الأخبار

إبراهيم العلّاف: منْ يقرأ التاريخ لا يتعلمُ منه

إبراهيم العلاف
إبراهيم العلاف

مؤرّخٌ موصليٌّ عراقيٌّ عربيٌ، لهُ مع التاريخ أنشطةٌ وحكايات يكتبها على الورق ويؤثثها في كتبٍ ومنها ما يقدمها لطلابه بكل ما يمتلك من صدق وشجاعة لأنه أرتبط مع زمنه وأزمنة أخرى برابطة الموضوعية والحقّ، إنهُ المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلّاف، الذي حاورته في التاريخ ومدينته الموصل التي طالما عانت عناء عظيما لكنه لم يغادرها وظلّ فيها يرفع شعار (بيتك .. قبرك).

 

منْ أختار لك طريقَ التاريخ لتنطق به ؟

- أنا من أخترت طريق التاريخ وعشقي للتاريخ أبتدأ  منذ وقت  مبكر حينما  كنتُ في المدرسة الإبتدائية في العام 1952 وكان معلمُ اللغة العربية الأستاذ محمد    مصطفى  ابو جاسم   بسبب تكليفه لي  بإستنساخ بعض المقالات من المجلات هوما  دفعني الى حبّ التاريخ وأيضاً والدي كان يتحدثُ عن التاريخ ، كان عروبياً  قومياً وعضواً في حزب الإستقلال المؤسس سنة  1946 .

متى دخلتَ دائرة الشهرة لأول مرة ؟

- في الكلية..، كلية التربية – جامعة بغداد وهي نفسُها كانت دار المعلمين العليا كنتُ متفوقاً وكنتُ أسجلُ محاضرات الأساتذة وكنتُ  طالباً في قسم  الشرف، أي أتلقى في المرحلتين الثالثة والرابعة دروساً إضافية في فلسفة التاريخ وكنتُ الأولَ على دفعتي عند التخرج  من الكلية  للسنة الدراسية  1967 -1968، ومن  الطريف إانني كنتُ  أكتبُ المقالات التاريخية وأنشرها  في جريدة (فتى العراق) وهي جريدة  كانت تصدرُ في مدينتي الموصل وأنا طالب في الكلية، أصدقائي اليوم وقسمٌ منهم عسكريون ومدرسون يقرّون لي بالتفوق والتميّز والشهرة منذ ذلك الوقت يقولون إنك  لمْ تكنْ تميلُ الى تزجية الوقت بلْ كان كلّ همّكَ القراءة والإطلاع  والكتابة .

هلْ كانت لديك رغبة في دراسة اخرى؟

- نصحني البعضُ أنْ أدرسَ في قسم التربية وعلم النفس ولكنني قلتُ إنني أُحبُّ قسم التاريخ، من الطريف إنّ المؤرخّ يحتاجُ اليوم الى علم النفس وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم الجغرافية وعلم الإحصاء والأدب والفلسفة، ونحنُ اليوم نسمّي هذه العلوم في التاريخ بـ(العلوم المساعدة أو العلوم الموصلة ) وبدون معرفتها المؤرخ لايستطيعُ أنْ يكتب التاريخ . 

 حينَ تغمضُ عينيك، ما الذي تراهُ من طفولتك ؟

- أرى طفولتي وأنا اجلسُ في ستديو مراد الداغستاني وعمري سنتان (أنا من مواليد محلة رأس الكور في مدينة الموصل 1945) وهو يلتقطُ لي صورة مع عمي المرحوم جميل وما زلتُ أحتفظ بالصورة وهي منْ روائع هذا المصوّر الموصليّ العراقيّ العالمي رحمه الله .

 ما الحدثُ الابرزُ الذي أثر في حياتك؟

- الحدثُ الأبرزُ في حياتي المديدة ،وأنا اليوم أتجاوزُ الـ 80 سنة ،إنتكاسة والدي المالية في سنة 1954 وتعرضه لمحنة شديدة أفقدته كل ثروته وأضطرارنا الى أن  نعيش على البساطة ، ويقيناً إنّ موقفَ جدّي كان حاسماً، فقد رفض أنْ يُعلنَ عن والدي تاجراً للحبوب مفلساً، وقام ببيع الكثير من أملاكه لتسوية ديون والدي  .

ما المفاجأةُ الأولى التي كانت لك وأنت تقرأُ التاريخ ؟

- المفاجأةُ هي إنّ منْ يقرأُ التاريخ لا يتعلمُ منه، ولهذا نراهمْ يكررّون التجاربَ المؤلمة بما فيها الحروب والإستبداد دون أنْ يعوا الدرسّ بأنّ الوبال والخسران هو ما يصلُ اليه الأمر .

  ما السرُّ الذي أكتشفته كمؤرّخٍ في كتابات المؤرخين السابقين؟

- هو إنهم كانوا مخلصين لوطنهم متواضعين بسيطين عزوفين عن المغنم عيوفين كرماء ،أقصدُ المؤرخين العراقيين السابقين ومنهم السيد الأستاذ عبد الرزاق الحسني صاحب موسوعة (تاريخ الوزارات العراقية) والمحامي الأستاذ عباس العزاوي صاحب كتاب (تاريخ العراق بين أحتلالين ) والأستاذ الدكتور زكي صالح أستاذي في قسم الشرف والأستاذ الدكتورعبد القادر أحمد اليوسف أستاذي في مرحلة الماجستير 1975 والأستاذ الدكتور فاضل حسين أستاذي في مرحلة الدكتوراه 1979.

 هلْ يمكنُ للمؤرخ أنْ يكونَ منقباً آثارياً ؟

- بالتأكيد ..، ثمة علاقة قوية بين التاريخ والآثار فكثيرٌ من المؤرخين كانوا آثاريين مثلاً الدكتور طه باقر والدكتور فيصل الوائلي والدكتور بهنام أبو الصوف والدكتور وليد محمود الجادر والدكتور عامر سليمان والدكتور عادل نجم عبو ..أساتذة الآثار يمكنُ أنْ يكونوا مؤرخين وبالعكس، وهنا أقصدُ أساتذة التاريخ القديم، أنا شخصياً متخصّصٌ بالتاريخ الحديث لكني أقرأُ وأتابع التاريخ القديم والتاريخ الإسلامي لأفهم ما جرى وما يجري ،التاريخُ واحدٌ، إنهُ مجرى الحياة لا توجدُ فواصلُ بين عصر وآخر، والمؤرخون همْ منْ أوجدوا الفواصل لتسهيل دراسة تاريخ الإنسان . 

ما الصفاتُ التي يجبْ أنْ يتمتع بها المؤرخ؟

- أولاً : الصدقُ والمروءةُ والموضوعيةُ والشجاعةُ والنطقُ بالحقّ ، قُل الحقّ ولو على نفسك، المؤرخُ يجبْ أنْ يكتبَ الحدث كما وقع بالضبط والا يعدّ مزيفاً للتاريخ 

 ما الحكمةُ التي أستخلصتها من عملك مؤرخاً؟

- قل الحقّ ولو على نفسك ، حكمة عظيمة أنْ أقول الحقّ مهما أدلهمتْ الخطوبُ وكما يقالُ النجاةُ في الصدق، ما أجملُ أنْ يكونَ المؤرخُ صادقاً وشجاعاً.  ما المحطاتُ المهمة في حياتك والتي تتذكرها دائما؟

- عملتُ مدرساً في مدرسة متوسطة هي متوسطة فتح في الشورة وفي ثانوية بعشيقة المختلطة ومقرراً في قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الموصل ورئيساً ومؤسساً لقسم التاريخ بكلية التربية – جامعة الموصل لمدة 15 سنة من 1980-1995 ومديراً لمركز الدراسات التركية -الإقليمية في جامعة الموصل منذ العام  1985 وحتى 2012 ولأكثر من مرة ولحين إحالتي على التقاعد وأصبحتُ أستاذاً متمرساً. 

ما الذي منحك إياه التاريخُ لتستمر في كتابته؟

- منحني الثقة ومنحني الكبرياء ومنحني الشموخ ومنحني الحب ومنحني معرفة الإنسان في العالم ومعرفة الحضارات الإنسانية ورموزها .

ما الذي أستفدته من التلفزيون لتطلّ على شاشته وما تضررتْ منه ؟

- التلفزيون أداة جميلة ورائعة وصعبة، الظهورُ في التلفزيون كمقدم برامج ليستْ عملية سهلة فهي تحتاجُ الى مظهرٍ وصوتٍ وشجاعةٍ، وقدْ قدمتُ برنامج (شذرات) على قناة الغربية وقدمتُ برنامج (موصليات) من قناة الموصلية الفضائية، وقدمتُ أكثر من 600 حلقة، كما كنتُ أكتبُ لهم البرامج، وقد استضافتني قنواتٌ كثيرة منها (العراقية) و(الجزيرة) و(الشرقية)، وقبل أيام كنتُ ضيفاً على الإعلامي الكبير مجيد السامرائي في برنامجه الرائع ( أطراف الحديث) وكلّ ما قدمته متاحٌ على اليوتيوب ويمكنُ الإطلاع عليه وهذا من حُسن الحظ! والحمد لله 

 كيف وجدت تاريخ الموصل قبلك ؟

- وجدته محدود الإنتشار..، أستاذي الأستاذ سعيد الديوه جي كتب في تاريخ الموصل مؤلفات ودراسات ومقالات والمطران سليمان صائغ كتب في تاريخ الموصل ثلاثة أجزاء وأنا توسعتُ كثيراً كتبتُ عن المساجد والجوامع والكنائس والخانات والمعابد والقيصريات والشوارع والقناطر والمؤسسات والرموز والنشاطات الثقافية والتنظيمات والصحف والمجلات وتلفزيون الموصل ..، لمْ أتركْ  شيئاً ، وكتبتُ عن القرى والريف والاقضية والنواحي والجسور والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

منْ المؤرخُ الموصليُّ الذي أنصفَ الموصل؟

- سعيد الديوه جي، أخي وصديقي وشيخي، هو منْ أنصف الموصل، كتب عنها بقوة وتنوع وإعتزاز، لهذا عندما كنتُ رئيساً لجمعية المؤرخين والآثاريين فرع نينوى أخترتهُ في إجتماع عام ليكون رئيساً أعلى فخرياً للجمعية وقد فرح بذلك وأعلن عن إعتزازه بي أمام الجميع، جميع من كان حاضراً وكانوا كثيرين وحتى بعد وفاته سنة 2000 وقفتُ الى جانب ولده الأخ الأستاذ الدكتور أُبي سعيد الديوه جي رئيس جامعة الموصل السابق في نشر أوراق سعيد الديوه جي بعدة أجزاء .

 ايّ العهود في التاريخ العراقي المعاصر التي توقفتَ عندها باعتبارها فترة مضيئة .. بصراحة؟

- آخرُ كتاب او لنقل أحدث كتاب لي هو بعنوان ( تاريخ العراق المعاصر ..عرض عام) صدر عن دار قناديل للنشر والتوزيع ببغداد 2025 ،تناولتُ تاريخ العراق المعاصر من سنة 1914 حتى عهد الدكتور حيدر العبادي وكنت أراها فترة مهمة تحررتْ الموصلُ وتكاملتْ وحدة العراق من جديد .

ما أكثر ما أحزنك كمؤرخٍ حين دخل (داعش) الموصل ؟

- ما أحزنني هو تسلطُ أناسٍ جهلة بعيدين عن التنوير وأستغربتُ من سيطرتهم على أجزاء مهمة من العراق في غفلة من الحكومة القائمة، طبعا هناك تقريرٌ مهمٌّ أقرّهُ مجلسُ النواب عن (سقوط الموصل 2014-2017) وأنا أيضا ألفتُ كتاباً صغيراً عن وضع الموصل بين 2014-2017 بتكليف من مؤسسة بيت الحكمة ببغداد ونشر نشراً محدوداً .

ما الأثرُ الذي تمنيت أنْ تضمهُ بين جوانحك ولا يمسّهُ الضررُ ولماذا ؟

-مكتبتي..، كنتُ أخافُ أنْ تحرق، لهذا بقيتُ في داري ورفعتُ شعاري (بيتك قبرك) !.

 لو طلبتُ منك أنْ تصفَ الموصل بعد العام 2014 ماذا ستقولُ عنها ؟

- الموصلُ بعد 2014 ظلامٌ وتخلفٌ وفقرٌ وعودةٌ الى حياة العشرينيات وتسلطٌ واستبدادٌ وتدميرٌ لنفسية الإنسان والتحكّمُ به حتى في شكل لحيته وملابسه، كان أمراً مرعباً، نُسفتْ التماثيلُ والجوامعُ واحرقتْ المكتباتُ وحيثما تُحرقُ الكتبُ يُحرق الانسانُ واستشهد كثيرون لهم الرحمة .

ماذا يعني لك أنْ تكون مؤرخاً الآن وسط عالم يتمّ تزييف وقائعه ؟

- المؤرخُ مركزُ تنوير ومحطّ اهتمام، التزييفُ والترهلُ والتزويرُ والتخريبُ موجودٌ منذ أنْ خلق اللهُ الأرض لكنْ علينا أن نقف ضدّ أيّ تزييف وضدّ أي إقصاء وضدّ أيّ تهميش وضدّ أيّ محاولة لطمس معالم تاريخنا، تاريخنا القديم والإسلامي والحديث، أقصد تاريخنا العراقيّ مبعثُ فخر ويجبُ علينا أنْ نُعمقَ وعيَ مواطنينا بهذا الإتجاه، لهذا أنا رفعتُ شعار هو إنني أسعى أنْ يكون التاريخُ علماً شعبياً يحبّهُ الناسُ ويعتزون به ويحافظون على إرثه . 

كمْ عددُ الكتب التي أصدرتها وأيّها أتعبك اكثر ؟

- لديّ (70) كتاباً، أولها كتابي (نشأة الصحافة العربية في الموصل) صدر عن جامعة الموصل 1982 وأحدثها كتابان الأولُ (تاريخُ العراق المعاصر) و(تاريخُ دار المعلمين العالية ) ..وأكثر كتاب أتعبني هو كتابي المنهجي 1985 (تاريخُ الوطن العربي في العهد العثماني 1516-1916) درسته وفق منهج جديد نظرتُ فيه الى الوطن العربي ككتلة جغرافية بشرية متفاعلة مع بعضها البعض وهو اليوم مازال يدرّسُ في أقسام التاريخ في العراق وفي بعض الدول العربية .

 ما الذي ما زال يتأرجحُ في داخلك ؟

- مازال الاملُ في أنْ ينتظم العربُ في دولة واحدة أو على الأقلّ أنْ يتحدوا في المواقف وأنْ تكون لهم كلمتهم التي تعبّرُ عن شخصيتهم وطموحاتهم في التقدم والوحدة والحداثة الحقيقية والتنوير الحقيقي .

ما الطموحاتُ التي ما زالتْ في نفسك وترجو تنفيذها؟ 

- أطمحُ أنْ أفدم لبلدي وأمتي الكثير في مجالات التأليف التاريخي وأتمنى أنْ يعينني الله ويمدني بالقوة والصحة لأكتب وأكتب وأنْ لا يسقطُ القلمُ من يدي الا بعد أنْ تحين ساعة المغادرة .