الأخبار

"بونتي إلجود" ونصف قرن بمصر.. من الحجر الصحي إلى مدرسة الدايات

 الطبيبة البريطانية
الطبيبة البريطانية بونتي إلجود 

عندما وصلت الطبيبة البريطانية بونتي إلجود  إلى مصر عام 1900، كانت خدمات الرعاية الصحية المقدمة للأمهات والأطفال لا تزال محدودة، إن وُجدت أصلًا. لم تكن تعرف آنذاك أن إقامتها في البلاد ستستمر لأكثر من نصف قرن، وأن اسمها سيرتبط بمحاولات مبكرة لإعادة تنظيم رعاية الأمومة والطفولة وتدريب القابلات"الدايات" في مصر.

وُلدت إلجود باسم Bonté Amos، وكانت من الجيل المبكر من النساء البريطانيات اللواتي درسن الطب في London School of Medicine for Women، المؤسسة التي أُنشئت عام 1874 وفتحت الطريق أمام النساء لدراسة الطب في وقت كانت فيه المهنة لا تزال مغلقة إلى حد كبير أمامهن. ووفقًا لأرشيف Wellcome Collection، حصلت على تأهيلها الطبي عام 1900، قبل أن تتجه إلى مصر في العام نفسه.

تطوير نظام تدريب القابلات

وجاءت بدايتها المهنية في مصر بالعمل فى الحجر الصحي وتعاملت مع المسافرين والحجاج واللاجئين وأطقم السفن، في بيئة صحية شديدة الصعوبة ومليئة بمخاطر الأمراض المعدية. ووفقًا لأرشيف  Wellcome، كانت من أوائل النساء اللاتي عملن في الخدمة الحكومية المصرية، كما كتبت لاحقًا عن خبراتها الطبية خلال عملها في الحجر الصحي.

بعد ذلك انتقلت إلجود إلى الإسكندرية، حيث اتجه اهتمامها بصورة متزايدة إلى صحة النساء والأطفال. وتشير المصادر التاريخية إلى أنها أنشأت عيادة مجانية للنساء والأطفال في أحد المستشفيات الحكومية، قبل أن تنتقل إلى القاهرة وتواصل عملها في مجال الرعاية الصحية والتعليم الطبي.

لكن أحد أهم الملفات التي انخرطت فيها كان تدريب الدايات. ففي ذلك الوقت كانت الولادات في مصر تعتمد بدرجة كبيرة على القابلات التقليديات، بينما كان تدريبهن غير موحد ويختلف من مكان إلى آخر. 

ووفقًا لـOxford Handbook of Modern Egyptian History، أُسند إلى إلجود عام 1911 دور في دراسة وتطوير نظام تدريب القابلات، ثم قامت عام 1913 بجولة في صعيد مصر للاطلاع على أوضاع التدريب هناك.

وبعد عودتها إلى القاهرة، عملت على إنشاء مدرسة تجريبية لتدريب القابلات، تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي. ولم يكن المشروع بمعزل عن الأطباء المصريين. 

تطوير خدمات الأمومة والطفولة بمصر

فقد تعاونت مع الطبيب المصري نجيب محفوظ والذى سمي على أسمه الأديب المصري نجيب محفوظ صاحب نوبل، أحد أبرز أطباء النساء والتوليد في مصر آنذاك. وتشير المصادر إلى أن المدرسة نجحت بحلول نهاية عام 1914 في تدريب واعتماد 118 قابلة، من بينهن 37 جاءت من المحافظات.

ولم يكن اهتمام إلجود مقتصرًا على الولادة فقط، بل امتد إلى صحة الأطفال والرعاية التي تتلقاها الأمهات بعد الولادة. ولهذا ارتبط اسمها بمحاولات أوسع لتطوير خدمات الأمومة والطفولة في مصر، وهي النقطة التي تجعل تجربتها تتجاوز قصة طبيبة تعمل في مستشفى إلى مشروع أوسع لإعادة تنظيم الرعاية الصحية. 

وتصف دراسة حديثة منشورة في Journal of Medical Biography  دورها بأنه كان مؤثرًا في تطوير خدمات صحة الأم والطفل في مصر.

وفي الوقت نفسه، تولت إلجود مسؤوليات في مجال الصحة المدرسية. ووفقًا لأرشيف Wellcome، أصبحت عام 1906 المسؤولة الطبية عن وزارة المعارف، واستمرت في هذا العمل حتى عام 1924، وارتبط عملها بصورة خاصة بصحة الفتيات في المدارس. وخلال تلك الفترة توسعت الخدمات الصحية المدرسية التي أشرفت عليها من عدد محدود من المدارس إلى شبكة أكبر بكثير.

كما ارتبط عملها بالتعليم الطبي للنساء. وتشير المصادر إلى أنها ساعدت في إرسال ست مصريات إلى بريطانيا لدراسة الطب، في وقت كانت فيه دراسة الطب بالنسبة للنساء المصريات لا تزال مجالًا جديدًا ومحدود الانتشار.

حصولها على وسام النيل

حصلت إلجود على عدة تكريمات تقديرًا لعملها. فوفقًا لأرشيف  Wellcome، منحتها الحكومة البريطانية وسامي OBE وCBE، كما حصلت على تكريمات من الحكومة المصرية والفرنسية. ويشير الأرشيف إلى حصولها على وسام النيل من الدرجة الثالثة تقديرًا لخدمتها العامة.

وبعد أن أمضت عقودًا طويلة في مصر، جاءت النهاية بصورة لم تكن متوقعة. ففي أعقاب أزمة السويس عام 1956، اضطرت إلجود إلى مغادرة مصر. ووفقًا لوثائق أرشيفها، احتُجزت لمدة عشرة أيام قبل أن تغادر إلى قبرص، ثم عادت إلى بريطانيا، بعد أن كانت قد أمضت معظم حياتها المهنية في مصر.

وفي عام 1958، أي قبل وفاتها بعامين، كتبت إلجود مذكراتها المحفوظة ضمن أرشيفها في Wellcome Collection وتمنح هذه الأوراق أهمية خاصة لسيرتها، لأنها تتيح قراءة تجربتها في مصر من خلال روايتها الشخصية، إلى جانب الوثائق والصور والمراسلات المحفوظة في أرشيفها.

توفيت بونتي إلجود في لندن عام 1960 عن 86 عامًا، بعدما قضت أكثر من نصف قرن بين مصر وبريطانيا. وبقي أثرها مرتبطًا بمرحلة مبكرة من تاريخ طب النساء والولادة وصحة الأطفال في مصر.