الأخبار

ننفرد بنشرها

لأول مرة.. الفنان الكبير سعدون جابر يكشف تفاصيل علاقته بـ «بليغ حمدي»

سعدون جابر وبليغ
سعدون جابر وبليغ حمدي


يرتبطُ المطربُ سعدون جابر بالملحّن بليغ حمدي بعلاقة صداقة وطيدة تمتدُّ إلى ما قبل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وقد تمخّضتْ عنْ عدّة ألحانٍ وتواصلٍ مستمر في الزيارات واللقاءات الجميلة.

حدّثني المطربُ العراقيُّ الكبيرُ سعدون جابر عن الملحن الكبير بليغ حمدي (1931- 1993)، وعن تلك العلاقة التي بدأتْ بشكل وثيق في عام 1983 واستمرتْ طويلاً حتى الفراق الدنيويّ برحيل بليغ، وأثمرتْ أعمالاً فنية وصداقة مميزة كان من نتاجها زيارة بليغ لبغداد وكربلاء، وقد وردت بعض تفاصيلها في حواري معه.

متى كان لقاؤك الأول مع بليغ؟

التقيتُ بالكبير بليغ حمدي أول مرة في عام 1983؛ كنتُ حينها أغنّي في حفلٍ بمدينة "أبوظبي"، وكان جالساً بين الجمهور ولم أكن أعلم أنّ بليغاً يحضرُ حفلاً لي. وبعد انتهاء الحفل، وبينما كنتُ أتوجّه نحو باب الخروج مغادراً، إذا بي أسمعُ صوتاً عالياً ينادي قائلاً: "أستاذ بليغ.. هذا سعدون جابر!". وقفتُ مندهشاً وأنا أمام الهرم العربي بليغ حمدي، فقال لي: "أنت عامل إيه يا سعدون في (عيني عيني)؟ -وهي إحدى أغنياتي المشهورة- أنا أسمعها في كلّ الوطن العربي". ثم أردفَ: "إحنا لازم نلتقي يا سعدون". قلتُ: "هذه أمنيتي". فقال لي: "أنت رايح فين الآن؟". قلتُ لهُ: "أهيئ نفسي للسفر إلى الكويت غداً". فقال لي: "الله.. أنا بكرة أكون في الكويت".

وهل التقيتما هناك فعلاً؟

التقينا في الكويت، في منزل الملحق الثقافي بسفارة العراق (حارث طاقة) مع مجموعة من الشعراء والمثقفين. وهناك غنيتُ، واستمررتُ في الغناء نحو ساعتين، وكان بليغ يتمايلُ مع الألحان، أو كما نقولُ باللهجة المحلية (يَنوُد)؛ أي يهزُّ رأسه للأعلى والأسفل، ولكنه لم يقلْ شيئاً. كنتُ في داخلي أتمنى أن ينطق بكلمة عما يساوره، حتى إنني غنيتُ معظم "الخارطة الغنائية العراقية"، وهو لا يزال صامتاً لا يفعلُ سوى أن (ينود) ويتمايل. وما إن انتهيتُ من الغناء حتى رأيته يعتدلُ في جلسته، ثم خاطبني قائلاً: "أنا لازم ألحن لك". دُهشت.. فمن أمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ إلى سعدون جابر؟! ثم أضاف: "هل تغنّي بالمصري؟". قلتُ لهُ: "أغنّي بكل اللهجات، ولكنّ الذي يهمّني هو موضوع الأغنية لا لهجتها، ثم إنني عُرفتُ بثوبي العراقي". قال: "وهل هناك شعرٌ عراقيٌّ أقدرُ أن ألحنه؟". قلت له: "طبعاً"، ثم قرأتُ له من الذاكرة كثيراً من قصائد زهير الدجيلي وكريم العراقي وعشرات غيرهما، فقال لي: "إذن.. أنا سأزورك في بغداد وألتقي بالشعراء".

وهل زارك في بغداد؟ ومتى كان ذلك؟

فعلاً، زارني بليغ حمدي في بغداد بعد ثلاثة أشهر، وفي بيتي جمعتُ له اثني عشر شاعراً وملحناً ومغنياً؛ قرأوا له أشعاراً وبعضهم غنّى والآخر أسمعه ألحاناً جديدة، لكنّ بليغاً اختار من الأشعار ما كتبهُ كريم العراقي مثل: (من الأول يا حبيبي عرفتك مو إليّ)، و(مشوارك حبيبي ما منه مشوار)، و(يل بصوتك نغم)، و(عيونك أسرار).

هذه هي الأغنيات التي لحنها لك وعرفناها وحفظناها، كم استغرق تلحينها؟

بعد سنة، ذهب بليغ حمدي بأشعار كريم العراقي إلى القاهرة بنيّة تلحينها، ولحّنها فعلاً. وكان يُسمعني عبر الهاتف كل جملة يلحنها لأختار ما أحب؛ تصوّر.. بليغ يُسمعني ما يلحن لي! أي تواضع وبساطة عند هذا الفنان الكبير. وبعد انتهائه من تلحينها جاء إلى لندن يحمل أربع أغنيات مسجلة (موسيقى فقط)، وطلب أن أضع صوتي عليها في بغداد. سكن معي في شقتي، وكان وقتها يعيش أزمة الفتاة المغربية التي انتحرت في شقته بالقاهرة؛ حكى لي التفاصيل وكيف أن البعض اتهمه بالفسق والفجور، وكنتُ ولا أزال وسأبقى مع بليغ في كل ما قال، وضد كل من يتطاول عليه.

وبعد ذلك.. ماذا جرى؟

المهم.. قلتُ لبليغ يوماً إن هذه الأغاني سُجلت لحساب شركة كويتية، والشركة تريد أن تدفع لك حقوقك، فكم تأمر يا أستاذ؟ لكنّ بليغاً أدرك أن سعدون هو من يريد أن يدفع الحقوق، خاصة في ذلك الوقت العصيب الذي كان يعيشه بسبب "أزمة سميرة مليان"؛ فرفض بليغ أخذ أي فلس، بل ورفض أن يسترد أجور الموسيقيين والاستوديو التي دفعها من جيبه الخاص! قال: "يا سعدون، أعجبني صوتك وخُلقك وقررت أن أعمل معك بدون مقابل!". وبقي مصراً على ألا يأخذ أجور الألحان ولا الاستوديو ولا الموسيقيين رغم أزمته المالية.

وماذا فعلتَ إزاء هذا الإصرار منه؟

بعد مرور شهرين وهو معي في لندن، خرجنا يوماً لسهرة عند أصدقاء، ودون أن يدري وضعتُ مبلغ عشرة آلاف دولار في حقيبة ملابسه. وفي الطريق قلتُ له: "أستاذ بليغ، أنت تعرف أن شقتي مؤجرة وهناك مستأجرون آخرون يملكون مفاتيحها، فماذا لو دخل أحدهم غرفتك وأخذ المبلغ؟". قال فزعاً: "الله.. أنت تركت لي مبلغاً في غرفتي؟". فقلت: "نعم.. وهذا ليس استحقاقك (مش حقك)، فعملك معي لا يقدر بثمن". ثم عدنا إلى الشقة واستعاد المبلغ. لقد جالستُ وسهرتُ مع ملوك وأمراء ووزراء ورؤساء وأصحاب ملايين، ولم أجد أكرم من بليغ حمدي، والحديث عنه يطول.

ما حكاية ذهابه إلى كربلاء؟

في أحد الأيام، وبينما كان لا يزال في بيتي ببغداد، قال لي: "سعدون، خذني إلى كربلاء!". كانت الأيام وقتها من شهر محرم، وقال: "أريد أن أسمع القراءات الحسينية". تعجب جميع الحاضرين من هذا الطلب، فتبرع المطرب الدكتور فاضل عواد باصطحابه إلى كربلاء، وبالفعل ذهبا معاً.

ما الذي حدث له هناك؟

نقل لي فاضل عواد أن بليغاً سجّل بمسجل صغير كان يحمله معه نحو عشرة أشرطة (كاسيتات) لرواديد وقراء حسينيين مع "لطميات"، فبليغ كان رجلاً مهووساً بموسيقى الشعوب.

أيُّ شيءٍ بدر منه دفعك لتقول عنه هذا؟

ذات مرة كان معي في لندن حين كنت أدرس وأحضر لشهادة الماجستير، فقال لي: "سعدون، تعال نسافر معاً إلى أفريقيا!". قلت له: "أستاذ بليغ، ماذا سنفعل هناك؟". قال لي: "نسمع موسيقى الزنوج!". بليغ حمدي فنان سبق عصره بالموسيقى والكرم والأخلاق.