلافها صادق الصائغ وكتب المقدمة الرائد إبراهيم أحمد..، لكن الدنيا كلها لم تقعد، وكان لأساتذة الجامعات المساحة الأكبر في التلويح بسيوفهم، وما نشروه كان مثل من يصنع عاره بيديه، أخذني صحفيون إلى طبيب الأعصاب المشهور علي كمال، يتصفحني وكأنني مجنون قديم..، في الرواية فصل حين يذهب آدمون آرتين، بطل روايتي، إلى طبيب الأعصاب، يروح يسأل..، علي كمال ظل يسأل عن الذي علّمني هذه الأسئلة؟ كان علي كمال مجنونًا أكيدًا، أما أنا فكنت مشكوكًا بي، والأمر الآخر ما فعله رئيس تحرير مجلة (ألف باء)، وهو يقول للصحفيين في مجلته، وقد طلب مني أن أكتب قصة في الحال: «راقبوه جيدًا وهو يكتب قصته القصيرة»، ربما يكون حسن العلوي، وتعرضت لاختبارات كثيرة، فكرت حينها بكولن ولسون كيف صار فيلسوفًا، وهو بعمر ٢٣ سنة، وترجمت كتبه وراح يحاضر في الجامعات، وسالنجر تباع من روايته ٦٥ مليون نسخة، وأنا يطالبون بطردي من الوسط الثقافي، حسنًا قلتم عني سارق، من أين سرقت؟ نشرت هذا المقال في جريدة الثورة، فخيّم صمت خبيث، المقال نُشر بعنوان (نقد لا انتقاد)، الحمار في هذا الموضع لا يقبل أن يغادره، لكني سأتحداه هذه المرة!!

س- لماذا فعلوا كل هذه الغرائب معك؟

ج- لا أعرف، سوى إنني نشرت رواية اتهموني بسرقتها وما أنا بسارقها، فبقيت أعيش الموت والهذيان، أفكر بكولن ولسون وهو في الرابعة والعشرين، وسالنجر يبيع ٦٥ مليون نسخة من «حارس في حقل الشوفان»، وإن رواية «فرانكشتاين» لماري شيلي نفدت الملايين منها في الأسبوع الأول، وأنا ينظرون إليّ وكأنني طائر غريب جئتهم من المريخ.. وأكمل الزفّة ظهور أبو طبر (القاتل الذي سبى العراق العظيم)، وهكذا سافرتُ بحقيبة فيها ٧ قناني عرق مستكي وتفاحتان..، سمعت إنهم قالوا: «اكتشفنا سرقته فهرب!»، وبعد زمن عدتُ وتذكرتُ إنني لم أحاسب الموزع للرواية (أبو كشيدة) أيضًا، تفحصني، لكن ليس مثلما فعل د. علي كمال: «نعم سيدي علي حداد أبو التعيس»، قلت: «جئت من أجل الحساب»، فتمتم بخشوع: «الحساب يوم الحساب..»، ثم أردف: «لا أنا ولا أنت، هذا السجل التجاري له كلمة الفصل»، سجل طويل وفخم، وراح يقلب فيه، وأخيرًا قال: «أها.. المؤلف الأستاذ علي حداد.. انظر، وهذا توقيعك مستلم الفلوس!» نظرت إليه وإلى عمامته السوداء الفاقع لونها، ومضيت لا ألوي على شيء!

س- لماذا تعتبر نفسك منسيًا؟ أي عناء ينوء بهذا المخلوق الأديب؟

ج- لم أعانِ كوني منسيًا، كنت مثقلًا بالوجع والحزن، ويشغلني الهم بأنني أعيش بلا معنى، بلا دور، والمأساة أن يعيش الإنسان بلا وطن، بلا سكينة، يحفر معناه بأظافره.. وكنت أحمل شخصيات قصصي وحكاياتي، هي كائنات حية حان وقت خروجها..، وفي الخارج السفاحون يحدّون سكاكينهم..، لهذا وجدتني أذبح من الوريد إلى الوريد، وفي العام ١٩٨٦ طبعتُ رواية (حكاية رجل منسي)، وقد كلفتني طباعتها أكثر من ٤٦٠٠ دينار، وتولّى توزيعها صديقي كاتب الرحلات الرائع أستاذي محمد شمسي، وبعد أكثر من ١٤ عامًا، بعد عودتي من الأسر، تذكرت روايتي فسألت زوجتي: كم أعطاها محمد شمسي؟ فقالت بصوت عالٍ: «محمد شمسي مات!!»، صديقي المعتق أيها العتابي الجميل، اضحك وأنت تحسب أرباحي من مؤلفاتي.